هل نقول وداعا للقومية العربية؟!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

بعد عقود زمنية طويلة سادت فيها فكرة القومية العربية على امتداد الوطن العربي من المغرب غربا، إلى الخليج شرقا، بدأت موجة الخروج منها إلى فضاء التعامل مع الد أعدائها. فعقدت تباعا دولا عربية منها دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان اتفاقات سلام مزعومة مع المعتدي الإسرائيلي لتطبيع العلاقات معه، والحبل على الجرار. مع وجود دولتين ترتبطان باتفاقيات سلام مع إسرائيل هما مصر والأردن.

الأنكى والأمر أن دول العالم العربي الأخرى إما أيدت موقف هذه الدول الإنهزامي، أو أن هذه الدول صمتت صمت القبور حفاظا على مصلحة موهومة خوفا من التصريح بموقف مناهض. أو أنها تتمنى القيام بمثل ما قامت به هذه الدول لكها تفتقد للشجاعة الأدبية أو تنتظر الفرصة السانحة للقيام بمثل هذا الأمر. أما الدول المعارضة فتركت لتكون في نطاق الأقلية تلعق جراحها المحلية والاقتصادية في وقت حرج دقيق.

هذا الخروج المخزي من الحظيرة العربية ومن لاءات الخرطوم يطرح تساؤلا حادا وجذريا، حول مستقبل القومية العربية في الأرض العربية. وهل غدا العالم العربي دولا متنافرة لا يجمعها سوى الجغرافيا والتاريخ القديم والحدود المشتركة. وبالتالي انهارت القومية العربية والوحدة السياسية العربية المنتظرة، والشعر العربي، والمسرح العربي، والرواية العربية، وكل مفردات اللغة العربية.

دول العالم العربي قديمها وجديدها، أصيلها وصنيعها، قبيلتها وعشيرتها ومدينتها، صحراؤها وريفها، بحرها وساحلها، جبالها وسهولها، لم تستطع أن تشكل شرنقة دولة عربية واحدة. لم تستطع التنازل عن كبريائها المزعوم المداس الملطخ بكل العار، وتتحد في اتحاد في اتحاد فدرالي يصونه دستور سامٍ يحافظ على بؤرة الدولة ويحلق بها فوق السحاب في آن واحد، مثل الإتحاد الألماني والأمريكي والبرازيلي والهندي. بل لم يستطع العالم العربي أن يستوعب دروس التاريخ من غاريبالدي وبسمارك ولينكولن ويقيم اتحادا كونفدراليا هشا غير الجامعة العربية.

لكن العالم العربي من خلال دوله المصطنعة اشتغلت على هدم بعضها البعض، فلم تترك فرضة إلا وتآمرت على الدولة الأخرى، أو أغلقت حدودها معها، أو قطعت العلاققات الدبلوماسية معها، أو حاربتها اقتصاديا، أو استضافت اعداءها فوق أرضها، أو صدرت فكرها السياسي إلى أراضيها. ووصل الأمر أحيانا إلى غزوها أو عمل انقلاب عسكري عليها، أو وضرب قواتها المسلحة، أو منعها من التزود بالسلاح.

قبل سايكس بيكو مثلا وهذا ما جرى في الجزيرة العربية وفي شمال أفريقيا وفي وادي النيل، لم يكن هناك حدود في بلاد الشام والعراق واليوم لا يوجد دولة عربية لا خلاف حدودية مع جارتها حيث انقلبت الأمور من لا حدود إلى تقديس للحدود. فقام المستعمر برسم خطوط مصطنعة على الخرائط، وأقام دولا مصطنعة ذات حدود، وأماني مصطنعة شتت الشعوب ومزقتها، وكان ذلك أمرا مستساغا بل مطلوبا ومذاقه عسلا. المشكلة أن هذه الدول المصطنعة المزيفة غدت متقاتلة متخاصمة تحمي هذه الحدود المصطنعة بمهجها، وغدت هذه الحدود مقدسة لا تقبل التنازل بينما كانت غير موجودة منذ قرن من الزمان. وغدا الهوس الإقليمي وكل برقعته الجغرافية هاجسا وطنيا مزعوما يدفع من أجله الغالي والنفيس.

لم يستطع العالم العربي أن يتابع موضوع القومية العربية في مظهرها الإقتصادي كحد أدنى مثل الإتحادات الإقتصادية ألأخرى في القارات المختلفة، وكان من أبرزها اتفاقية الحديد والصلب في الخمسينيات ثم تحولها للسوق الأوروبية المشتركة التي تحورت أخيرا إلى الإتحاد الأوروبي. حتى أنهم لم يقلدوا سيدتهم وسندهم الولايات المتحدة الأمريكية في حربها الأهلية الإقتصادية بين الشمال الصناعي الغني والجنوب الزراعي المتخلف. صحيح أننا خلقنا السوق العربية المشتركة في ستينيات القرن الفائت، لكنه كان مولودا ميتا.

الا نتعظ من تاريخ الشعوب ومن تجاربها؟ ألا نقرأ التاريخ ونستوعب درسها؟ ألا نفهم في الجغرافيا والعلاقات الدولية والإقتصاد والحكم والحريات والحقوق العامة؟ إلى متى سنستمر في محاربة حاكم صالح يوحد هذه الأمة على قلب رجل واحد. ألم يحارب جمال عبد الناصربشراسة من كثير من القيادات العربية آنذاك ودسوا له الدسائس، وحاكوا له المؤامرات لأنه نبس بمفردات القومية العربية؟!

حينما سلبت فلسطين واغتصبت، كان عدد الدول العربية سبعة دول هي السعودية والأردن ومصر وسوريا ولبنان والعراق واليمن أما اليوم فهي اثنتان وعشرون دولة. وكل دولة تقاتل الأخرى لسبب أو بدون سبب. أما الوزن السياسي فهي بدون جاذبية أرضية.

العالم العربي يعيش في القرون الوسطى الإقطاعي بينما هو في القرن الحادي والعشرين، فكل في إقطاعيته يذود عنها، ويحكم بقسوة فيها، ويتصرف بمواردها، ويقيم السيد الإقطاعي عدالتها. أفكار وثقافة العالم العربي هي ضمن القرون الوسطى، لكن أفراده يستعملون مواد الحداثة ولا يعرفون للمدنية والحضارة طريقا. فهم يستعملون سيارات وهواتف ومواد التجميل وطعام الهامبورغر، ولكنهم لا يقدمون للحضارة اية مساهمة كأجدادهم، بل يكتفون باجترار تاريخهم التليد والتغني به.

حينما تهزل الأمة وتضعف، يظهر على السطح شوائبها ويطفو خفيفها ويختنق عظيمها ويضيق صدر سيدها. هذا أمر عارض في الأمة العربية الأصيلة وسرعان ما يزول فكل أمر غير أصيل مصيره الموت السريع. وستبقى القومية العربية موحدة للشعوب العربية بغض النظر عن منابتهم وانتماءاتهم وعرقهم ولونهم ودينهم وحدودهم، فلا بديل عن ذلك الموحد وبدونها لا ضرورة لوصف العربي ولن يعود له وجود، فلكل سحابة بطانة من فضة ولكل كلب يومه!