الذكرى الحادية والثلاثين لتحطيم سور برلين

بقلم: الدكتور أحمد القديدي

بين شهر تشرين الاول 1989 وشهر تشرين الاول 2020 ثلاثة عقود من الزمن، ثلث قرن مرت على دك جدار برلين بمعاول وفؤوس وأيدي الشباب الألماني الذين جاءوا من كل فج عميق من الجانبين: برلين الغربية وبرلين الشرقية ليدمروا هذا الرمز المشين المهين المنتصب في وجوههم منذ يوم 13 أغسطس من سنة 1963 في عز الحرب الباردة، وحين كانت ألمانيا مقسمة غصباً عن شعبها إلى نصف يرزح تحت نير الإمبراطورية السوفييتية ونصف منقاد إلى رغبات حلف الناتو بزعامة الولايات المتحدة.

هذا القدر الذي فرضه العملاقان على شعب منهزم في الحرب العالمية الثانية اعتبره الألمان عقاباً مسلطاً حان أوان رفضه وتغييره وإعلان العصيان عليه، فتدرج انهيار الشيوعية ومعسكرها من إقرار زعيم الاتحاد السوفييتي وقتئذ ميخائيل غورباتشيف بأن الشيوعية أفلست وحان وقت ما سماه الشفافية (الغلاسنوست)، ففتح أبواب ونوافذ القلعة الموصدة منذ أكتوبر 1917 ليتدفق عبرها نسيم عليل تنفسه المواطنون السوفييت، وتحول الهواء إلى ريح عاتية لم تبق ولم تذر وبدأ ستار الحديد (كما سماه تشرشل) يرتفع تدريجياً ليكتشف العالم أن إمبراطورية الطبقة الكادحة (البروليتاريا) هي من الورق المقوى تتهاوى تحت قطع الأسمنت المصفح المتناثرة من جدار برلين رمزها الساطع المخزي ليلة يوم التاسع من نوفمبر 1989.

هذا الانهيار المدوي للشيوعية ومعسكرها أطلق عليه الرئيس الأمريكي الأسبق للولايات المتحدة ريشارد نيكسن مصطلح (النصر بلا حرب)، حيث فازت الرأسمالية برديفها الحريات الأساسية على خصمها الماركسي ورديفه خنق المبادرات الحرة بالضربة القاضية دون حرب، لأن الحرب كانت ثقافية وإعلامية وسوسيولوجية ونفسية دون سلاح.

فالعملاقان كانا في الواقع يتصارعان ولكن من خلال أزمات إقليمية بعيدة عنهما راح ضحيتها آلاف من أبرياء العالم الثالث المسكين، إنها ملحمة من أعظم ملاحم القرن العشرين، ويا لها من عبرة تاريخية من أروع عبر عصرنا الحديث، شعب يتحرك بلا أوامر من زعيم أو تعليمات من دولة ليتوحد ويتعانق مواطنوه بعد أن حطموا جدار الخوف والرهبة في عقولهم وقلوبهم وهو ما أتاح لهم أن يحطموا جدار الخرسانة المسلحة الفاصل بين نصفي برلين.

إنها ثورة عارمة لشعب ألمانيا الذي ضرب المثل الأعلى منذ يوم التاسع من نوفمبر 1989 فتوحد بعد أن قرر العمالقة تقسيمه وتعملق بعد أن قرر الكبار تقزيمه وأثبت أنه شعب واحد حين احتضنت ألمانيا الغربية الغنية نصفها المفقود الألماني الشرقي المدجن، يعني أن 43 مليون ألماني غربي أدمجوا في صلبهم 43 مليون ألماني شرقي دون عقدة أو مشكلة أو سابق ترتيب.

