عدالة إسرائيلية مزيفة وحقوق فلسطينية مغتصبة!!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

منذ عام 1967 والانتهاكات الإسرائيلية لم تتوقف عن هضم الحقوق الفلسطينية ، وما لبثت أن تقوم المسماة بالمحكمة العليا الإسرائيلية بإضفاء الصبغة الشرعية المزعومة، على إجراءات المحتل في كل تفاصيله وانتهاكاته، وتتصدى لإضفاء شرعية الإجراءات الإسرائيلية مهما كانت متوحشة ومناقضة لقوانين الحرب أو قوانين حقوق الإنسان. وكان آخرها اعتبار إجراءات التسوية الأردنية كأنها لم تكن، مما يفتح الباب واسعا أمام الإستيطان الإسرائيلي وابتلاع المناطق التي لم تبتلعها بعد أو التي ثار جدل حول ملكيتها لمواطنين فلسطينيين.

هذه المحكمة التي نصبها بدون وجه حق، قاض ليكودي اسمه مئير شمغار لتكون مرجعا لحسم المنازعات والخصومات بين الفلسطينيين بكل أطيافهم وأشخاصهم الطبيعيين والمعنويين وبين الحكم العسكري الإسرائيلي وما خلقه من أدوات كالإدارة المدنية. لقد فحص هذا المدعي العام العسكري، دور هذه المحكمة التي تسمي نفسها عليا في حل النزاعات بين فلسطينيي الداخل والجهاز الإسرائيلي قبل عام 1967 ، فوجد أنها هزيلة وبالتالي مناسبة لأن تكون ملاذا مزعوما أو ملهاة مبكية لفلسطينيي الضفة والقطاع قياسا على ما جرى في داخل فلسطين.

المشكلة أن هذا الرجل الليكودي والذي قاسى الإبعاد إلى كينيا على أيدي القوات البريطانية عبر أنظمة الطوارىء البريطانية لعام 1945، نادى بقوة حتى حينما أصبح النائب العام الإسرائيلي، من أجل الإبقاء على هذه الأنظمة الظالمة ليستعملها ضد الفلسطينيين بدل القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان رغم مصادقة إسرائيل على مواثيقهما واتفاقيهاتهما، سواء أكانت اتفاقيات لاهاي لعام 1907 أو اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949. والمشكلة أن دوائرأجنبية عديدة وفقهاء غربيين كثيرين أشادوا بالخطوة الإسرائيلية الرائدة في مجال قانون الاحتلال الحربي، ونسوا الأمر الجوهري الا وهو رفض إسرائيل المستمر من عام 1967 إلى يومنا هذا تطبيق ميثاق جنيف الرابع لعام 1949 على الأراضي الفلسطينية المحتلة، خوفا من أن تسجل إسرائيل أن الأراضي الفلسطينية أراض محتلة.

الحقيقة، أن إسرائيل سال لعابها على الأرض الفلسطينية منذ زمن طويل، بدءا من إنشاء مستعمراتها في فلسطين، واستكملت جزءا آخر عبر استيلائها على جزء من أراضي الدولة الفلسطينية عبر قرار التقسيم لعام 1947 رقم 181، وأتمته عام 1967، باحتلالها الضفة الغربية وقطاع غزة. وغير مستبعد أن تقوم في المستقبل باحتلال أراضي وعد بلفور وأن تمد احتلالها ليشمل النيل والفرات، كما تقول أدبياتهم. لذا اتخذت كل الوسائل المتاحة لها وسخرتها لخدمتها وخدمة أغراضها وبخاصة الإستيلاء على الأراضي الفلسطينية.

ويصب في هذا التوجه ما رسمته القوانين البريطانية لتفريغ الأراضي من مالكها الفلسطيني، وبقاء هذه القوانين مطبقة بعد عام 1948 بل والزيادة عليها، وإلا كيف يفسر أن الفلسطينيين كانوا يملكون أكثر من 95% من أرض فلسطين والآن هم يملكون 3% فقط من تلك الأرض.

وزاد هذا التوجه شدة بعد العدوان الثلاثي على مصر، حيث أنشأوا في بدايات الستينيات بعد عظات العدوان الثلاثي، قسما خاصا بالاحتلال الحربي في الجيش الإسرائيلي، وقطعا كانت رئاسته للضابط القاضي المحامي مئير شمغار الليكودي الذي رأس المحكمة العليا ذاتها، وهذا مؤشر يجب أن يقف عنده القانونيون الفلسطينيون.

هذا الرجل الذي لم يضيع وقته، فبادر على الفور تخيل سيناريو احتلال الجيش الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة أو واحد منهما، فوضع مناشير عسكرية لترسي وضع لبنات الإحتلال العسكري وهياكله، بل ذهب بعيدا في ترسيم قائد عسكري لهذا الاحتلال حينما سمى حاييم هيرتصوغ، لكنه اضطر لترك تاريخ نفاذ هذا المنشور العسكري فارغا تاركا إياه للظروف العسكرية والسياسية المتاحة. وطبعا حانت الفرصة ولاحت في حزيران من عام 1967.

