"حماس" بين الشراكة أو الفناء وطنياً

بقلم: ميساء أبو زيدان

إنهاء الإنقسام وتحقيق الوحدة الوطنية هما المسألة الأبرز التي تطغى على اهتمام ومتابعة المعنيين بالشأن الفلسطيني، خاصةً بظل الانتكاسة التي أصابت ما بُذِل مؤخراً من جهود بهذا المسار، والذي ابتدأه القياديان في حركتي "فتح" و"حماس" جبريل الرجوب وصالح العاروري عبر المؤتمر المشترك حين أعلنا عن توحيد الصف لمواجهة توجهات اليمين الإسرائيلي المتطرف والمستند لمواقف الإدارة الأميركية الحالية. ما يطغى على هذا الاهتمام هو محاولة تفسير التبدل الذي أصاب موقف حركة حماس، حيث موافقتها على جملة من المسائل شهدناها وأُعلن عنها فور لقاء اسطنبول، إلى التراجع عنها بحجة إعلان القيادة الفلسطينية استئناف الاتصالات مع الجانب الإسرائيلي (الذي جاء نتيجةً لِثبات الموقف الفلسطيني ومتطلباً لمواكبة المتغيرات في المشهد الإقليمي بأكمله) ما أدى لفشل لقاء القاهرة الأخير.

عقب لقاء القاهرة خرج القيادي في حركة حماس موسى أبو مرزوق مُبرِراً فشل المصالحة بعودة العلاقات بين السلطة الوطنية والجانب الإسرائيلي، علماً أن قرار القيادة الفلسطينية جاء بعد يومٍ واحد من الإعلان عن فشل اللقاء. كما يُذكر هنا أن الفترة بين اجتماعات اسطنبول والقاهرة امتدت لحوالي الشهر والنصف حيث كان من المفترض أن تتسلم خلالها القيادة الفلسطينية رد حركة حماس ليتم وضع الجدول الزمني الخاص بإجراء وبالتتابع حسبما اتُفِق.

بالتزامن كانت الحركة تعمل على متابعة ملف الأموال القطرية الخاص بها، تحديداً زيادة نسبتها للعام القادم وآليات وزمن وصولها عبر البوابة الإسرائيلية، إلى جانب إعلانها عن استعداداها خوض حرب جديدة في قطاع غزة (ولو ذهب ضحيتها الآلاف) ما لم يتم توفير الأجهزة المخصصة لمعالجة مرضى الكورونا (عشرات الحالات الحرجة) من قبل الجانب الإسرائيلي.

لم يتوقف الأمر حد هذا بل قامت الحركة مؤخراً بمنع دخول منتجات الألبان الفلسطينية للسوق الغزيّ الذي يستقبل ولسنوات الصنف الإسرائيلي، بحجة دعم المنتج الوطني!

وعودةً لتلك التفسيرات التي تناولت اختلاف موقف حركة حماس بين اللقائين، نجد أنها وفي معظمها تعزوه لتباين توجهات قيادتي الحركة في الداخل (قطاع غزة) والخارج، سيما وأن القيادييّن إسماعيل هنية وموسى أبو مرزوق قد أعلنا صراحةً للقيادة المصرية تفاجئهما بموقف "مؤسساتنا" وأنهما ملتزمان بما يصدر عنها لاحقاً بخصوص المسار برمته.

وخلصَ العديد إلى أنه هناك خلاف فعلي قائم بين قيادة الداخل والخارج (الحال الذي لا يمكن له أن يكون)، فمن المتعارف عليه هنا هو طبيعة وصبغة الحركة، وهيكلها البنيوي كتنظيم أيديولوجي، إلى جانب كونها الذراع الفعلي لتنظيم الإخوان المسلمين في فلسطين، المُحددات التي تُفنّد إمكانية وجود خلافات جوهرية بين قادتها، إضافةً لحقيقة توجهات الحركة وكيف قرأت المتغيرات ومجريات الأحداث التي تشهدها المنطقة والمُرتكِزة لطبيعة علاقاتها مع أطرافٍ في الإقليم.

لا زالت قيادة حركة حماس وليومنا هذا تُحمل مسؤولية فشل إنجاز المصالحة للقيادة الفلسطينية بحجة العودة (للتنسيق الأمني) مع الجانب الإسرائيلي، رغم أن قرار القيادة كان واضحاً منذ الاجتماع القيادي الذي ضم كافة الفصائل الفلسطينية بما فيها حماس بداية أيلول المنصرم، والذي ارتكز للمنهجية الوطنية في إدارة الصراع مع الإحتلال غير النمطي، وتفادياً لاستعراض مناحيه وأدواته نتساءل: ألا تستند الانتخابات ونتائجها للاتفاقات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي حسب اتفاق أوسلو! أم أن الموقف من الاتفاقات تلك يُجتزأ حسب مصالح الحركة وما تفرضه ارتباطاتها الإقليمية ؟!

وكيف تفسر حماس مستوى التنسيق الأمني ومجالاته بينها وبين الجانب الإسرائيلي المُنطَلِق من تفاهمات أُجريَتْ بمعزلٍ عن أي توافق وطني؟! وكيف تبرهن حماس ارتهان القرار الوطني (حسب اتهامهاتها للقيادة) لتوجهات الحكومة الإسرائيلية والإدارات الأميركية؟ وهي الفصيل الذي أبدى استعداده التواصل مع الطرف الأميركي لصياغة حل للصراع بحدود قطاع غزة!

الثابت بخضم هذا أن القيادة الوطنية بعنوانها الرئيس (محمود عباس) تحرص وفي كل مقام على إشراك حركة حماس في المسار الوطني النضالي شراكةً كاملة، وما رفضِه لكافة السيناريوهات التي وُضِعت أمامه منذ العام 2007 لإنهاء سيطرة حماس على قطاع غزة إلا تجسيداً لإيمانه وثقته بفلسطينية الحركة، رغم إدراكه الكامل بما يحققه الإنقسام من مكتسباتٍ سياسية لقادة كيان الإحتلال الإسرائيلي، وكونه الأرضية التي يبني عليها قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف مخططاتهم التطهيرية العنصرية، ما يضع حركة حماس أمام الخيار المُتاح (الفرصة التاريخية لها) وهو حمايتها كمكون أساس في الخارطة السياسية وعلى قاعدة الوطنية الفلسطينية، والتخلص من دورها الوظيفي ورهن مواقفها لمرجعياتٍ مختلفة، أو إضاعتها والفناء وطنياً حيث الشعب الفلسطيني (حسب مجريات تاريخه) لا يقبل القسمة أو الارتهان.

القضية الأهم هنا والتي على قادة منطقتنا العربية إدراكها هو أن الواقع الذي قصمَ الحالة الفلسطينية لن تنحصر انعكاساته على الفلسطينيين وحدهم، بل إن آثاره ستنعكس وبالشكل المباشر على المنطقة برمتها ابتداءً من دول الطوق، حيث أن الانقسام الذي استهدف الكيانية الفلسطينية هو نقطة ارتكاز مشروع أسلمة المنطقة حسب مخططات القوى المُستهدِفة لمنطقتنا، ما يجعله التحدي الجدّي أمام العرب أيضاً.