زهيرة كمال.. المرأة في مواقع قيادية متقدمة

رام الله- "القدس" دوت كوم- روان الأسعد- يظل صمود المرأة وقدرتها على الإبداع والتميز شيئاً يدعو للفخر والاعتزاز، وحركة التاريخ عبر العصور تروي قصة نجاح المرأة الفلسطينية ودورها الذي ساهم في الارتقاء بالعديد من المجالات لتظل محركاً فعالاً في حركة المجتمع. المرأة الواعية المقاتلة الناجحة القيادية الحكيمة، هذه الصفات تجتمع فى زهيرة كمال كنموذج للنجاح على المستوى السياسي والنسوي والاجتماعي.

تعكس سيرة زهيرة كمال وتجربتها قدرة المرأة الفلسطينية وتفوقها في تولي مناصب مهمة في الحياة السياسية والعامة.

تروي زهيرة التي ولدت في 14 تموز 1945 في وادي الجوز شرقي مدينة القدس لـ"القدس" محطات حياتها، وتقول: نحن عائلة مكونة من 8 أشخاص (ست بنات وولدين)، أنا أكبرهم، ويوم ولادتي مميز ومعروف في 14 تموز 1945، إذ تم توحيد الثورة الفرنسية واقتحام حصن الباستيل، وبعد ولادتي كانت النكبة عام 1948 وولدَت في تلك الفترة أُختي عبيدة، هذا التاريخ لا يُمحى، فقد ارتُكبت المجازر والفظائع، وتهجير وتشريد الشعب الفلسطيني، وبالرغم من صغري لا تزال ذاكرتي تحتفظ بالكثير في جعبتها، فأنا أذكر كيف قام أبي بإرسالنا عند صديق له في أريحا، وبقي هو في القدس وبسبب زيادة أعداد اللاجئين وانتشار الأمراض في أريحا رجعنا أنا وأُمي وأُختي للقدس لا تزال تلك الطريق محفورةً في ذهني بتعرجاتها، وكيف قطعناها على أجزاء، جزء قطعناه بالحافلة، وجزء ركبتُ على الحمار، والآخر سيراً على الأقدام، ومرة بالشاحنة، حتى أنهينا الطريق.

وتضيف: وعندما وصلنا كانت الحرب قائمة، وفي كل يوم مجزرة، فذهبنا مرة أُخرى إلى سلواد عند الشيخ صالح السلوادي، وهو صديق والديو وبقينا هناك 6 أشهر وهي منطقة جميلة جداً، أهلها بسطاء وكرماء للغاية.

وتقول كمال: كان لوالدي أُستاذ الرياضيات احمد بدوي كمال الأثر الأكبر في تكوين شخصيتي نظراً لثقته الكبيرة التي منحني إياها حين كان يشركني مع إخوتي في جلساته مع رموز العمل الوطني والقضية الفلسطينية من نقاشات وحوارات أثرَت وأثّرت بتكويني وعقليتي وشخصيتي ومواقفي في الحياة.

وتكمل زهيرة كمال: منذ الطفولة كانت حصتي من الرعاية والاهتمام مضاعفة في كافة الجوانب، وأهمها التعليم، كنت أسير على أقدامي لأذهب إلى روضتي كل يوم دون كللٍ أو ملل، ونظراً لتفوقي قام والدي بإدخالي المدرسة لأكون أصغر بسنتين من بنات صفي، درست في روضة المعارف الحديثة حتى الصف الرابع، ثم انتقلت إلى مدرسة المأمونية وبعدها مدرسة بنات القدس لسنة واحدة ثم عدت إلى المأمونية، وفي مرحلة التوجيهي كنا الدفعة الأُولى التي تقدم التوجيهي الأُردني، وأنا كنتُ قررت الذهاب إلى القاهرة لإكمال الدراسة الجامعية، فطلبتُ من والدي أن ينقلني إلى المدرسة الإبراهيمية كونها تعلم التوجيهي المصري في الفترة المسائية، وهو حاول إقناعي بأن ألتزم بدوامي الصباحي في المأمونية وأذهب بعدها للدوام المسائي في الإبراهيمية، لكن تضاربت معي مواعيد الامتحانات النهائية، فلم أستطع أن أُقدم امتحانين في الوقت نفسه، فقدمتُ التوجيهي المصري فقط.

