النهضة الرقمية في فلسطين في انتظار المخلص

بقلم: احمد فتوح

النهضة الاقتصادية الرقمية في فلسطين مازالت تنتظر المُخَلص.. أو المُخْلص!

‎لا يخفى على أحد اليوم الزلزال الاقتصادي الذي أحدثته شركات التكنولوجيا الرقمية وعن مناعتها امام أصعب الظروف. أمازون الشركة التي بدأها جيف بيزوس كموقع الكتروني لبيع الكتب عبر الانترنت أصبحت اليوم تحتل رابع أكبر شركة من حيث القيمة السوقية في العالم، وفي ظل أزمة جائحة كورونا الاقتصادية تضاعفت أرباح أمازون ثلاثة مرات في الربع الثالث من عام 2020 مقارنة بعامها السابق، وطرحت 250 ألف وظيفة جديدة في الأسواق. بينما شركات عريقة تعمل في مجالات أخرى أعلنت افلاسها وانهيارها أمام بطش جائحة كورونا، وكان بعضها له في السوق أكثر من مئة عام مثل شركة هيرتز لتأجير السيارات العالمية.

‎الاقتصاد الرقمي اليوم يبسط سيطرته على الأسواق العالمية بشتى أشكالها، في قائمة أعلى 10 شركات قيمة في العالم، 7 شركات منها هي شركات تعمل في قطاع التكنولوجيا الرقمية، حسب موقع ستاتيستا العالمي لبيانات الأعمال. وفي قائمة أكبر 10 شركات نمواً نجد أن 5 شركات هي شركات تعمل في مجال الكمبيوتر، حسب مجلة فورتشن العالمية المختصة في مجال الأعمال.

‎ان سبب تفوق الاعمال في مجال البرمجيات وخدمات الانترنت هو عدم رضوخها للقيود المادية والمفاهيم الاقتصادية التقليدية، ففي عالم التكنولوجيا الرقمية لا حدود، لا معاملات، لا دول، ولا حاجة لمواد خام او معامل، حدودها هو خيال العقل البشري والابداع. ثورة الكمبيوتر قلبت المفاهيم الاقتصادية رأساً على عقب، فمثلا، أوبر وهي أكبر شركة مركبات أجرة في العالم لا تملك أي مركبة، فيسبوك وهو أكبر وسيلة اعلام في العالم لا يصنع أي محتوى وليس لديه صحفيين، وشركة علي بابا احدى أكبر شركات البيع بالتجزئة لا تملك أي سلعة.

‎ببساطة سلعة التكنولوجية الرقمية هي الكم والوقت، فالموقع الالكتروني الذي استحوذ على اعلى كم من المستخدمين (المستهلكين) وعلى اكبر قدر من وقتهم اليومي هو الموقع الذي يستحوذ على اعلى قدرة شرائية في عالم الانترنت، العالم الذي يستخدمه أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية، بالتالي هو من يستطيع أن يحقق أكبر كم من المبيعات سواء كانت لسلع او دعاية او خدمات الكترونية وهذا ما يستقطب المصنعين. وكذلك الأمر في البرامج التي تقدم حلول ذكية تساعد الشركات والمحترفين على انجاز اكبر كم من المهام بدقة ووقت قصير، تكون هي البرامج التي تحقق أكبر قدر من المبيعات. معادلة بسيطة الا أنها تفتح الافاق لخيال فسيح وخلق مجالات جديدة لم نكن نتخيل أنها ممكنة سابقاً. فمن كان يظن يوما ان الناس ستنفق ملايين الدولارات سنوياً لشراء عملات وهمية في لعبة فيديو مثل ببجي؟!

‎ومن العوامل والاسباب التي أدت الى نجاح الولايات المتحدة في عالم الاقتصاد الرقمي هي دعم الشركات الرقمية الناشئة، وذلك لادراكهم المبكر عن الطاقة الكامنة في هذا القطاع وقدرته المهولة على النمو الطردي. إن إيمان الأمريكيون بقدرات الشباب المبدع مع ضخ الإستثمارات كان الحافز الأكبر في خروج مئات الشركات الناشئة التي حققت نجاحات اسطورية، على رغم أن أغلب مؤسسيها هم شباب أعمارهم بالعشرينات. وادركوا أيصاً أن الأساليب القديمة في ادارة الأعمال الرقمية فاشلة، هذه الاستثمارات ادرت للمستثمرين والاقتصاد الأمريكي مئات المليارات وملايين الوظائف وأصبح ما يعرف اليوم بوادي السيليكون. والملفت أن نجاح شركة واحدة من أصل 10 شركات سيعيد للمستثمر كامل استثماراته في الشركات العشر زائد ارباحا هي أضعاف ما قد يحققه في شركة تقليدية، فالمغامرة هنا تستحق العناء.