النتيجة اليوم هي رمزية أيضا، لأن مستشارة الجمهورية الألمانية هي السيدة أنجيلا ميركل من أصل ألماني شرقي، أمة ألمانية واحدة ذات رسالة خالدة، عبارة مؤسس حزب البعث العربي "العتيد" ميشال عفلق تنطبق تماما على الأمة الألمانية، لأنها قدمت المثل الأسمى في التضامن والوحدة في حين نعرف جميعا ما آلت إليه الأمة العربية الواحدة من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر لبيك عبدالناصر كما كان يتغنى الشاعر سليمان العيسى في الستينيات قبل ضياع النصف المتبقي من فلسطين في حرب الأيام الستة 1967.

نعود إلى عنوان مقالي "أنا وجدار برلين" لأجيب عن سبب حشر نفسي وأنا الفقير إلى ربه تعالى كاتب هذه السطور، ما دخلي في انهيار جدار برلين؟ أقول لكم: في بداية السبعينيات من القرن الماضي كنت عضواً في أول هيئة مديرة لاتحاد الكتاب التونسيين مباشرة بعد تأسيسه أعمل كاتباً صحفياً في اليوميات والمجلات التونسية، وكنت أقرأ لكاتب روسي عملاق متمرد تمت ملاحقته وعرف السجون والمحتشدات وفضح الفظائع الستالينية وعاقبه (بريجنيف) بإسقاط الجنسية السوفييتية عنه وهو (ألكسندر سولجينتسين)، الذي نفوه إلى الولايات المتحدة ونال جائزة نوبل للآداب عام 1970، كنت أقرأ للكاتب وأكتب عنه بالعربية وأدافع عن حرية رأيه في حدود إمكانياتي المتواضعة جدا، وترجمت في الصحف بعض فقرات من رواياته (أرخبيل الغولاغ) و(يوم من أيام إيفان دينيسوفيتش) و(قسم المصابين بالسرطان).

وفي نفس هذه الفترة دعاني الكاتب المصري يوسف السباعي أنا والزميل الكاتب التونسي المعروف مصطفى الفارسي (رحمهما الله) للمشاركة في مؤتمر اتحاد الكتاب الأفرو- آسياويين الذي ينعقد سنة 1973 في مدينة (ألما أتا) عاصمة كازاخستان، وكان الكاتب المصري الراحل هو الأمين العام لذلك الاتحاد، فقصدنا أنا والفارسي مقر القنصلية السوفييتية بتونس واستقبلنا الموظف السوفييتي بكل لطف لكنه منح التأشيرة للفارسي ورفض أن يمنحها لي، وبالطبع سافر الفارسي إلى (ألما أتا) وبقيت أنا في تونس، لكني أديت لموظف القنصلية زيارة ودية أستطلع سبب الرفض ولم يخف عني أن سمعتي لدى السفارة السوفييتية "زي الزفت" وأنني شخص غير مرغوب فيه في دولة ديكتاتورية الطبقة الكادحة، ولم أكن أتوقع في الحقيقة أنني أنا الصحفي الكحيان البسيط محدود التأثير يمكن أن تخشاني الإمبراطورية الحمراء!.

ولهذا السبب فإنني اليوم منتصر عليها، ولي حق في حجر بسيط من جدار برلين المنهار، هذا الحجر الذي أملكه بالفعل، لأن صديقتي الألمانية رئيسة حزب التضامن السيدة (هلجا زياب لاروش) تفضلت سنة 1989 بإهدائي حجرا (قطعة خرسانة) من الجدار، هذا الجدار الذي عزف الموسيقار الروسي المعارض (روستروبوفيتش) على (الفيولونسيل) أمامه أروع ألحانه وهو يشاهد المعاول والفؤوس تهوي عليه لتحطيمه كما وعد هو وتوقع منذ الستينيات حين قال من منفاه: "سينهار الجدار وسأعزف على أنقاضه".

إنها ملحمة الحريات التي لابد أن تنتصر، وملحمة إرادة الشعوب التي لا تقهر، لأنها من إرادة الله، فليعتبر أولئك الذين ما يزالون يشيدون الجدران ويقمعون الأمم.

عن "الشرق" القطرية