مخاوف اليوم التالي للانتخابات الأمريكية

بقلم: الدكتور محمد السعيد إدريس

يوماً بعد يوم تتفاقم المخاوف من التداعيات الخطيرة المحتملة لمرحلة ما بعد إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية التى ستجرى يوم الثلاثاء المقبل. ولم تعد القضية المثيرة للاهتمام الآن عند كثير من المراقبين، سواء داخل الولايات المتحدة، أو خارجها، من سيفوز في هذه الانتخابات، الرئيس الحالي دونالد ترامب مرشح الحزب الجمهوري، أم منافسه جو بايدن مرشح الحزب الديمقراطي، ولكن ماذا سيحدث من تطورات؛ يرجح الكثيرون أن تكون مخيفة، عقب إعلان النتائج، إذ سيكون من الصعب بسببها أن يحدث انتقال سلمي للسلطة في حال فوز بايدن، أو أن يحدث قبول للنتيجة في حال فوز ترامب، بعد أن تجاوزت حالة الاحتقان والاستقطاب كل الحدود، لدرجة أن الحديث الخافت الذي كان يتردد سراً بين المراقبين والمهتمين حول احتمال أن تشهد الولايات المتحدة «حرباً أهلية ثانية» لا تقل خطورة عن الحرب الأهلية الأولى (1861 – 1865)، خصوصاً إذا ما خسر ترامب، وهو الاحتمال الأرجح، وفقاً لنتائج استطلاعات الرأي، وباعتراف قادة مميزين في الحزب الجمهوري الذين باتوا متخوفين من الفشل الذي يلاحق حملة ترامب الانتخابية، وانعكاساتها السلبية على المرشحين الجمهوريين في انتخابات التجديد لمجلسي الكونجرس (الشيوخ والنواب)، وانتخابات حكام الولايات التي ستجرى جنباً إلى جنب مع الانتخابات الرئاسية، على نحو ما كتب ريتشارد لاسكومب في «الجارديان» البريطانية تحت عنوان «الجمهوريون يعبّرون عن مخاوفهم من خسارة ترامب للانتخابات الرئاسية».

ومن أخطر ما كتبه لاسكومب قوله إن السيناتور الجمهوري «تيد كروز» بات يخشى من «حمام دم» يحدث في الانتخابات، وعلى نحو ما عكست تصريحات عدد من القادة البارزين في الحزب الجمهوري أمثال السيناتور «بن ساس» من ولاية نيبراسكا، الذي حذر مواطني ولايته من أن الجمهوريين قد يواجهون «مذبحة في مجلس الشيوخ بسبب إخفاقات الرئيس ترامب».

وبدأت المخاوف مبكرة من احتمال عدم حدوث انتقال سلمي للسلطة، أو رفض لنتائج الانتخابات، وكان الرئيس ترامب هو السباق في تكريس هذه المخاوف عندما حذّر من أن «التصويت عبر البريد الإلكتروني سيؤدي إلى انتخابات مزورة»، وقوله في مقابلة مع شين هانتي، على قناة فوكس نيوز «إنها انتخابات مزورة، الجميع يعرفها، ليس عليك حتى معرفة السياسة لتعرفها.. إنهم (الديمقراطيون) يحاولون سرقة الانتخابات». وتطورت الأمور عقب رفض ترامب أن يتعهد، في مؤتمر صحفي، بأن ينقل السلطة بشكل سلمى، في حال خسارته الانتخابات، ثم تحذيره، بل وترويعه للناخبين بأنه «إذا فاز معارضونا، لن يبقى أحد بأمان في بلدنا».

المخاوف من احتمالات اليوم التالي للانتخابات تتطور في اتجاهين؛ الأول الاحتكام إلى السلاح في ظل تفاقم أعداد الميليشيات المسلحة اليمينية، واليسارية، وتضخم الترسانة التسليحية لتلك الميليشيات، حيث تشير البيانات الرسمية العالمية إلى كثافة مرعبة لحيازة الأمريكيين أسلحة فردية بمعدل 120 قطعة سلاح لكل 100 فرد، ما يترجم إلى استحواذ الأمريكيين على 47% من مجموع الأسلحة الفردية في العالم كله. وأسوأ مظاهر التعبير عن هذا التوجه قيام عناصر من جماعة «حراس الذئب» اليمينية، بمحاولة اختطاف حاكمة ولاية ميتشجين، جريتشين ويتمر، التي تنتمى إلى الحزب الديمقراطي.

أما الاتجاه الثاني للتطورات المحتملة في اليوم التالي للانتخابات، وبالتحديد عقب إعلان النتائج، هو اللجوء إلى القضاء، وبالتحديد إلى المحكمة الاتحادية العليا للحسم في الطعن الذي سيحدث ضد تلك النتائج من جانب ترامب، أو جو بايدن. وهنا بالتحديد تتفاقم المخاطر في ضوء ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية، وكانت ذروتها يوم الاثنين الفائت، (26/10/2020)، ففي هذا اليوم أصرت الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ على فرض خيار التصويت على قرار الرئيس دونالد ترامب ترشيح القاضية المحافظة «إيمي كونى باريت» عضواً في المحكمة العليا الاتحادية محل القاضية الليبرالية الراحلة «روث بادر جينسبرج»، بأكثرية 52 صوتاً مقابل 48 صوتاً، وانشقاق عضو جمهوري واحد، وانضمامه إلى المعارضة الديمقراطية في التصويت.

وترجع خطورة هذه الخطوة إلى أنها تعطي للجمهوريين أغلبية ستة قضاة محافظين، مقابل ثلاثة قضاة ليبراليين فقط، وهذا معناه أن أي توجه للمحكمة الاتحادية العليا للبت في أي طعن بنتائج الانتخابات سيكون محسوماً مقدماً لمصلحة ترامب.

إنه تطور يفاقم المخاطر من الاحتمالات السلبية لليوم التالي لإعلان نتائج الانتخابات الرئاسية لدرجة باتت تحظى بالأولوية على أخبار الانتخابات ذاتها.

بالاتفاق مع "الخليج"