‎النتيجة اليوم ان الإقتصاد الأمريكي بات يرتكز بثقله على قطاع التكنولوجيا الرقمية، ومن دون أدنى شك هذا جعل الكثير من الدول تنسخ النجاح الأمريكي وتكرره في بلدانهم لكي تضمن مكانتها الاقتصادية في المستقبل وتحقق النمو الطردي كما حصل في أمريكا، وأبرز مثال هي الصين. علي بابا، وي تشات، وتيك توك هي امثلة من فيض عن الشركات التي ساعد في نموها سياسات الحكومة الصينية لدعم الإبتكار وتغيير نهجها الاقتصادي من الصناعة الى التكنولوجيا، وانتشار ثقافة "الستارت أبز" أي دعم الشركات الوطنية الناشئة من قبل المستثمرين الصينيين. واليوم تحصد الصين النتائج بأرباح سنوية مهولة وبكلفة أقل بكثير من قطاع الصناعة.

‎في خضم هذه الحقائق والميزات التي يتمتع بها الاقتصاد الرقمي تكمن الفرصة الذهبية لخروج فلسطين من طوق الاستعمار الاقتصادي الاسرائيلي، فعالم الانترنت قد تكون الوسيلة الوحيدة لبناء اقتصاد فلسطيني مستقل بعيدا عن هيمنة الاحتلال المتحكم بالموارد والمداخل والمخارج والأرباح. في التكنولوجيا الرقمية انت والكمبيوتر وعقلك المبدع.. وما أكثرهم في فلسطين، بل يفيضوا للخارج! هناك الآلاف من الخريجين والخريجات في مجال الكمبيوتر والاتصالات في فلسطين. لكن العجيب، ان الابداع الفلسطيني حقق انجازات وساهم في نجاح شركات ناشئة في معظم الوطن العربي، إلا في فلسطين! حتى هذه اللحظة لم نشهد شركة فلسطينية تصل للعالمية بعد، وهنا يتوجب علينا الوقوف والسؤال: أين العلة؟ ولماذا تأخرنا كثيراً؟

‎هنا علينا أن نعود الى قصة نجاح الولايات المتحدة، لماذا الشركات الناشئة تنجح هناك وتفشل هنا؟ لا، هم ليسوا أكثر براعة أو ابداعاً، بل نجد أن من عشرات السنين تقوم شركات أمريكية واسرائيلية واوروبية بتوظيف شركات فلسطينية ليعمل مبرمجيها ومهندسيها كمتعاقدين لهم، وذلك من أجل الاستفادة من براعة الفلسطينين في بناء مشاريعهم وتخفيض التكلفة الانشائية حيث ان اجور المهندسيين في فلسطين متدنية. ولاحقاً تباع هذه المشاريع بمليارات الدولارات في الخارج بينما تحصل الشركة الفلسطينية على الفتات المتبقي، وهكذا ترسخ فكرة الاقتصاد الصغير التبعي للأجانب واسرائيل.

‎وهنا تكمن العلة، ان السبب الرئيسي وراء فشل شركاتنا الناشئة وعدم خروجها للعالمية هو افتقارنا الشديد الى رأس المال ذو الرؤية المستقبلية، الذي يؤمن بقدرات وطاقات أبناءه وبامكانيتهم النهوض باقتصاد رقمي قيمته مليارات الدولارات. ما نفتقده هو المستثمر الملاك، المخًلص، الذي يضع ثقته بالمبدعين ويوجههم ويحفزهم على بناء المستقبل على المدى الطويل، لا من يبحث عن الربح السريع وادخال المستثمر الأجنبي مقابل مبلغ زهيد.

‎لتحقيق النهضة الاقتصادية الرقمية يتوجب على صناع القرار وأصحاب رأس المال التخلص من الأساليب التقليدية في إدارة الأعمال وتبنى نهج إدارة الابداع، لنتخلص من الموروث القديم في اساليب الربح والخسارة ونتبنى نماذج أعمال حديثة. لنتعلم من قصص نجاح أمريكا والصين وألمانيا. علينا أيضا أن نخلق بيئة "الستارت أبز" المناسبة التي تحفز الشباب وتفتح الأبواب أمامهم وأمام أفكارهم والحذر كل الحذر من إحباطهم. ان الروح المعنوية لدى المؤسسين وايمانهم بقدراتهم على تحقيق النجاح هي العامل الأهم في نجاح اي مشروع، بل ان فقدان المؤسس الإيمان بمشروعه يعتبر المؤشر الأول الذي يطرق ناقوس الفشل.

‎على الاقتصاديين والمستثمرين ورجال الاعمال وصناع القرار في فلسطين أن يوقنوا بأن المستقبل بيد الاقتصاد الرقمي، انهضوا به الان واستقطبوا المبدعين والمبدعات من ريادي الأعمال ولن تكونوا بحاجة لأحد، وأعلموا جيداً انها ستدر بأرباح أضعاف مضاعفة مما تجنوه اليوم من المشاريع التقليدية القديمة. تبنوا ثقافة دعم الابداع بضخ الاستثمارات الحقيقية وتقديم التوجيه المناسب من اصحاب الخبرات.

‎خوضوا المغامرة المضمونة لبناء النهضة.. فما فاز باللذة إلا الجَسُور.