أُسامة موسى.. الجوال في ربوع القدس والباحث عن الكنوز الأثرية والأكلات التراثية

القدس- محمد زحايكة- يتجول الشاب أُسامة موسى (37 عاماً) في جبال القدس وهضابها باحثاً عن نكهة الحياة الطبيعية المفقودة والمنحسرة جراء الغزو التكنولوجي، العدو الأول لحياة السكينة والصفاء والدعة.

وكَون موسى خبازاً ماهراً، فإنه يستثمر هذه الجولات ذات المسافات الطويلة التي يقطعها على دراجته الهوائية في إعداد الوجبات والأكلات التراثية الفلسطينية في مناطق طبيعية مفتوحة ذات سحر أخّاذ، أو بالقرب من آثار عريقة وينابيع وجداول وغدران الماء سر الحياة.

ويبرع موسى في إعداد الأكلات الفلسطينية المختلفة من مسخن ومنسف ومقلوبة وغيرها بطريقة بدائية، حيث يوقد نار الحطب في الأيام المشمسة أو موقد الغاز في الأيام الباردة والماطرة، ويصنع أشهى الأكلات على نار الحطب، وكذلك يُعدّ الشاي والقهوة بالطريقة ذاتها، فيحصل على مذاق طيب.

ولا يُخفي الخباز موسى عشقه للطبيعة منذ اكتشف هذ العالم قبل خمس سنوات، وهو يجول على دراجته قاطعاً المسافات، وموغلاً في أحراش وأدغال جبال القدس، مصادفاً العديد من أنواع الحيوانات، مثل الثعالب والذئاب وحيوان النيص والسلاحف وبعض الحيوانات الغريبة غير المألوفة، مثل حيوانٍ هجينٍ بين الذئب والضبع، له اسم غريب أو مجهول الاسم.

وجال موسى في مناطق عدة ذات جمال طبيعي، وتحتوي على آثار وكنوز ثمينة في أحراش عين كارم وعمواس وعين صوبا والعين البيضا مقابل الولجة وبتير وخربة سعيدة... إلخ.

ومرّ في جولاته على ينابيع وعيون ماء وكهوف بعضها مغمور بالمياة وقنوات وسواقٍ وجداول مائية وحمامات رومانية محفورة في الصخور، فيما تمتد الأشجار الحرجية على مساحات واسعة، وتغطي رؤوس الجبال وسفوحها في منظرٍ جماليٍّ مدهشٍ ومثير، تملأه الطيور بهجةً وحيويةً بأصواتها وزقزقاتها التي تشنف الآذان.

ولا تكتمل هذه السيمفونية الطبيعية إلا بخبز الطابون "المقرمش" وطعمه اللذيذ مع باقي عناصر الصناعة الغذائية الطبيعية عندما يضع الخباز موسى حجارته صانعاً موقد نار طبيعياً في "غابة السلام" الواقعة على مثلث المكبر سلوان والثوري جنوب القدس، ثم يأتي بعيدان شجر اللوز وبقايا شجر السرو (القريش) المتناثر على الأرض ويوقد ناره الطبيعية واضعاً فوقه دجاج "المسخن" حتى يصبح محمراً، ويضيف إليه ما يلزم من بهارات وبصل وثوم وزيت زيتون وأشياء أُخرى تُكسبه طعماً ومذاقاً خاصَّين، ثم يأتي بعجينة الطابون مع حجارتها الصغيرة "الرَّضَف"، فيلقيها فوق النار المشتعلة، فتخرح "مقمرة" و"مقحمشة" تسر الناظرين، وتفرح وتثير بطون و"معد" الآكلين الهانئين..! ويكون ختامها "بكرج" الشاي على نار الحطب.

في جولاته المكوكية هذه، يضرب الخباز والجوال موسى أكثر من عصفورٍ بحجرٍ واحد، ويقول: "دعك من المتعة الشخصية واللياقة البدنية فهذه تحصيل حاصل، وإنما علينا النظر إلى حالة الدهشة والفرح التي تنتج عن تعرُّفك على بلادك وحضارتها وكنوزها من خلال الاكتشافات المتتالية التي تظهر لنا أثناء التجول والسياحة في ربوع بلادنا وما تحتضنه من آثار ومناظر ومشاهد طبيعية ساحرة.. حتى ندرك مدى حبنا وارتباطنا بهذه الأرض الطيبة.. أرض الآباء والأجداد التي يستحيل التفريط بها مهما كان الثمن".