مصيرٌ مجهول.. شهيد "عين البيضاء" الفدائي منصور جاد الله

جنين- "القدس" دوت كوم- علي سمودي- كانت نكسة حزيران عام 1967 السبب وراء نزوح الشاب منصور محمود داوود جاد الله إلى الأردن والاستقرار فيها، لكن حبه لوطنه فلسطين وإيمانه بعدالة قضية شعبه، جعله ينخرط في سلك العمل الفدائي ضمن المجموعات العسكرية التي تشكلت على الساحة الأردنية.

شارك مع مجموعة فدائية بالتسلل للوطن حتى وصلت لقرية عين البيضاء في الأغوار الشمالية لتنفيذ عملية فدائية، المجموعة اشتبكت مع دورية إسرائيلية في معركة استمرت عدة ساعات حتى استشهد جميع أفرادها بمن فيهم منصور.

رغم مرور عدة سنوات إلا أن عائلة منصور ما زالت تجهل مصير جثمانه الذي تكتم الاحتلال عنه، وتتمنى العائلة استعادة الجثمان لدفنه في مقابر قريته "جينصافور" بمحافظة قلقيلية.

عن حياته..

منصور الأبن الأصغر لعائلته، ولد عام 1949، يقول شقيقه مصطفى: "عاش ونشأ وسط عائلتنا البسيطة المتواضعة، فوالدي كان كفيفاً، ورغم ظروف الحياة الصعبة والقاسية، حرص والدي دوماً على رعايتنا ومتابعتنا والاهتمام بنا وتربيتنا على الدين والأخلاق والمحبة والتعاون".

ويضيف: "تلقى منصور تعليمه الابتدائي في مدرسة القرية، وبسبب حبه للتعليم وطموحه الكبير في تحقيق مستقبل أفضل، تابع مشواره التعليمي في مدارس حجة ونابلس حتى أنهى الثانوية العامة بنجاح".

ويكمل مصطفى: "درس منصور تخصص مساعد صيدلي، وبعد تخرجه تلقى دورة في التمريض وحصل على شهادة التخرج، وحظي بوظيفة في عيادة الدكتور حاتم أبو غزالة التي عمل فيها حتى حلت النكسة".

حبه للأرض والوطن..

يروي مصطفى، أن منصور كان يعشق الأرض والعمل فيها بالتزامن مع دراسته، حيث اعتاد على مساعدة الفلاحين وتشجيعهم على الارتباط بالأرض وحمايتها، خاصة في ظل الحديث عن الحرب القادمة والخوف الذي ساد بين الناس من تكرار ما ارتكبته العصابات الإسرائيلية خلال نكبة عام 1948.

طريقه في النضال..

بفخرٍ واعتزاز يقول مصطفى: "عاش شقيقي حياته وفياً ومخلصاً لوطنه وأبناء شعبه، يكره الاحتلال والظلم، ويعتبر المقاومة حقا مشروعا ضد الاحتلال"، مضيفًا بأن منصور يعد من أوائل الشباب الذين تطوعوا للانخراط في العمل الفدائي، فتدرب وتعلم في معسكرات الثورة حتى أصبح مقاتلاً، وصفه كل من عرفه بالفدائي الشجاع الجسور.

في عام 1969، يقول مصطفى: "وصلتنا أخبارا متضاربة حول شقيقي، البعض قال انه أصيب وآخرون أبلغونا باستشهاده". ويتابع: "كان منصور ضابط الاتصال للمجموعة التي رصدت دورية إسرائيلية واشتبكت معها في معركة استمرت 9 ساعات حتى استشهد أفرادها، ووصلتنا أخبارا عن قيام الاحتلال بدفنهم في أرض المعركة".

صورٌ لا ينساها مصطفى تلك التي نشرتها وسائل الإعلام في تلك الفترة، عن قيام جنود الاحتلال بعد إنتهاء المعركة، بتأدية التحية العسكرية للمقاتلين اعترافاً بشجاعتهم في الصمود والتصدي رغم قلة العتاد وكثرة جنود الاحتلال، الذين حاصروهم لكنهم رفضوا تسليم أنفسهم.

صورة أخرى تلازم ذاكرته تحكي موقف والده عندما علم أن منصور التحق بالعمل الفدائي، فيقول: "شعر والدي بفرحة كبيرة، ولازمته مشاعر الفخر والاعتزاز في كل مجلس، فكان يردد دوماً " كلنا فداءٌ للوطن"".

المصير المجهول..

في ظل تضارب الأنباء وسياسات الاحتلال في التعتيم على التفاصيل الحقيقية لنتائج العمليات الفدائية، وذلك بعد مرور أربعة شهور على حدوث المعركة، وعلى الرغم من فتح بيوت عزاء لمنصور ورفاقه في الكثير من القرى المحيطة بقريته، سيطر الشك على مشاعر عائلة منصور في ظل تكتم الاحتلال واتباع سياسة احتجاز الجثامين في مقابر الأرقام السرية.

اختاره الوطن..

آخر حديث يتذكره مصطفى مع شقيقه منصور قبل وصول خبر استشهاده، أنه طلب الارتباط بشابة من بلدته، فيقول: "رغم غربته والتزامه بالثورة، فكر بالخطوبة من بنات وطنه"، فتم الاتفاق على موعد بعد موسم الزيتون، لكنه استشهد ولم يتحقق حلمه بالخطوبة، "فقد اختاره الوطن عريساً لفلسطين".

يختم مصطفى بقوله: "بعد كل هذه السنوات، نتمنى أن نعرف مصير جثته لتطمئن قلوبنا، ففي كل لحظة نسأل هل دفن مع من قاتل في عين البيضاء أم ما زال محتجزاً لدى الاحتلال؟".