محللون: الانتخابات محطة تحتاجها جميع الأطراف والمطلوب التجديد وعدم استنساخ الوضع القائم

رام الله- تقرير خاص بـ"القدس" دوت كوم- بعد 15 عامًا على إجراء انتخابات المجلس التشريعي كآخر انتخابات عامة جرت في العام 2006، يعود الحديث عن إجراء الانتخابات العامة بالتتالي (التشريعية، الرئاسية، ومن ثم المجلس الوطني)، وفق مرسوم رئاسي أصدره الرئيس محمود عباس مساء الجمعة الماضي، وهو ما يُظهر حاجة الجميع لإجراء الانتخابات، خاصة حركتي فتح وحماس.

في هذا التقرير الذي أعدته "القدس" دوت كوم، رصدٌ لآراء كتاب ومحللين سياسيين بشأن أهمية إجراء الانتخابات، فهل ستنجح الانتخابات هذه المرة في ظل الصعوبات التي قد تواجهها، على الصعيدين الداخلي والخارجي؟

ويأتي الإعلان عن إجراء الانتخابات هذه المرة في ظل استمرار الانقسام، إذ يرى الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري في حديث لـ"القدس" دوت كوم أنّ من أهم المعيقات أمام إجراء الانتخابات هو إجراؤها في ظل الانقسام، حيث يوجد هناك توجه لإجرائها وتأجيل إنهاء الانقسام بعد الانتخابات، "وهو طرح خاطئ".

ووفق المصري، فإنه في ظل الانقسام، توجد سلطتان متنازعتان، وهو ما قد يمس باحترام نتائج الانتخابات وشفافيتها، ولا بد في الفترة الحالية من العمل على تشكيل حكومة انتقالية توافقية تعمل على توفير أجواء الانتخابات، حيث لا توجد ثقة، والحكومة الانتقالية تأتي لضمان الثقة، أما الذهاب إلى الحوار بعد إصدار المراسيم، فإن تساؤلات تثار حول ماذا نفعل في حال لم نتفق وتعثر الحوار، الأصل أن تُذلل العقبات، ثم تصدر المراسيم.

ولا يُخفي المصري تخوفه من إمكانية فشل الانتخابات إن تعثر الحوار، وكذلك "أننا نقع تحت الاحتلال الذي يعمل دومًا على التدخل في كل شيء، والأصل أن نعمل على كيفية مواجهة تدخلاته، وكيفية التصرف إن تم اعتقال النواب، هدفنا يجب أن يكون أننا نريد انتخابات ليس فقط من أجل إجرائها، بل من أجل التجديد وليس استنساخ الوضع القائم".

وحول إن كانت التعديلات القضائية الأخيرة لها أثر على الانتخابات، يوضح المصري أن ذلك يؤثر سلباً في الثقة بالقضاء الذي سيفصل بالمنازعات، ويؤثر كذلك على الثقة بالمحاكم المتعلقة بالانتخابات.

استبعاد وجود تدخلات خارجية

يستبعد الكاتب المصري وجود تدخلات دولية خارجية حول إجراء الانتخابات، ويقول: "الانتخابات ضروررية، وحق ومستحق، كانت هناك محاولات لإجرائها مراتٍ عدة، ولم ينجح ذلك، لكن الظروف الحالية قد تغيرت في ظل ظروف عربية ودولية وإسرئيلية مختلفة".

ويوضح المصري أنّ تجديد شرعية السلطة عبر الانتخابات من خلال الحديث عن دخول حماس وفتح بقائمة مشتركة لضمان نتائجها، وكذلك الحديث عن الرئيس التوافقي، يأتي من خلال التنافس بالانتخابات في إطار الوحدة، و"إن لم توجد وحدة فإنه لا توجد انتخابات، والانتخابات مدخل للوحدة، لكن لا بد من وجود شروط ومستلزمات لتكون حرة ونزيهة، على الأقل بعض الشروط الأساسية".

ويقول المصري: "حماس وفتح لديهما حجج للتهرب من الانتخابات، وبالتالي من الممكن فشل إجراء الانتخابات في مرحلة من مراحلها، سواء قبل إجراء مرحلة ما أو بعدها، علاوة على أن الانتخابات قد تؤدي إلى مزيد من الشرذمة حتى في داخل حركتي فتح وحماس، ومن الممكن أن نشهد قوائم جديدة من حماس وفتح بعيداً عن الإطار الرسمي للحركتين".

إجراء الانتخابات ضرورة لتجديد الشرعيات والحياة الديمقراطية

وبعد 15 عاماً على إجراء الانتخابات التشريعية كأحد مخرجات الانتخابات العامة، فإن الكاتب عبد الغني سلامة يبدو في حديثه لـ"القدس" دوت كوم متفائلاً بشأن إجرائها، حيث يقول: "إن إجراء الانتخابات هذه المرة سوف ينجح، خاصة أننا منذ 15 عاماً بلا انتخابات، وهي فترة كافية، وأصبح إجراؤها ضرورة لتجديد الشرعيات وإعادة الحياة الديمقراطية وترسيخها".

