في عصر التكنولوجيا.. التعليم الإلكتروني معضلة أمام مدارس القدس والآلاف من طلبتها

القدس- "القدس" دوت كوم- لم تعد غرف الدردشة، التي استحدثتها مدارس القدس على منصة التواصل الاجتماعي (واتس أب) من أجل متابعة التعليم عن بُعد، تقتصر على استقبال استفسارات آلاف الطلبة حول بعض الدروس، وإنما أضحت منصة تعجّ بمئات الشكاوى اليومية الموجهة من الطلبة وذويهم حول المشاكل التي برزت مع اللجوء إلى التعليم الإلكتروني بعد فرض الإغلاق على القدس لمواجهة وباء فيروس كورونا، الأمر الذي ضاعف من التحديات أمام استمرار التعليم في مدارس القدس.

وحول التحديات التي واجهت الطلبة خلال مرحلة التعليم الإلكتروني، تقول الطالبة "س. م" من إحدى مدارس القدس "يوم الأحد هو اليوم المخصّص لي حسب الاتفاق مع العائلة لأتمكن من متابعة دروسي عبر جلسات التعليم الإلكتروني، وحتى يتمكن إخوتي وأخواتي السبعة، من التعلم ومتابعة شرح الدروس من قبل المعلمات والمعلمين والتي يتم بثها مباشرة عبر منصات التعليم الإلكتروني، ولتتمكن أختي الكبرى وهي طالبة جامعية من متابعة محاضراتها إلكترونياً، حيث لا يتوفر لدينا سوى جهاز حاسوب واحد في المنزل".

تضاعف الأزمة مع طلبة الثانوية العامة

وتتضاعف الأزمة مع طلبة مرحلة الثانوية العامة الذين لا يمتلكون أجهزة حاسوب أو يمتلكون جهازاً واحداً في المنزل يخدم جميع الأخوة الطلبة وباقي أفراد المنزل. وحسب دراسات أجرتها مؤسسة فيصل الحسيني، فإن أكثر من 750 طالباً وطالبة في مرحلة الثانوية العامة قد لا يتمكنون من متابعة التعليم الإلكتروني بسبب عدم توفر أجهزة الحاسوب.

ويؤكد "م. ك" الطالب في الثانوية العامة (التوجيهي) من مدرسة رياض الأقصى الحرم الشريف "أ"، أنه واجه العديد من المشاكل خلال متابعته لجلسات التعليم الإلكتروني عبر جهاز الخلوي بسبب عدم توفر جهاز حاسوب في المنزل، حيث لم يتمكن من مشاهدة التجارب العلمية المتوفرة على الإنترنت بوضوح بسبب حجم الشاشة الصغير، إضافة إلى أن الجهاز الخلوي لا يتحمل العمل بكفاءة لساعات طويلة، فيما أصبح الحال أفضل بعد استلامه جهاز حاسوب محمول عبر مشروع اشتر/ي زمناً لمدارس القدس.

بدوره، أكد حمزة طوطح، مدير مدرسة رياض الأقصى الإسلامية- الحرم الشريف "أ"، أن بعض الطلبة ومنهم طلبة الثانوية العامة يتشاركون في جهاز خلوي واحد مع باقي الإخوة من أجل متابعة التعليم الإلكتروني، ما يعني أن العديد من طلبة التوجيهي غير قادرين على متابعة كافة الجلسات التعليمية، ناهيك عن صعوبة تشغيل برامج معينة بسبب ضعف جودة الجهاز الخلوي أو ضعف خدمة الإنترنت.

عدم توفر كافة الكتب المقرّرة

وتتفاقم المشكلة بسبب عدم توفر كافة الكتب المقرّرة لجميع الطلبة في القدس، كما توضح الطالبة "ع. ن" من مدرسة بنات الروضة الحديثة الثانوية، فهي تضطر إلى الحصول على المنهاج المقرّر عبر الإنترنت، ما يسبب ضغطاً أكبر على شبكة الإنترنت ويؤدي إلى حدوث انقطاعات متكررة على الشبكة. مضيفة أنها تواجه صعوبة في قراءة مادة الكتاب إلكترونياً ومتابعة شرح المعلمة عبر المنصة الإلكترونية في ذات التوقيت، ومع حاجة أخوتها الثلاثة لجهاز الحاسوب الوحيد في المنزل، فإنها تستخدم جهاز الخلوي لمتابعة جلسات التعليم إلا أن حجم الشاشة الصغير يعيق قراءة مادة الكتاب بوضوح.

