بعد سقوط ترامب ... المخاطر والآفاق

بقلم د. مصطفى البرغوثي

الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية

ولد سقوط ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية شعوراً عالمياً ومحلياً بالارتياح.

فما من رئيس في العصر الحديث أثار هذا القدر من الإستفزاز، وتبنى سياسات عنصرية، وتطاول على القانون الدولي وخلق استقطابات حادة في المجتمع الأميركي والدولي مثلما فعل ترامب.

وما من رئيس في العالم أساء للقضية الفلسطينية، وجعل من إدارته غلافاً وحاضنة لأسوأ مخططات اليمين العنصري الإسرائيلي المتطرف لتصفية الحقوق الفلسطينية، كما فعل ترامب في "صفقة القرن".

لكن ذهاب ترامب ونجاح جو بايدن لن يعني اختفاء "صفقة القرن" ومخاطرها على القضية الفلسطينية، لأن صاحب هذه "الصفقة" الحقيقي هو نتنياهو والحركة الصهيونية العنصرية.

وقد بدأ نتنياهو وأنصاره من الآن محاولة إدخال أفكار وأهداف صفقة القرن إلى الإدارة الديمقراطية الجديدة، كضم المستعمرات الاستيطانية تحت عنوان :"تبادل الأراضي".

وإذا كانت إدارة بايدن، كما أعلنت كاميلا هاريس، ستعيد فتح ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية التي أغلقها ترامب، وستعيد تمويل السلطة الفلسطينية، ووكالة الغوث الدولية، فذلك لا يمثل تغييراً جوهرياً بقدر ما هو عودة إلى ما كان قائماً قبل عصر ترامب من تحالف استراتيجي مع إسرائيل و انحياز كامل لها.

والدليل على ذلك، أن بايدن أعلن أنه لن يخرج السفارة الأميركية من القدس، وقد تكررت تصريحاته هو وكاميلا هاريس المؤكدة على دعم إسرائيل وعمليات التطبيع معها، دون أن نسمع موقفاً صارماً تجاه الاستعمار الاستيطاني المتواصل والذي يمثل ضماً تدريجياً للأراضي المحتلة و إسفينا ينسف إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.

وليس مستبعداً أن يُطالب الفلسطينيون مقابل العودة للماضي، بتنازلات جديدة، من منطلق الواقعية، والمرونة، والحاجة لتقبل ما أحدثته إسرائيل من تغييرات على أرض الواقع.

هناك أربعة مخاطر، قد تحملها الفترة القادمة :

أولها أن تتعرض السلطة الفلسطينية لضغوط لإعادتها إلى نفس دائرة المفاوضات الطويلة بلا نتائج، أي إعادة العربة إلى دائرة عملية السلام كبديل للسلام، وأن تصبح المفاوضات بحد ذاتها هدفاً بديلاً لإنهاء الإحتلال وللحل.

وثانيها، أن يستمر الإستيطان خلال المفاوضات دون رادع سوى بيانات وإدانات لا تسمن ولا تغني من جوع، مما يعني السماح بتواصل عملية ضم تدريجي للأراضي الفلسطينية المحتلة في عهد بايدن كبديل عن الضم الفوري في عهد ترامب.

وثالثها، أن تمارس الضغوط لتعطيل عملية المصالحة والوحدة الوطنية الفلسطينية، وجعلها تذبل، بعد أن تباطأت خطواتها مع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية.

ورابعها، تواصل محاولات إسرائيلية ودولية لإلغاء الصفة السياسية والوطنية للحقوق الفلسطينية وتحويلها إلى مجرد قضية إقتصادية، وإنسانية، أي مصادرة حق الفلسطينيين في الحرية وتقرير المصير واستبدالها بمجرد تحسين لأحوال المعيشة.

وهذه المخاطر الأربعة هي في الواقع الوجه الآخر ل " صفقة القرن".

لذلك لا بد من وضع الادارة الأميركية ومختلف دول العالم أمام التحديات التي لا يمكن شطبها، أي المطالبة بموقف واضح يرفض مبدأ الضم المخالف للقانون الدولي، بما في ذلك موقف صريح برفض ضم القدس والجولان المحتل، وأي جزء من الأراضي المحتلة. والمطالبة بموقف لا يكتفي بمعارضة الاستيطان الإستعماري ، بل يمارس ضغوطاً، تملك الإدارة الأميركية و الدول الأوروبية الكثير من أدواتها إن أرادت ، لوقف الإستيطان بالكامل.

فلا معنى لمفاوضات، وعملية السلام مع استمرار الاستيطان لأن المفاوضات في هذه الحالة، كما جرى طوال الثلاثين عاماً الماضية ستصبح غطاءً للاستيطان ولعملية تدمير إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.

ولا بد من مطالبة المجتمع الدولي، بما في ذلك الإدارة الأميركية، تأييد حق الفلسطينيين في الوحدة الوطنية، وإجراء انتخابات ديمقراطية حرة، وقبول نتائجها، حتى لا نعود إلى محاولات فرض الشروط والاملاءات الإسرائيلية بغلاف أميركي أو دولي.

لا حظ لأي مفاوضات، ما دام ميزان القوى مختل لغير صالح الفلسطينيين.

ولذلك فإن الحكمة تقتضي أن يتعمق الفهم الفلسطيني بأن المراهنة يجب أن لا تكون على بايدن، أو غيره من حكام العالم، بل على ما يستطيع الشعب الفلسطيني أن يفعله بنضاله وكفاحه، وتحالفاته مع قوى الحرية والتغيير في العالم، لتغيير ميزان القوى.

ولن يلتفت العالم للقضية الفلسطينية، ما لم تتصاعد المقاومة الشعبية الموحدة، وما لم يرى العالم قيادة موحدة واستراتيجية موحدة للفلسطينيين.

القوى التقدمية في الحزب الديمقراطي برئاسة ساندرز وأعضاء الكونجرس ككورتيز وإلهان عمر ورشيدة طليب، كانت من أهم القوى التي ساهمت في إسقاط ترامب، بالاضافة إلى شباب الحزب الذين تظهر استطلاعات الرأي أن 40% منهم أميل لتأييد الفلسطينيين، وحركة السود ذوي الأصل الأفريقي والحركات الاجتماعية النسائية والشبابية، والمهاجرين اللاتينيين والمسلمين، وكل هذه القوى تمثل حليفاً محتملاً و مهما للفلسطينيين إن تم توسيع الجهود للتواصل معهم، لخلق قوة ضغط داخلية في الولايات المتحدة في مواجهة اللوبي الصهيوني.

بل إن التوازن الدقيق والأغلبية الديمقراطية الصغيرة في مجلس النواب الأميركي تجبر صانعي السياسة في الحزب الديمقراطي على إحترام آراء الجناح التقدمي في الحزب.

باختصار طريقنا للخلاص لن يكون في العودة للماضي والمراهنة على المفاوضات، بل في التقدم للأمام بتصعيد الكفاح الفلسطيني الموحد، وتطوير تحالفات مع كل قوى التقدم في العالم، والتمسك بصلابة ومبدئية بالحقوق الوطنية الفلسطينية في الحرية الكاملة.