وغدونا من السابع من حزيران عام 1967 تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي، الذي لم يتوان عن سن الأوامر العسكرية تباعا لينتهك أو يصادر أو يقيد الحقوق الفلسطينية سواء كانت الحقوق والحريات العامة أو كانت أموالا منقولة أو غير منقولة. وكانت الأوامر العسكرية الأولى تتعلق بالأراضي ورسم ضابط لها حتى يجيز صفقاتها، وبدون إذنه لا صفقة ولا بيع، ولا رهن ، ولا شراء.

المشكلة في ما يسمى المحكمة العليا الإسرائيلية أن قضاتها شربوا حليب الصهيونية ولم يشربوا حليب العدالة، حتى أن بعض قضاتها مستوطنون في مستعمرات الضفة الغربية، فكيف يتوقع أن يكون لهم رأي يخالف التوراة والإرث الديني اليهودي المستشهد به دونا عن القانون الدولي الإنساني أو القانون الدولي لحقوق الإنسان. فهذه المحكمة شرّعت أمورا وإجراءات لن تشرّعها محكمة أول درجة في دول العالم الثالث فما بالك بمحكمة عليا تأتمر المحاكم الأخرى بقراراتها بل تقلدها وتحترم سوابقها.

هذه محكمة اعترفت وشرعت الضم الإسرائيلي للقدس العربية، واعترفت وشرعت أن فلسطينيي القدس الشرقية حتى المولودين بعد عام 1967 هم مقيمون وليسوا بمواطنين. هذه محكمة ترفض الحب والزواج وتكوين أسرة بين فلسطينيين يعيشان على الأرض الفلسطينية، وهي محكمة ترفض الاعتراف بابناء وبنات الفلسطيني لأسباب مصطنعة.

هذه المحكمة تجيز استخدام الجثامين الفلسطينية لتقايضها سياسيا في صفقة ما، وهذه المحكمة تجيز هدم منازل أسر الأسرى والشهداء الفلسطينيين،. هذه المحكمة تجيز الاعتقال الإداري بكل ممده، هذه المحكمة تجيز الإبعاد لخارج حدود فلسطين، وتجيز سحب هويات المقدسيين. هذه المجكمة تجيز فرض غرامات هائلة على المباني الفلسطينية. هذه المحكمة "العادلة" و"العليا" و"القدوة" تجيز وتضفي شرعية على قانون لأملاك الغائبين الفلسطينيين أما اليهود فيستطيعون استرجاع أملاكهم بعد مرور قرن من الزمان او اكثر وعلى أنظمة الطوارىء لعام 1945.

لقد رفضت ما يسمى بمحكمة العدل العليا الإسرائيلية تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على الأراضي المحتلة بما فيها القدس الشرقية، وادعت زيفا وزورا أنها تطبق الجانب الإنساني منها، لكنها لا تطبق الجانب الموضوعي ولا الجانب الشكلي منها، ولا تطبقها قانونا ولا عمليا. ولتخفيف وقع هذا الأمر على الغربيين وحكوماتهم وأحزابهم، تدعي هذه المحكمة أن اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 وبخاصة المواد من 42 إلى 56 منها، باعتبارها جزءا من القانون الدولي العرفي. وكأن اتفاقية جنيف الرابعة ليست جزءا من القانون الدولي العرفي بل جزء من القانون الدولي الاتفاقي وفق آراء فقهاء يهود وعالميين.

لو سايرنا المحكمة الإسرائيلية في وجهة نظرها، على سبيل الجدلية، لوجدنا أن القانون الدولي العرفي كان يحظر الاستيطان قبل الفقرة السادسة من المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة. ولجدنا أن اتفاقية لاهاي تقدم مصالح السكان المحليين ورفعتهم على الشأن الأمني لجيش الإحتلال مهما كان اسمه ولونه، ومن باب أولى أنه يقدم على شأن المستوطنين غير القانونيين بل يشكلون جريمة حرب وفق ميثاق روما لعام 1999 والمحكمة الجنائية الدولية.

فضلا عن أن الاحتلال العسكري الإسرائيلي لا يرث حقوق الدولة الشرعية الأردنية السابقة في أراضي الدولة. وهذه المحكمة قليلة البصيرة لا تستطيع أن تميز وتطبق قانونا كقانون الأراضي العثماني مضى عليه أكثر من قرن ونصف لمصلحة المحتل وتتجاهل مصالح الشعب الفلسطيني وسيطرته على أرضه وثرواته الطبيعية، ، تغيرت فيه الأحوال والمعطيات بل بادت معظمها.

أية عدالة هذه وأي منطق هذا، بل إن قراقوشا بعث من قبره من جديد!