ويشير سلامة إلى أن حركة "حماس" كانت توجد لديها حُجج لتعطيل الانتخابات، لكن كل هذه الحجج استنفدت، وأيضًا كل الحجج أمام السلطة استنفدت لعدم إجراء الانتخابات، "ولم يعد هناك تسويغ لتأجيل الانتخابات أكثر من ذلك".

وحول وجود ضغوط دولية لإجراء الانتخابات، يشير سلامة إلى أن الإدارة الاميركية الجديدة حتى يكون أمامها خيار التعامل مع الأطراف الفلسطينية، فإنها تحتاج إلى مبرر ومنطق قوة بوجود طرف فلسطيني بشرعية جديدة، حتى لا يعارض أحد توجه الإدارة الأميركية الجديدة بالتواصل مع الفلسطينيين، فيما يشدد سلامة على أن قضية الانتخابات داخليًا عليها إجماع.

توقعات بالمشاركة في الاقتراع كلما اقتربت الانتخابات

ويبدو أن التخوف لدى الشعب الفلسطيني أمر محق، فعامة الشعب متخوف ومتردد، وفق الكاتب عبد الغني سلامة، الذي يبدو أنه متفائل بالمشاركة في عملية الاقتراع، ويقول: "رغم وجود تخوفات، لكن في الحقيقة كلما اقتربنا من موعد إجراء الانتخابات ستكون هناك مشاركة أكبر بها".

ووفق سلامة، هناك معيقات قد تكون أمام إجراء الانتخابات، منها أنها ستُجرى من دون مصالحة، وأيضًا عائق السن للترشح، ما يعيق فئة كبيرة من الذين يمتلكون حق الانتخاب من الوصول إلى مراكز صنع القرار.

ويلفت إلى وجود أمور قد تكون عائقًا أمام الانتخابات، منها داخلي، كوجود تيارات داخل حركة حماس تعارض الانتخابات، كما قد تكون هناك عراقيل إسرائيلية أمام إجراء الانتخابات، وكذلك قد تصطدم فئة الشباب بالجيل القديم، ولا بد من دعم فئة الشباب، لكن كل هذه العقبات قد يتم تذليلها، خاصة مع وجود تصميم على إجراء الانتخابات، فيما يشير سلامة إلى أنه "سيكون هناك حوار داخل النخب السياسية بالفصائل حول الانتخابات".

وفيما يتعلق بحركة فتح، يعتقد سلامة أن الحركة قد لا تستفيد من تجاربها السابقة وتكرر أخطاءها بوجوه يتم ترشيحها وعليها تحفظ شعبي، وقد تنعكس مشكلة فتح وترهلها الداخلي على برنامجها، ما يتوجب عليها وضع برنامج انتخابي ذكي للملمة الصفوف الداخلية للحركة.

الانتخابات محطة جدية تحتاجها كل الأطراف

بعد نحو 14 عاماً من الانقسام، وفي ظل المتغيرات الدولية والعربية، أدرك الفلسطينيون نوع الخطر المحدق بهم، حيث إن الفصائل جميعها رحبت بالمراسيم التي أصدرها الرئيس محمود عباس، وفق ما يؤكده الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل في حديثه لـ"القدس" دوت كوم.

ويشدد عوكل على أن إجراء الانتخابات محطة جدية تحتاجها كل الأطراف، سواء السلطة لأنها أمام مرحلة جديدة بعد فوز جو بايدن، ما يفتح المجال أمام المفاوضات والعلاقات الأميركية الفلسطينية، وكذلك حماس تحتاجها للممارسة الشرعية من جديد، خاصة أن حماس ليست جزءًا من منظمة التحرير، وكذلك بعد حل المجلس التشريعي، وهي لم تعد جزءًا من السلطة.

ويرجح عوكل أن تنجح الانتخابات هذه المرة، طالما أن الأطراف كلها أبدت الاستعدادت لإنجاحها، "فلماذا لا تنجح؟ خاصة أن الكل سيشارك ما عدا حركة الجهاد الإسلامي التي تفضل المشاركة بالمجلس الوطني فقط".

مخاوف قد تعتري الانتخابات العامة

وبالرغم من أن عوكل يشير إلى أن التعديلات القضائية التي جرت مؤخراً قد تؤثر على بعض الشخصيات، وعلى وجه التحديد القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان، وبعض الشخصيات الأُخرى، فإنه يشدد على أنه "لن تكون هناك عقبات كبيرة أمام إمكانية نجاح هذه الانتخابات".

ويضيف عوكل: "هناك إصدار للمراسيم وتحديد مواعيد، والبعض يتحدث عن قائمة مشتركة بين حركتي فتح وحماس، هناك اتفاق واسع بين الحركتين، وهذا يعني أن الاعتراضات قد تكون ليست بالمستوى الذي يؤدي إلى أُمور تعتري الانتخابات أو تعطيلها، أما قضية تصويت المقدسيين، فإن لم يكن هناك اقتراع مباشر فقد تكون هناك بدائل أُخرى لتصويتهم".