وتضيف: والدي كان مريضاً وكنت قلقةً على صحته، من جهة، وعلى مستقبلي التعليمي من جهةٍ أُخرى، وكانت هناك محاولات من العائلة والمقربين والأصدقاء للضغط عليه، ليتراجع عن فكرة إرسالي إلى القاهرة وإتمام تعليمي، بل أن أذهب للعمل، كون إخوتي صغاراً، وجاء هذا بالتزامن مع صدور قرار من التربية والتعليم الأُردنية بإقالة المعلمين الذين قاربت أعمارهم على الستين، وأبي كان متبقياً له ٩ أشهر ليخدم ١٥ سنة في الحكومة الأُردنية، فأُقيل بدون تقاعد، رغم أنه كان أمضى ٤١ سنة في سلك التعليم، كونه عمل أيام الانتداب البريطاني، وهذا الوضع كان مؤلماً للوالد وأثّر على دخل الأُسرة.

مواقف تركت أثرها ولا يمكن تجاوزها

وتتابع: هناك مواقف تحدث معنا تؤثر في مساراتنا وحياتنا إلى الأبد، ومن العَصيّ على ذاكرتنا مسحها أو تجاوزها ونسيانها، وهذا ما حصل معي عند استشهاد رجاء عماشة، وهي ترفع العلم الفلسطيني فوق القنصلية البريطانية، فهذا المشهد أثار في داخلي موجةً من التساؤلات والتحديات، ليكون حدثاً مفصلياً دفعني للمشاركة في المسيرات والمظاهرات مطالبةً بحق شعبي بالحرية، ماجعل اسمي يوضع على القائمة السوداء في حينه.

وعن دراستها الجامعية وتأثرها بالتجربة الناصرية تردف: ذهبتُ إلى القاهرة، والتحقتُ بكلية العلوم في جامعة عين شمس، وهذه التجربة بحد ذاتها صقلت شخصيتي من العديد من الجوانب، فعلى صعيد الثقافة والأدب اكتسبت الكثير، سواء أكان من دخول نادي السينما والقصة، أم متابعة المسرح القومي والحديث، أم مخالطة كبار الأُدباء كنجيب محفوظ وطه حسين، ومن الناحية الأُخرى تعرفت على زملاء من حركة القوميين العرب وانضممتُ إلى حركة القوميين العرب، والتجربة الناصرية.

وتضيف: فأنا أعتبر أنّ شخصية الراحل جمال عبد الناصر من أكثر الشخصيات التي تركت بصمتها داخلي، كوني من أشد المعجبين فيه، إضافةً إلى شخصية أُخرى اشتراكية ثورية، هي روزا لكسمبورغ، وتُعدّ رمزاً من رموز الثورة الروسية عام 1905، تبنت الاشتراكية، وانتسبت للحزب الماركسي البروليتاري منذ حداثتها، كتبت "تراكم رأس المال" سنة 1913 الذي يعتبر مساهمة فكرية ماركسية رئيسية، حصلت على بكالوريوس في العلوم الطبيعية والفيزياء من جامعة عين شمس عام 1968، وحصلت على دبلوم عالٍ في التربية من الجامعة الأردنية لأستطيع إكمال الماجستير، إضافة إلى دبلوم في التربية من اليونسكو "التعليم في معهد المعلمات" والآخر في بريطانيا "لتعليم المعلمين"، وحصلت على العديد من الدورات التدريبية في جامعات مختلفة في مجال التخطيط والإدارة، والنوع الاجتماعي والتنمية، وتحليل الموازنات من منظور النوع الاجتماعي.

بداية العمل والنشاط الجماهيري والشعبي

وتواصل حديثها مبتسمة عن بداياتها بالعمل: عدت إلى القدس عام ١٩٦٨، لم تكن هناك أي صناعة في البلد، لكنني وُفقت عند عودتي إلى هنا، فقد جئت بتصريح لمدة شهر، ولكن وجدت فرصة عمل في معهد معلمات الطيرة التابع لوكالة الغوث (الأونروا)، فبدأت حياتي المهنية معلمة، وهذا ما ساعدني للحصول على لم شمل بعد ٦ أشهر من وصولي مع قرار بعدم مغادرتي البلاد، واستمر عملي هذا حتى نهاية ١٩٨٩، وكنا في الانتفاضة، ففضلت أن أُقدم استقالتي، وأنتقل إلى مجال عملٍ آخر، ثم تحولتُ إلى العمل الجماهيري والشعبي، ونشطت في مجال حقوق المرأة، فقد ساهمت في أواخر السبعينيات في تأسيس لجان العمل النسائي، ومن هنا كانت بداية نشاطي، وقضايا السلام والنضال الفلسطيني.

يحضرني هنا أيضًا تجربة الاعتقال أكثر من مرة، وكنت أُستدعَى للتحقيقات، وفي عام ١٩٧٩ بعد زيارة السادات شاركت في المظاهرات وتصدرت صورتي غلاف مجلة التايمز في وقته، وتم اعتقالي إدارياً في سجن المسكوبية، وكان المحامي إبراهيم أبو عطا وقتها من رفع لي القضية للإفراج عني تحت شعار عدم وجود تهمة، وقبل موعد المحكمة بيوم أُفرج عني، لأخضع بعدها إلى الإقامة الجبرية سبعة أعوام منذ ١٩٨٠ إلى ١٩٨٧ في القدس.

