الكاتبة الشابة دنيا الطيب.. إبداعٌ مُبكر

سلفيت- "القدس" دوت كوم- روان الأسعد- يقول المؤرخ ويليام سنلمان: "التخلي عن الشباب كترك الحقل وحده دون اهتمام، فينمو فيه الشوك والنبات الطفيلي"، فالشباب هم عماد الوطن وهم المحرّك لتنميةِ المُجتمعات وبنائِها لما يمتلكونه من طاقات ترتكز عليها الأمة في بناء حضارتها ومجدها، وهم الأمل في تغيير ثقافة ومفاهيم مجتمعاتهم لضمان تكيفها السليم مع المستجدات، لكن ما يجب الإشارة إليه هو ضرورة دعم الشباب وتسليط الضوء عليهم وعلى إنجازاتهم، خاصة في مجالات الأدب لإعطائهم فرصة العطاء الثقافي لخدمة وطنهم، ولإبراز ما يمتلكونه من مخزون ثقافي وأدبي يمتزج بملكة الكتابة والخيال والإبداع ليترجم ذلك بكتبٍ أدبية، كون الأدب تعبيراً عن الواقع والمجتمع بمكوناته الثقافية والاقتصادية والسياسية، وبما يمر فيه من حركة وصراع بأساليب جمالية تعتمد على اللغة، ولتأثيره في استنهاض الشعوب من كبوتها، ولما له من ظلال في تشكيل الوعي الشبابي وتغييره.

"القدس" أجرت لقاء مع الروائية والكاتبة دنيا الطيب الحاصلة على لقب أصغر كاتبة فلسطينية تكتب رواية بعمر 16 عاماً، والتي تعتبر من الأصوات الروائية الشابة الواعدة، وتسرد بلغتها كتابات دقيقة ومعبرة تستطيع النفاذ إلى دواخل الكائنات الروائية واستبطان أغوارها النفسية في اللحظات العصيبة، وتعكسها بلغة سلسة عميقة تعمل على ترسيخها في ذهن القارئ وتقديمها بالصورة التي تُبرز جهودها في صياغة روايات أدبية مختلفة.

ولدت دنيا في مدينة بيت لحم عام 1999، وتسكن في مدينة سلفيت، وتدرس الإعلام في جامعة بيرزيت، تُحبّ الكتابة وتشعر بأنها عالم من العوالم الخفية، وفيها راحة وسكينة وتعبير عن كل ما يختلج داخل الإنسان، وأصدرت روايتها الأولى في العام 2015 بعنوان "حب حيفا" من خلال المكتبة الشعبية "ناشرو نابلس"، التي تتحدث عن ما آلت إليه حال مدينة حيفا بعد مرور 67 عاماً على احتلالها، حيث تدور أحداثها حول هجرة الفلسطينيين تحت القتل والسلاح والتهديد إلى لبنان، وكيف دفعهم حب الأرض إلى اتخاذ قرراهم بالعودة إلى الوطن، ولو شهداء، والقيام بعمليات فدائية لتحرير وطنهم، وعند دخولهم الوطن يشتبكون مع دوريات جيش الاحتلال ويستشهدون.

وتقول دنيا التي تجسد بقلمها حبه الوطن: حكايات كثيرة عن معاناة شعبي، خاصة في غزة، وعن صمودهم، جسدتُها بشخصياتٍ أربع محورية، تحدثت عن آثار الحرب العداونية الإسرائيلية على القطاع، وكيفية نجاح وصمود المقاومة فيها، ورفض الهجرة لما لها من آثار نفسية مدمرة، وذلك في روايتي الثانية "ألف عام من الركض" التي صدرت عن دار النشر والتوزيع "عصير الكتب" في القاهرة، وتبقى الفكرة بأننا لا نعاني وحدنا الألم، لأن الآلام تختلف من شخصٍ إلى آخر، وتبقى الحقيقة المطلقة داخلنا تحتاج أن نبحث عنها، فالحياة صعبة على الجميع، ولن تجد شخصاً يسندك سوى عمودك الفقري، فكن قوياً ولا تستسلم، وفي جانب آخر من الرواية تناولتُ حياة شريحة العمال الفلسطينيين وما يعانونه.

وعن قصتها القصيرة "التوت الفاسد" التي حصلت على المركز الثاني في مسابقة "نجاتي صدقي" للقصة القصيرة العام 2020، تقول دنيا: "التوت الفاسد" إضافة جديدة للسردية الفلسطينية في مجال القصص، تمتاز بكونها جدلية مختزلة ودقيقة جداً في الشخصيات، نابعة من صلب الواقع الذي نعيشه بشكلٍ مستمرٍّ في مجتمعنا الفلسطيني "اجتماعية بحتة"، وتتناول الروح الإنسانية بشكل مطلق بعيداً عن الوطنية، عندما كتبت القصة كان الهدف منها هو التحليل النفسي لمرحلة الانتقال ما بين الطفولة والمراهقة، وهي عبارة عن مشاعر أو مزيج من الغضب والحزن، وكانت أقرب إلى منظور الأطفال، كونها تُحكى على لسان طفلة تروي الحادثة، وكان الهدف منها استرجاع المشاعر المفقودة في زمننا، لأنّ الخاتمة تكشف أشياء كثيرة وطريقة تعامل الأطفال مع مشاعر الخذلان، وكيفية التعبير عنها بهذا العمر الغض، وتضم في ثناياها فكرة التفكك الأُسري وضعف الروابط، والتاثير السلبي لذلك، رغم أنه لم يكن المحور الطاغي في القصة، لكنها تمحورت حول التشريح النفسي للشخوص التي تتعرض للخذلان وكيفية تقبُّل هذا الحدث، وأخيراً نصل إلى التساؤل الأزلي: هل حقاً يوجد غفران حقيقي؟ ورغم هذا التساؤل المطروح، فإنه كان في نهاية القصة المسامحة الطفولية والغفران.

وتواصل حديثها منهمكة وكانها تقرأ القصة لنا: التسمية نبعت من القسوة الكبيرة والعنف والغضب، لأنها شعور أساسي ودافع ومحرك لكثيرٍ مما نمر به، مع أنّ القوة هي الدافع والعامل الأساسي للغفران، وبالتالي فإنّ الأشياء الهشة كالتوت تترك أثراً عميقاً، فبقع التوت لا يُمكن إزالتها عن الملابس.

وتستطرد: مع أنني تقدمت بمحض الصدفة للمسابقة، إلا أنني سعيدة جداً بفوزي، وبالمشاركة بحد ذاتها، لأنها فرصةٌ لإبراز الموهوبين والمثقفين ومساعدتهم وتحفيزهم على الابداع .

وتتابع لـ"القدس": عملي المقبل سيولد مع بداية العام المقبل بعنوان "الصيف وفصول أُخرى"، وهي امتداد لـ"التوت الفاسد"، واتجهت إلى منحى جديد بعيداً عن الوطنية والمتاجرة في مشاعر الإنسان الوطني، سيكون عن الروح الإنسانية بمزيجٍ من المشاعر ما بين الخذلان والحب والرومانسية، ويتناول العمل مجموعةً كبيرةً من التفاصيل خلال أربع مراحل عمرية.