الحمامات التركية العامة في نابلس .. معالم تاريخية تقاوم الاندثار

نابلس - "القدس" دوت كوم- عبير الصيفي - شُيِّدت قبل مئات السنين، لكنها رغم ذلك لم تفقد بريقها التاريخي والتراثي. إنها حمّامات نابلس التركية العامة التي لا تزال رمزاً لتراث شعبي غني يحفظ تاريخاً طويلاً من العادات التقاليد الاجتماعية التي وسمت الحياة النابلسية.

وقد لعبت الحمامات دوراً جلياً في الحياة الاجتماعية للنابلسيين ودخلت في نسيج العادات والتقاليد والأمثال الشعبية، ورافق زيارة الحمام الكثير من الطقوس الخاصة التي تتوافق مع كونه مكاناً لاجتماع الأهل والأصدقاء، ومكاناً للتسلية، ولإقامة المناسبات الاجتماعية وحفلات السمر والغناء.

بنيت هذه الحمامات العامة، لتلبي متطلبات كثيرة لسكان كل منطقة، كان أبرزها الحاجة، كان الاستحمام في المنازل قليلا جداً، عدا عن شح المياه وعدم توفرها، إضافة إلى أنها شكلت مكاناً للتنزه والترفيه، والاحتفال بمناسبات اجتماعية كالختان والزواج وزفات الأعراس، والاجتماعات العائلية وغيرها.

هذه الحمامات غابت اليوم عن اهتمامات جيل الشباب ليس بِفعل الاحتلال وحده، بل نتيجة الحداثة وتجلّياتها على مختلف المجالات، ولكن هناك من لا يفضلها لأسباب تتمثل بالخوف من التعرض للمرض، معتبرين أن المياه قد تكون ناقلة للجراثيم، أو الخجل وعدم الرغبة في أن يرى البعض أجزاء من أجسادهم.

وساهم تغيّر نمط الحياة وتوافر المياه والحمامات في المنازل في تراجع دور الحمامات الشعبية واقتصاره في الأغلب على المناسبات الدينية والخاصة ببعض العائلات النابلسية التي ما تزال محافظة ومتمسكة بعاداتها وتقاليدها.

(أبو وائل)، وهو احد الزبائن القدامى للحمامات، قال لـ"القدس "انه لايأتي الى الحمام بقصد الاستحمام، بل للقاء الأصدقاء والحصول على التكييس (اي استخدام كيس الحمام لتنظيف الجسم).

بدوره، قال المواطن ابو (ابو وسيم): بفضل التقدم اصبحت الحمامات منتشرة في المنازل مما اضر بمصلحة اصحاب الحمامات التي اصبحت تموت اليوم.

وانخفضت نسبة زبائن الحمامات العامة في الفترة الاخيرة بحوالى 80% حالياً، بسبب انتشار فايروس كورونا إضافة إلى مشاغل الناس وظروفهم المادية والمعنوية.

وكان في مدينة نابلس القديمة التاريخية سبع حمامات مشهورة هي: حمام القاضي، قريش، الخليل، الدرجة، البيدرة، السمرة والجديدة. ولكن تضاؤل الاقبال عليها عبر الفترات الزمنية ادى الى قفل العديد منها وهدم البعض الاخر مثل حمام البيدرة الذي اقيم مكانه مخازن حديثة، وحمام القاضي مثلا تحول الى معمل حلويات، ولم يبق من الحمامات القديمة سوى اثنين احدهما حمام الجديدة المبني منذ نحو 450 سنة، وهو ملك عائلة طوقان في البلدةالقديمة.

الحمام الثاني هو حمام الهنا (السمرة) وهو موجود في حي الياسمينة في البلدة القديمة، وتم تشييده قبل مئات السنين ومازال حتى يومنا هذا حيويا يزوره الكثيرون من مختلف انحاء العالم.

وقال حازم مرعي والذي يشرف على حمام السمرة: "عرف الحمام بهذا الاسم نسبة لمن بنوه وتم بيعه لاحد تجار المدينة من عائلة طوقان والذي قام بتأجيره لعائلات عملت فيه لفترت زمنية متقطعة، الى ان هجر بسبب قلة الاهتمام وتعرض للهدم والتخريب واصبح مكبا للنفايات، الى ان قمت قبل نحو 30 عاما بترميمه واعادة تشغيله، من دون اية اضافات وما زل يحتفظ بطابعه التاريخي القديم".

وقال مرعي بأن الحمامات التركية تُقسم إلى أقسامٍ معروفة في عادتها، فحمام السُمرة عند دخوله، ترى خزائن مُعدة للملابس، ثُم تدخل إلى غرفةِ استرخاءٍ وجلوس، يتخللها نافورةٌ صغيرة، لتنتقل بعدها إلى غرفة الساونا، أو ما تُعرف بـِ "بلاط النار"- وهي غرفة ذات بلاط قديم، لا تقل درجة حرارتها عن 60 درجة مئوية، ويستلقي فيها المستحم من نصف ساعة إلى ساعة، ومن ثم يدخل إلى غرفة البخار، فالمغطس، والمساج، ليختتمها بالاستحمام بالماء البارد والصابون النابلسيّ الأصيل. ويشرف على هذه المراحل مشرفون ذو خبرة عالية في هذا المجال.

ويتحدث احمد مرعي ( ابن مشرف الحمام) عن مرحلة التكييس، موضحا انه يستخدم فيها ليفة مصنوعة من وبر الجمل، والتي تساعد على إزالة البثور والجلد الميت عن الجسم، وتزيل السواد عن الوجه.

كما يوجد اماكن للجلوس وشرب المشروبات الساخنة اشهرها "القينر" وهو خليط من القرفة والزنجبيل وجوز الهند، مع امكانية تدخين الأرجيلة، وتبادل الحديث مع الاقران.

ويشير احمد الى ان زوار الحمام هم من فئات عمرية مختلفة فمنهم كبار السن والشباب والاطفال ولكن الاغلبية العظمى من فئة كبار السن، الذين يأتون للعلاج من أوجاع الظهر والعضلات والمفاصل، والروماتيزم والجلد بينما الشباب والأطفال يأتون للراحة والاسترخاء، وقضاء أوقات الفراغ.

ويقول بانه هناك من العرسان من يحجز الحمام ويحضر مع اصدقائه للاستحمام ويتخلل ذلك اجواء من الفرح والاغاني التراثية والشعبية بحضور فرقة خاصة بالزفة.

واضاف بانه يتم تخصيص يوم للنساء كل اسبوع، وعادة ما تقام في هذا اليوم حفلات وداع للعرائس، يتخللها الاغاني القديمة التراثية والشعبية وتناول وجبة طعام.

ويوضح قائمون على هذه الحمامات، ان حماماتهم تعاني من خطر الاندثار بشكل عام، ومما يزيد من خطورة ذلك في هذه المرحلة هو سوء الاوضاع الاقتصادية للناس، ناهيك عن انتشار وباء الكورونا الذي جعل الناس يترددون في التوجه الى مثل هذه الحمامات.