هل نحن شعب موحد أم تجمعات سكانية ؟

بقلم: نهاد أبو غوش*

تصدر بين الفينة والأخرى تصريحات ومواقف عن بعض الأوساط الفلسطينية تشكك في الصفة التمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أو تطعن في وحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني، أو أنها تلحظ ما آلت إليه المنظمة من جمود وتكلس، فتتساءل- مشككة بوظيفتها- عما أنجزته طوال تاريخها، وكم شبرا أو مترا مربعا حررت المنظمة وفصائلها، لتنتهي إلى أن منظمة التحرير هي مجرد واحدة من المؤسسات الفلسطينية مثلما جاء في بعض وثائق مؤتمر استنبول الذي عقد مطلع العام 2017.

مشكلة هذا الطرح تتلخص في نقطتين، بل خطيئتين في واقع الأمر، وهما: تجاهل وربما جهل، الطبيعة المعقدة للنضال الوطني الفلسطيني، وطبيعة الخصم، أي التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني، الذي يواجهه هذا النضال منذ أكثر من قرن من الزمان. وهذه المقاربة التي تتوقع انتصارات مظفرة من صولة كفاحية واحدة، أو انتفاضة، أو حتى جولة مفاوضات، هي في الحقيقة مقاربة قصيرة النفس، سينتهي بها الأمر حتما إلى التسليم بواقع تفوّق المشروع المعادي، والقبول به عمليا مع مواصلة إنكاره لفظيا وتوجيه الشتائم له.

الخطيئة الثانية هي إنكار حقيقة استعادة الشعب الفلسطيني لهويته الوطنية التي هي الشرط الأول لانتزاع حقوقه الوطنية، حيث أدت النكبة الكبرى في العام 1948 إلى اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، وتشتيته، وتبديد هويته الوطنية. وحدها منظمة التحرير الفلسطينية هي التي مكنت هذا الشعب من استعادة هويته الوطنية، والفارق كبير جدا بين شعب يتمتع بالضرورة بحق تقرير المصير والسيادة على أرضه، ووحدته ووحدة حقوقه الوطنية، وبين مجموعات مشتتة ومتناثرة من السكان، لكل مجموعة منها حقوقها المعيشية في منطقة سكنها، ولقد لخص شاعرنا الكبير محمود درويش هذه الحقيقة حين وصف الشعب الفلسطيني، في معرض رثائه للرئيس الخالد ياسر عرفات، فقال عنه " وكان اسمه أحد أسماء فلسطين الجديدة، الناهضة من رماد النكبة إلى جمرة المقاومة، إلى فكرة الدولة، إلى واقع تأسيسها المتعثر..".

الشعب له حقوق وطنية وسياسية لا يمكن إنكارها، في حالتنا الفلسطينية الشعب له حق العودة وحق تقرير المصير، وحق إقامة دولته المستقبلة بعاصمتها القدس، وحق السيادة على أجوائه ومعابره وسمائه وأرضه وموارده، بينما السكان لا يملكون المطالبة سوى بحقوقهم المعيشية والمدنية، وفي حالتنا سوف يبقى أهلنا في غزة يطالبون بفتح معبر رفح، وزيادة حصتهم من البترول، وتوسيع مساحة الصيد البحري، وزيادة حصيلة حقائب المال القطرية! أما في الضفة فمطالبنا سوف تقتصر على قضايا مثل زيادة تصاريح العمل، وتمديد ساعات العمل على الجسور، وخفض عدد الحواجز الثابتة والطيارة، وربما السماح بتوسيع المخططات الهيكلية للبلدات والقرى، وهناك بالطبع مطالب حياتية أكثر تواضعا وأكثر إلحاحا لشعبنا في مخيمات سوريا ولبنان من قبيل السماح بإعمار المخيمات المدمرة، وإدخال بعض مواد البناء الممنوعة أو مزاولة بعض المهن.

صفقة القرن البائسة هي الترجمة العلية الدقيقة لتحويلنا من شعب إلى مجموعات سكانية، ونتنياهو كان واضحا وصريحا في أكثر من مناسبة إزاء هذا الأمر، فهو قال أن السلام مع الفلسطينيين في هذا الجيل يبدو مستحيلا، وأن أقصى ما يمكن إنجازه معهم هو السلام الاقتصادي، كما أنه لم يخف، ولم يتستر على ما يريده من تفتيت لوحدة الشعب الفلسطيني حين قال بكل صراحة أن الانقسام الفلسطيني هو مصلحة إستراتيجية إسرائيلية.

لقد نص قانون القومية اليهودي بوضوح على أن حق تقرير المصير في أرض إسرائيل ( أي في فلسطين) هو حكر على ما أسماه القانون "الشعب اليهودي"، وبالتالي فإن ليهود بروكلين والأرجنتين وفرنسا حقوق سياسية على هذه الأرض أكثر مما لسكانها الأصليين، وأن وجود الفلسطينيين على أرضهم هو وجود طارئ وعارض لا تترتب عليه أية حقوق سياسية، وكأنهم جالية تنتمي لشعب آخر خارج هذه البلاد.

سبق للمفاوض الفلسطيني، وللقيادة الفلسطينية بشكل عام، أن وقعوا في هذا الفخ قبل أكثر من ربع قرن، حين قبلوا بما ورد في نصوص اتفاق أوسلو وملحقاته حين جرى وصف الفلسطينيين بـ"السكان" وليس بـ"الشعب"، ولم يكن الأمر مجرد خطأ لغوي في التعبير، لأن أي عملية تدقيق في الحقوق والصلاحيات الممنوحة للفلسطينيين تشير إلى أنها تخص مجموعات سكانية وليس شعبان، ومن الأمثلة الصارخة الدالّة على ذلك، إبقاء القضايا الجوهرية الكبرى كالقدس والاستيطان واللاجئين مفتوحة للتفاوض، وغياب أية إشارة صريحة أو ضمنية لهدف إنهاء الاحتلال، وطريقة مشاركة الفلسطينيين المقدسيين في الانتخابات عن طريق البريد، وكأنهم جالية تنتمي لشعب آخر وتقيم في بلد غير بلدها.

وربما نعمد نحن الفلسطينيين إلى إضعاف صفتنا كشعب، التي انتزعناها بالتضحيات، وعبر اعترافات متوالية من الدول الصديقة والشقيقة، ومن المجتمع الدولي عبر قرارات الأمم المتحدة، حين نوافق لأسباب مختلفة على التعامل معنا كسكان وتجمعات، وقد يصدر هذا الخطأ عمن يدعي أن المقاومة هي خياره الاستراتيجي بالقول أن منظمة التحرير لم تعد تمثلنا، ثم يمضي في البحث عن ترتيبات ثنائية لقطاع غزة بعيداً عن مبدأ الوحدة السياسية والجغرافية للأراضي الفلسطينية المحتلة، وقد يصدر عمن يعتبر أن منسق شؤون جيش الاحتلال في المناطق هو مرجعيتنا، وأن الارتباط المدني أو العسكري، أو وزارة الشؤون المدنية هي الإطار السياسي المركزي في تحصيل حقوقنا التي لا تعدو الحصول على أموال المقاصة!

* عضو في المجلس الوطني الفلسطيني