الفلسطينيون داخل إسرائيل... فيروس كورونا وتذويت القيم الأخلاقية

بقلم: البروفيسور سعيد زيداني

"ارتفع عدد المصابين الجدد بفيروس كورونا بين فلسطينيي الداخل إلى 41.5٪ من الإصابات الجديدة في إسرائيل"، كما جاء في تقرير لصحيفة "العربي الجديد" يوم 19 تشرين الثاني، أعدته الصحافية الحيفاوية، ناهد درباس. كما أكدت القناة 13 الإسرائيلية يوم 22 من الشهر ذاته، أن عدد المصابين الجدد بين فلسطينيي الداخل ومدينة القدس الشرقية المحتلة قد تجاوز الـ50٪ من عدد الإصابات في إسرائيل. ورغم أن نسبة فلسطينيي الداخل من عدد سكان إسرائيل لا تصل إلى 20٪، فإن "نسبة الفحوصات لديهم لا تتجاوز12.5٪. كما لا تزيد نسبة الفحوصات لدى فلسطينيي مدينة القدس الشرقية، وقد تقل، عن ذلك. أضف إلى ذلك، وحتى ساعة كتابة هذه السطور، فإن جميع المدن والقرى المصنفة "حمراء" بسبب النسب المرتفعة من الإصابات هي في الداخل الفلسطيني، وعلى رأسها مدينة الناصرة.

لماذا يحدث كل هذا؟

الجواب البسيط والصحيح، ولكن غير الكافي وغير المثقف، في اعتقادي، مفاده التالي: الفلسطينيون، سواء في الداخل أو في مدينة القدس الشرقية، أقل التزامًا بتعليمات الجهات المهنية المختصة بشأن سبل الوقاية من الفيروس سيء الذكر. فما تزال قاعات الأعراس، أو الأماكن البديلة لها بعد إغلاقها، وبيوت العزاء، على سبيل المثال، تكتظ بجماهير المشاركين. كما أن ارتداء الكمامات والتباعد الاجتماعي لا يؤخذان على محمل الجد بالقدر الكافي، من قبل الكبار والصغار، والذكور والإناث، على السواء. ولا يجدي في الإجابة عن السؤال أعلاه ما يقال أحيانًا، من باب العتب أو الغضب أو الشكوى، بأن التعليمات الصادرة عن الجهات المختصة غير واضحة أو أنها لا تصل إلى جمهور الهدف بالصورة الفعالة المرجوة. فبعد ما يزيد عن ثمانية شهور من "زيارة" فيروس كورونا اللعين للأراضي المقدسة وإقامته فيها، تعرف الفلسطيني، كما تعرفت بقية الدنيا، على سبل تفشي الفيروس وعلى مخاطره، بالإضافة إلى سبل الوقاية والحماية منه. فلماذا، إذًا، هذا النقص الواضح والفاضح في مجال الالتزام بتعليمات الوقاية والحماية الصادرة عن الجهات المهنية المختصة؟

ولا يشفع كثيرًا ما يقال أحيانا، وهذا صحيح، عن تقصير الشرطة في فرض التعليمات المذكورة. ولكن، لماذا أحتاج إلى فرض التعليمات من قبل الشرطة، إذا كانت مثل هذه التعليمات من أجل الحفاظ على حياتي وحياة عائلتي وأقاربي وأبناء بلدي؟ لا أريد، بالطبع، التقليل من ومسؤولية الشرطة أو هيئات إنفاذ القانون عموما، ولكن لماذا أتوقع من الشرطة وتلك الهيئات أن تكون أحرص مني على حياتي وحياة عائلتي وجيراني وأبناء بلدي؟ ولماذا نحتاج إلى طائرة هليكوبتر شرطية لتفريق عرس في مدينة طمرة، بلدي، خلال فترة الإغلاق في النصف الثاني من شهر تشرين الأول الماضي (وكنت شاهدا على ذلك)؟

ما أود قوله تحديدًا إنه في شأن كهذا فإن دور الشرطة ومسؤوليتها يظلان ثانويين. أما المسؤولية الرئيسة والدور الرئيس فيقعان على عاتقنا، نحن فلسطينيي الداخل وفلسطينيي القدس الشرقية. وهذا ما اعترف به وأكد عليه النائب، أيمن عودة، رئيس القائمة المشتركة، في مقابلة له مع إحدى قنوات التلفزة الإسرائيلية يوم 21 تشرين الثاني الجاري. وهو ما يقوله ويردده ويؤكد عليه قياديون كثر آخرون، سياسيون وغير سياسيين.

