الحرم الإبراهيمي الشريف.. يُصارع مخططات الاحتلال لتحويله كنيساً يهودياً

الخليل- "القدس" دوت كوم- طالعنا الاحتلال مؤخراً بقرار تعسفي جديد يقضي بإغلاق الحرم الإبراهيمي في وجه المصلين المسلمين لمدة عشرة أيام بدأت من الخميس الماضي، وذلك بحجة واهية مغلفة في ظاهرها بطابع إنساني بذريعة جائحة كورونا، ولكن في الحقيقة تهدف سلطات الاحتلال إلى سحب إدارة الحرم الإبراهيمي الشريف من أيدي الجهات الرسمية المخولة بإدارته، ألا وهي الأوقاف الإسلامية.

الحرم الإبراهيميّ يقع في قلب مدينة الخليل، ويعتبر ثاني أقدس الأماكن الدينية الإسلامية في فلسطين بعد المسجد الأقصى المبارك ويبعد عنه نحو 36 كم جنوباً.

وأشار مدير عام لجنة إعمار الخليل عماد حمدان إلى أن "هذا المعلم الديني البارز في قلب مدينة الخليل العتيقة ينتصب شامخاً حاملاً أصالة الماضي بجماله وعراقته، تتحلق حوله البيوت التاريخية العريقة ذات الطابع المعماري المملوكي والعثماني، وأن قدسية المكان جاءت من قدسية مغارة سيدنا إبراهيم عليه السلام، التي ضمت قبور الأنبياء وزوجاتهم، حيث تم دفن سيدنا إبراهيم بجانب زوجته سارة وبعدهما دفن إسحاق ويعقوب ورفقة وليقة ثم سيدنا يوسف عليهم السلام".

قبل قدوم الإسلام بنحو 700 عام، ضرب "هيرودوس" الحير (السور) حول المغارة، إلى أن جاء الإسلام، ففُتحت أبوابٌ في الحير، وتم الاعتناء بالحرم الإبراهيمي الشريف عناية فائقة من قبل الحكام المسلمين، مولين إياه مكانة واهتماماً بالغاً وذلك لقدسية وحرم قبور ومقامات الأنبياء وزوجاتهم عليهم السلام، أصبح المكان قبلة للحجيج، سواء في طريقهم إلى مكة أو أثناء زياراتهم للمسجد الأقصى المبارك، فلا زيارة لثالث الحرمين دون زيارة حرم إبراهيم الخليل، وقد زاد الاهتمام بمدينة الخليل وبحرمها الإبراهيمي في الفترة العربية الإسلامية، وأصبحت المدينة الرابعة من حيث القدسية، واستمر الحجاج يقصدونها من كافة أنحاء العالم.

بعد الاحتلال الإسرائيليّ للضفة الغربيَّة عام 1967، سيطر جيش الاحتلال على الحرم الإبراهيميّ الشريف، وبدأ العسكريون والمدنيون اليهود بالدخول إلى داخل الحرم الإبراهيمي وتدنيسه غير عابئين بمدى قدسيته لدى المسلمين. توالت اعتداءات اليهود للحرم الإبراهيمي الشريف، فتم هدم الدرج الشرقي وهدم بئر صلاح الدين الأيوبي، وذلك في مخطط استيطاني يهدف إلى طمس الآثار والمعالم الإسلامية في الحرم تمهيداً لتحويله إلى كنيس يهودي.

وفي 25 شباط 1994، الموافق 15 رمضان عام 1415هـ وأثناء صلاة الفجر، قام أحد المستوطنين المتطرفين بارتكاب مجزرة بحق المصلين راح ضحيتها 29 شهيدًا، ليتم بعدها وبقرار جائر من لجنة شكلتها حكومة الاحتلال انتزاع 60% من الحرم الإبراهيمي وتسليمه للمستوطنين اليهود وحرمان الفلسطينيين من الوصول إليه أو الصلاة فيه، أما ما تبقى بيد المسلمين من الحرم الإبراهيمي فقد تم نصب بوابات عسكرية تتكون من أجهزة تحكم إلكترونية ونقاط تفتيش جسدي مهين للمصلين ينفذها جنود الاحتلال.

الأطماع الصهيونية في الحرم الإبراهيمي الشريف هي أحد أهداف مشروع استيطاني يهدف إلى تهويد البلدة القديمة من مدينة الخليل، حيث أنشأ الاحتلال عدداً من البؤر الاستيطانية فيها، ويطمع في إنشاء المزيد، وذلك بالاستيلاء على بيوت وممتلكات المواطنين الفلسطينيين، ففرض طوقاً أمنياً حصيناً حول البلدة العتيقة، بحيث لا يتمكن المواطنون من الدخول إليها أو الخروج منها إلا عبر نقاط وبوابات عبور محددة.