العمل النسوي..

وعن عملها أول وزيرة لشؤون المراة، تقول زهيرة كمال لـ"القدس": لم تكن فقط قضايا العمل الوطني من أولوياتي، كذلك قضايا المرأة والشباب، عملت خلال ثلاثة أعوام مديرةً لمركز تطوير المرأة في UNDP في مكتب القدس، وهذه الفترة أتاحت لي فرصاً كبيرة بحضور عدد من المؤتمرات الدولية والعربية لأُشكل تصوراً عن تشكيل جهاز للمرأة ودوره وأهميته.

وتضيف: وفي عام ١٩٩٥ أُتيح لي العمل بموقع مدير عام في وزارة التخطيط والتعاون الدولي، وكان وزيرها الدكتور نبيل شعث، وكان متعاوناً معي، لنؤسس إدارة تخطيط وتطوير مشاركة المرأة ضمن هذا الإطار، وبدأت أتواصل مع جهات دولية مختلفة من أجل مساندتي في دعم هذا البرنامج سواء بالتدريب أو تقديم الدعم المالي، كون السلطة لم تكن لديها إمكانات كبيرة، من أجل تعزيز دور المرأة، وكانت هذه فترة مهمة، حيث تم تدريب ما يقارب ٤٠٠ موظف وموظفة من الوزارات المختلفة ضمن قضية إدماج النوع الاجتماعي في الوزارات، وكيف نخطط من منظور النوع الاجتماعي، وبالتأكيد لم يكن مفهوم النوع الاجتماعي في البداية مفهوماً، وكُتبت مقالات تستهزئ بالموضوع، مثل: جندرة ومجدرة، ولكن مع المثابرة والعمل الجاد في هذا الموضوع أصبح اليوم أساسياً ليس فقط في عمل الحكومة، وإنما أيضاً في عمل المؤسسات العامة، وهذا ما أهّلني لأكون أول وزيرة لشؤون المرأة في نوفمبر 2003 حتى نيسان 2006، بالرغم من أن خطتنا كانت لست سنوات.

وتتابع: من منطلق تجربتي في تخطيط وتطوير مشاركة المرأة كتبت ورقة من خمس صفحات، وعرضتُها على أُطر نسوية مختلفة لأُطورها لتصبح استراتيجيةً مستقبليةً لهذه الوزارة، وبالفعل تم عرضها في حينه في المجلس التشريعي، ثم تمّ العمل على تحديثها بمساعدة عدد من الخبراء في المجال، وأشكرهم جميعاً لدعمهم لي دون أي مقابل مادي، وقدمتُها للحكومة كاستراتيجية للمرأة، وأنا سعيدة أنه لا يزال العمل بها كقاعدة أساسية في الوزارة، لكن مع تطويرها.

وتسترسل في حديثها عن العمل النسوي لما أخذه من حيز في حياتها: أسست اتحاد لجان العمل النسائي الفلسطيني وكنت أول رئيسة له، كنتُ من المؤسِّسات لطاقم شؤون المرأة، إضافةً إلى عددٍ من المراكز النسوية، كمركز الدراسات النسوية ومركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي، ومركز القدس للنساء، كما شاركت في العديد من المؤتمرات العالمية، في عدد من الدول، بما فيها الأوروبية، وروسيا والولايات المتحدة، كما شاركت كعضو استشاري في مؤتمر مدريد للسلام، وفي الاجتماعات التي عُقدت في موسكو وواشنطن.

أول فلسطينية تقود حزباً سياسياً

وعن كونها أول فلسطينية تقود حزباً سياسياً بتقلدها منصب الأمينة العامة للاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا) منذ 24 آذار 2011 حتى عام 2019، تقول زهيرة كمال لـ"القدس": قيادة الحزب ليست موضوعاً جديداً، فعندما كنت في الجبهة الديمقراطية كنت الأمينة العامة للقيادة المركزية، وهذا يعني أنني رئيسة الحزب داخل الوطن، ولكن في ذلك الوقت كان العمل سرياً.

وتضيف: وبالتالي اختياري أمينةً عامةً للحزب ليس أمراً جديداً، وهذا كان شيئاً مهماً على أساس مشاركة المرأة في اتخاذ القرار، وهذا يعني أن الحزب استطاع أن يبني ثقافةً بين أعضائه بأنّ المرأة لديها القدرة لتكون في المواقع القيادية المتقدمة، وهذا ما عكس نفسه على الأحزاب الثانية، وهو دليل على أن المجال يجب أن يكون مفتوحاً أمام النساء في كافة المجالات لتأخذ دورها كما يجب وينبغي.