"في سجن الخليل زرعنا الجوري"

بقلم: حمدي فراج

علّم القائد الشهيد أنطون سعادة ان الحياة بطولها وعرضها، حلوها ومرها، عبارة عن وقفة عز، يستطيع ان يقفها كل انسان بغض النظر عن لونه ودينه وعرقه وجنسه وجنسيته، ما علّمه ايضا القائد الشهيد غسان كنفاني عندما قال ان الانسان قضية ، وعند مذبح ما قالاه، سعادة وكنفاني، دفعا حياتهما ثمنا لذلك، الاول عن 45 سنة عام 1949 والثاني عن 36 سنة عام 1972 .

منذ تلك السنين الطويلة، لطالما وقف المئات والالاف من ابناء هذه الامة، وقفاتالعز ، آخرهم الاسير ماهر الأخرس الذي يقارب في امتناعه عن الطعام والشراب مئة يوم ، دون ان يرف لدولة الاحتلال جفن في الخطورة التي تتهدد حياته، وتقصيه عن عائلته واحبته اقصاء ابديا .

وقفة العز وقفها الاسير السابق من نابلس نادر العفوري ليلة امس، هذا الأسير المحرر الذي تعرض في سبعينيات القرن الماضي الى تعذيب جسدي لا يحتمله انسان، وامضى نحو خمس سنوات في الاعتقال الاداري الذي لم "تفطن" القيادة عند توقيع اتفاقية اوسلو ان تشترط إلغاءه او وقفه، لان المتفاوضين الذين استبدلوا بالخارج بدلا من الداخل لم يجربوه .

إن وقفة العز التي تجسدها ايها الماهر ، تضاهي في بلاغتها الاساطير والشهداء والقديسين والشيوخ والقساوسة الذين حين يصومون عن الطعام يصومون اربعين يوما عن المواد اللحومية ، او ثلاثين يوما في النهار ويأكلون طوال الليل ، لكنك تصوم مئة نهار ومئة ليلة عن الطعام والشراب، لكي تطرد عنا ما لحق بنا من ضعف وهوان ، لكي تنفث فينا بعضا مما اهدرناه من كرامتنا وعزتنا، لكي تشطب من قاموسنا الجديد مفردات السلام الكاذب والعدو الصديق وموقف اللا موقف وسياسة اللعم ، والتنسيق المقدس وبيانات الشجب الرعناء والتهديدات الفارغة واخوة النظام العربي وأمة الاسلام .

لقد وصلت وقفة عزك، بل هي وقفات عديدة في وقفة واحدة، فنرجوك الا تمت، نرجوك الا تذهب، نرجوك الا تغادر ، فها أنت ترى اوغاد المرحلة لا يبرحوننا الا بعد ان يأخذ منهم الزمن كل مأخذ، حتى باتت الكورونا تتدخل .

نادر العفوري ، أصر ليلة أمس ان يعود بعد اكثر من اربعين سنة وان يقف "وقفة العز" مرة أخرى ، عندما زار مع نفر من صحبه واهله ، خيمة التضامن معك ، الخيمة المقامة في مخيم الدهيشة، رغم انه تجاوز السبعين من عمره، ورغم انه لا يستطيع السير بدون الجهاز المساعد "الووكر" ، وغنينا له الاغنية القديمة "في سجن الخليل زرعنا الجوري / وردتنا الحمرا نادر عفوري / مهما الصهاينة شلوا حركاته / نادر عفوري فجر بركانا .