وفي الفترة الأخيرة، بدأ المستوطنون وبدعم كامل من دولة الاحتلال بالترويج للسيطرة الكاملة على الحرم الإبراهيمي، فأصدرت دولة الاحتلال في شهر أيار 2020 قراراً جائراً يقضي بوضع اليد على أقسام أُخرى من الحرم الإبراهيمي وسحب الصلاحيات القانونية والإدارية للمكان من مديرية الأوقاف الإسلامية ومن بلدية الخليل وتحويلها إلى القائد العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية.

وأضاف حمدان: إن لجنة إعمار الخليل، وبصفتها المؤسسة المسؤولة عن إعمار البلدة القديمة وترميم بيوتها ومعالمها الدينية والثقافية من مساجد وزوايا وتكايا ومدارس، تولي أهمية كبرى للحرم الإبراهيمي الشريف كونه من أهم المعالم الدينية والتاريخية والتراثية في فلسطين، بل والعالم الإسلامي، وبسبب محاولات الاحتلال إنهاء إسلامية هذا المسجد وتهويده وحفاظاً على قدسيته ومكانته التاريخية والتراثية، فقد بادرت لجنة إعمار الخليل بالتصدي لمخططات المحتل وحرصت على مباشرة عملية ترميمه ترميماً شاملاً ومستمراً منذ 1998 وتحت مظلة وزارة الأوقاف، حيث يعتبر ترميم الحرم التحدي الأكبر الذي واجه لجنة إعمار الخليل ليس فقط بسبب الاحتلال وإجراءاته، بل بسبب الحساسية التاريخية والثقافية والمكانة التي يتمتع بها الموقع، وقد جرت وتجري أعمال الترميم بدقة بالغة وبحسب المعايير والمواصفات الدولية الموصى بها وبأيدي طاقم فني ومهني ذو خبرة.

إن أعمال الترميم والصيانة لكافة أقسام الحرم الإبراهيمي بمسجده وقبابه ومآذنه وحجراته وواجهاته الداخلية والخارجية أعادت إلى الحرم الإبراهيمي رونقه، وحازت على إعجاب وتقدير كل من زاره من المختصين بالترميم.

وذكر حمدان لـ"القدس" أن الاهتمام بالحرم الإبراهيمي وببلدة الخليل العتيقة لم يقتصر فقط على مجال الترميم، فقد تم خوض مسيرة نضال عالمية، بالرغم من أنف الاحتلال لإدراج بلدة الخليل العتيقة وحرمها الإبراهيمي على لائحة التراث العالمي، وكان لها ذلك في السابع من تموز 2017، حيث أعلنت "اليونسكو" إدراج بلدة الخليل العتيقة والحرم الإبراهيمي على لائحة التراث العالمي.

ولكن ذلك لم يمنع الاحتلال ومستوطنيه من الاستمرار في اعتداءاتهم على الحرم الإبراهيمي والاستمرار في تنفيذ مخططاتهم التهويدية بغية السيطرة عليه بالكامل، وتحويله إلى كنيس يهودي يستقبل اليهود من كافة أنحاء العالم ليكون معلماً دينياً وسياحياً، فنفذوا هذا العام عدة تعديات بحق الحرم الإبراهيمي الشريف، أبرزها قرار بناء مصعد كهربائي وممر موصل إلى الجزء المغتصب منه الذي يسيطر عليه المستوطنون، ولخدمة مشروع المصعد أوعزت حكومة الاحتلال لقائد جيش الاحتلال في المنطقة بسحب الصلاحيات الإدارية والقانونية من بلدية الخليل ومديرية الأوقاف الإسلامية في شهر أيار 2020.

كما تم نصب شمعدان تلمودي ضخم على سطح الحرم الإبراهيمي لمدة زادت على الشهر ونصف الشهر، ليكون رمزاً توراتياً يهودياً بديلاً عن مآذن الحرم الإبراهيمي التي يطمع اليهود بإزالتها.

وتنتهج سلطات الاحتلال سياسة عنصرية بحق الشعائر الدينية، فتمنع المصلين من ارتياد المسجد في كثير من الأوقات، كما تمنع رفع الأذان من على مآذنه في أوقات كثيرة وبحجج واهية، حيث بلغت مرات منع رفع الأذان العام الماضي 596 وقتاً.

وأكد حمدان أن لجنة إعمار الخليل ستواصل التصدي لكافة التعديات بحق الحرم الإبراهيمي قانونياً، حيث نجحت مؤخراً بإزالة الشمعدان التلمودي بالتعاون مع هيئة الشؤون المدنية الفلسطينية، حيث أُجبر المستوطنون على إزالته من على سطح الحرم الإبراهيمي، وهناك العديد من القضايا في محاكم الاحتلال ضد العديد من التعديات بحق الحرم الإبراهيمي وساحاته.