ودون التقليل من دور ومسؤولية الشرطة، ودون التخفيف من حدة لومها على التقصير أو اتهامها به، فإنها (أي الشرطة) لا تمثل أكثر من "الوازع الخارجي" في مجال إكراه الناس على الالتزام بالقيم الأخلاقية، في الشأن الذي نحن بصدده كما في غيره من الشؤون، فالشرطة، وهيئات إنفاذ القانون عمومًا، تلوّح بفرض الغرامات أو/ و السجن، فتعاقب تبعًا لذلك وتردع. ولكن علينا أن نعترف بأن هذا الوازع الخارجي لا يحل بمفرده كل مشكلة أو عقدة عدم الالتزام أو نقصه، بالتعليمات الصادرة عن جهات الاختصاص، فمن دون "الوازع الداخلي" يظل الالتزام بالقيم الأخلاقية ناقصا ومبتورا، فالوازع الداخلي هو ما يحرك ويحفز المرء على التصرف وفق ما يؤمن به أو يعتقد أنه طريق الصواب؛ وفي غيابه أو وهنه يكون التصرف محكومًا بالخوف من العقاب المادي ليس أكثر، وإذا كان الأمر كذلك، فإن الذين لا يلتزمون بالتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة يعانون من واحدة أو أكثر من "الرذائل" أو النقائص التالية:

- عدم توفر القناعة بشأن خطورة فيروس كورونا أو بشأن مدى خطورته أو طرق انتشاره والإصابة به، أو طرق الوقاية منه.

- وهن أو كسل الوازع الداخلي.

- ضعف الإرادة.

لنترك مسألة ضعف الإرادة جانبًا، فهي قضية فلسفية معقدة وخلافية، على الأقل منذ أيام الفيلسوف الإغريقي سقراط (والذي، على فكرة، أنكر وجود شيء كهذا). أقول: لنترك هذه المسألة الخلافية جانبًا، وذلك لسبب بسيط مفاده أن ضعف الإرادة لا يفسر الزيادة في تفشي فيروس كورونا في مدينة الناصرة مثلا، مقابل النقصان في تفشيه في المدينة المحاصرة "نوف هجليل". ومن هنا، علينا تسليط بؤرة الضوء على "الرذيلتين" الأخرييْن؛ التنكر لخطورة الفيروس ووهن الوازع الداخلي، علمًا بأن وهن الوازع الداخلي يتغذى بدوره على التنكر لخطورة الفيروس.

ونعرف جميعًا هذه الأيام، هناك قلة من الفلسطينيين وغير الفلسطينيين، والعرب وغير العرب، ممن يتنكرون لخطورة فيروس كورونا، رغم المعلومات الإحصائية الموثقة حول أعداد الموتى والمصابين والمتعافين يوميًا، ورغم ما يقوله الخبراء والفقهاء والزعماء والواعظون.

هؤلاء المتنكرون لخطورة الفيروس لا تردعهم الوقائع الوحشية أو الحقائق العلمية، ولن يفتقروا إلى الذرائع التي تعزز أفكارهم ومواقفهم المسبقة، ورفضهم بالتالي لحملات الإرشاد والتوعية. وفي عملية التصدي لمنكري فيروس كورونا أو المتنكرين لخطورته، يكتسب الوازع الخارجي أهمية خاصة.

إذا كان ما ورد في الفقرتين السابقتين صحيحًا، وأعتقد أنه كذلك، ينتج عن ذلك مباشرة أن ما يتوجب علينا استنهاضه ونفض الغبار المتراكم عنه هو الوازع الداخلي، فهو الذي يحركنا ويحفزنا على التصرف وفق ما فيه الخير لنا ولغيرنا، فإذا كان الضمير صوت الحق والخير فينا، فإن الوازع الداخلي هو الشرطي الداخلي المنفذ لما يأمر الضمير به أو ينهى عنه، والتربية على القيم الأخلاقية هي الوسيلة والحيلة لنفض الغبار عن هذا الوازع واستنهاضه؛ تربية يشارك فيها أرباب العائلات وأرباب المدارس والخبراء والواعظون وغيرهم، تربية تهدف أساسًا إلى استبطان أو تذويت القيم الأخلاقية. الوازع الداخلي، إذًا، هو ما يتوجب العمل جديًا على تنشيطه وتمكينه.

وختامًا، دون التقليل في شيء من مسؤولية الشرطة وهيئات إنفاذ القانون عمومًا، ودون التقليل في شيء من اتهامها بالتقصير، علينا، نحن فلسطينيي الداخل، وفلسطينيي المناطق المحتلة عمومًا، أن نعمل ما أمكن وما يلزم لاستنهاض الوازع الداخلي، بما يعنيه ذلك من تذويت القيم الأخلاقية، فالتربية على القيم الأخلاقية هي وسيلتنا وحيلتنا ودرعنا الواقي، في التصدي لمخاطر فيروس كورونا وغيره من "الفيروسات الاجتماعية" التي نعاني الأمرين من الإصابة بها.

* أستاذ الفلسفة في جامعة القدس وجامعة بير زيت سابقا - عن "عرب ٤٨"