لكن عوكل يوضح أن المخاوف الحقيقية هي أن تُجرى انتخابات تشريعية، ثم يتم تأجيل بقية الانتخابات، "وهنا نتحدث عن عدم وجود مصداقية عالية، ومصدر هذه المخاوف خيبات الأمل الكبيرة التي عاشها الفلسطينيون".

ثلاثة معيقات تهدد نجاح الانتخابات

ثلاثة معيقات تهدد نجاح الانتخابات العامة المقبلة، وفق ما يوضحه الكاتب والمحلل مهند عبد الحميد، في حديثه لـ"القدس" دوت كوم، الذي يشير إلى أن المعيق الأساسي الأول هو ضعف ثقافة الديمقراطية داخل الحركة السياسية والمجتمع ومفهوم الانتخابات الضيق الذي يقتصر على صناديق الاقتراع فقط.

وتساءل عبد الحميد: "هل نحن بحاجة إلى تغيير حقيقي ينسجم مع التحديات التي يواجهها الشعب الفلسطيني؟ بمعنى آخر هل نحن بحاجة إلى إشراك الشعب في معركة التحرر من الاحتلال وفي معركة البناء والتنمية؟ أم أن للانتخابات وظيفة واحدة هي تجديد شرعية القوى المسيطرة بدون توفير استحقاقات المواطنة والتمثيل التي تتلخص بالحريات".

أما المعيق الثاني، فهو بحسب عبد الحميد، نظام "الكوتا" (المحاصصة) الذي أصبح عائقاً ويُفقد الانتخابات ديمقراطيتها، بينما العائق الثالث هو التدخلات الخارجية، وبخاصة تدخُّل سلطات الاحتلال، فضلاً عن التدخلات الدولية والعربية باستخدام المال السياسي والضغوط.

الحاجة لاستعادة الثقة المفقودة

ويشدد الكاتب مهند عبد الحميد على أنه مطلوب استعادة الثقة المفقودة أو المهزوزة من أغلبية الشعب داخل الوطن وخارجه، عبر تقييم ونقد تجربة الانتخابات السابقة واستخلاص دروسها، سواء لجهة الخضوع للتدخلات الخارجية، أو انتهاك الحريات العامة والخاصة، أو استخدام العنف للبقاء في السلطة (انقلاب حماس)، أو توظيف الدين (التكفير والتحريم والترهيب) للفوز في الانتخابات والبقاء في الحكم، والأهم وضع أُسس ملزمة للشرعية الفلسطينية.

ويطرح عبد الحميد تساؤلين: "هل نريد سلطة مقيدة بأجندة الاحتلال وأجندات إقليمية ودولية، أم سلطة مستقلة؟ وهل نحن جزء من الشرعية الدولية؟"، ويقول: "ينبغي أن يكون كل ذلك واضحاً قبل الشروع في الانتخابات".

وحول نجاح الانتخابات أو فشلها، فإن عبد الحميد يؤكد أن ذلك يعتمد على مدى الانضباط للمعايير والأهداف، وبخاصة استعادة ثقة الناس، ويعتمد أيضًا على طبيعة المرشحين للانتخابات، مثلاً: هل يُعاد تقديم بيروقراطيين مثخنين بالفشل أو من فقدوا مصداقيتهم ومتهمين بفساد مالي وإداري وسياسي من قبل أوساط واسعة من المواطنين، أم سيتم تقديم مرشحين ديمقراطين قولاً وفعلاً، ويتمعون بكفاءة ومصداقية وبالتزام وطني وباحترام الحريات؟

ويؤكد عبد الحميد أن الانتخابات ستنجح عندما تعتمد على مرشحين يعملون للمصلحة العامة الوطنية والاجتماعية، ويفوزون بثقة المواطنين بعيداً عن شراء الأصوات بالمال السياسي.

مخرجات مطلوبة لما بعد مرحلة الانتخابات

وبشأن المطلوب تأسيسه ليكون مخرجات لما بعد مرحلة الانتخابات، يوضح الكاتب مهند عبد الحميد أنه لا بد من توفُّرها في الجانب السياسي من خلال التأسيس للتحرر من اتفاق أوسلو، واقتصادياً التأسيس للخلاص من اتفاق باريس الاقتصادي، والتحرر من الاقتصاد النيوليبرالي والاعتماد على تطوير الموارد من داخل المجتمع.

أما ديمقراطياً، فيوضح عبد الحميد أنّ الانتخابات يجب أن تؤسس لإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الوطنية على أُسس غير حزبية، ويقول: "لا يعقل أن تكون الأجهزة المعنية بالدفاع عن النظام والقانون تابعة لهذا التنظيم أو ذاك، من المفترض أن تكون هذه الأجهزة وجهاز القضاء وجهاز الرقابة مستقلة عن الأحزاب".

ويتابع: "إعادة البناء تتطلب إعادة النظر بمنظومة القوانين البالية، واستبدالها بقوانين عصرية متناغمة مع حقوق الإنسان وإزالة التمييز ضد نصف المجتمع، ومطلوب إيجاد ثورة في نظام التعليم واستبدال النظام التعليمي القائم على السيطرة وتقييد العقول بنظام تعليم تحرري يطلق طاقات الأجيال".