وكشفت هذه الأزمة عن تحديات استخدام الأجهزة الخلوية في حال وجود طلبة يعانون من مشاكل في النظر، حيث توضح السيدة "ر. ح"، وهي أم لأربعة طلبة، أن اثنين من أبنائها يعانيان من مشاكل ضعف النظر، ما يجعل من الصعب عليهما متابعة الدراسة الإلكترونية عبر شاشة الجهاز الخلوي الصغيرة.

ووفق دراسات المؤسسة، فإن أكثر من 5700 طالب وطالبة في مدارس القدس وأكثر من 1000 معلم ومعلمة يواجهون مشكلة عدم توفر أجهزة حاسوب خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المقدسيون خاصة مع تراجع الأعمال وفرص العمل بسبب الجائحة.

وعن تجربة مدارس القدس للتعامل مع التعليم الإلكتروني ونقص أجهزة الحاسوب، توضح فاطمة الرفاعي مديرة مدرسة بنات الروضة الحديثة أن المدرسة اعتمدت على مجموعات (واتس اب) حتى لا تنقطع الطالبات عن التعلم والتواصل مع معلماتهن، مضيفةً أن الطلبة في المرحلة الأساسية الدنيا هم الأكثر تضرراً لأن تعليمهم يعتمد على تفرغ الأم التي قد تكون ملزمة على متابعة دراسة جميع أطفالها.

من جهتها، أوضحت رندة سنقرط، مديرة مدرسة الشابات الثانوية الشاملة، أن 20 طالبة من طالبات المدرسة في مرحلة الثانوية العامة غير قادرات على متابعة التعليم الإلكتروني بسبب عدم توفر أجهزة الحاسوب، بالإضافة إلى 39 طالبة في مراحل دراسية مختلفة. مضيفةً أن المدرسة قامت بتسليم قائمة بأسماء الطالبات لمؤسسة فيصل الحسيني على أمل إيجاد متبرعين لشراء أجهزة حاسوب لتمكينهن من التعلّم.

توفير أجهزة حاسوب للطلبة والمعلمين

أما المرشدة التربوية في مدرسة الشابات الثانوية الشاملة وفاء العباسي، فتؤكد أن التحديات لا تقتصر على عدم توفر أجهزة الحاسوب، فقد زادت حالات القلق والتوتر النفسي لدى الطالبات، إضافة إلى زيادة مشاكل آلام الرقبة وإرهاق العينين بسبب النظر لفترة طويلة إلى شاشة الحاسوب أو شاشة الجهاز الخلوي والذي يرهق العينين بشكل أكبر.

من جانبها، أوضحت فدوى الحسيني، المديرة التنفيذية للمؤسسة، أن مشروع اشتر/ي زمناً لمدارس القدس يهدف إلى توفير أجهزة حاسوب للطلبة والمعلمات والمعلمين بمواصفات عالية، وذلك لضمان أن لا تقل مدة خدمة هذه الأجهزة عن أربع سنوات وبالتالي إمكانية تدويرها من عام إلى آخر للطلبة وفق الحاجة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية وهي الأهم؛ كي يتمكن الطلبة من استخدام الأجهزة في تعليم قائم على المحاكاة، خاصة فيما يتعلق بالبحث العلمي، ففي الوقت الذي لا يتمكن فيه الطلبة من تنفيذ أبحاث أو تجارب علمية عملية داخل مختبرات المدارس، فإن بإمكانهم الاستفادة من البرامج التقنية التي تسهم في تنفيذ تطبيقات عملية بشكل افتراضي وتعطي نتائج حقيقية، والتي يمكن الاعتماد عليها في التحليل وفهم الظواهر العلمية.

كما أكدت أنه "ومع توفير أجهزة حاسوب وخدمات الإنترنت فإننا نضع بين أيدي الطلبة بديلاً عن المكتبات المدرسية في ظل الإغلاق، وبالتالي تمكين الطلبة من التعلم عبر البحث العلمي وتوفير أداة تمكنهم من الوصول إلى المعرفة العلمية عبر البحث الذاتي".

ودعت الحسيني المؤسسات والشركات والأفراد إلى تقديم الدعم الهادف إلى توفير أجهزة الحاسوب لطلبة القدس الأكثر حاجة في ظل عدم تمكنهم من التعلم الوجاهي كباقي زملائهم في باقي المحافظات، وما يعانونه من تضييقات مستمرة بسبب إجراءات الاحتلال الهادفة إلى تجهيلهم وتفريغ المدينة من أهلها.

ومنذ انطلاق مشروع اشتر/ي زمناً لمدارس القدس في آب الماضي، تمكنت مؤسسة فيصل الحسيني من توفير 101 جهاز حاسوب محمول بمواصفات تقنية عالية ستعود ملكيتها إلى مدارس القدس بهدف تمكينها من الاستفادة من الأجهزة على مدى أربع سنوات، وبحيث يتم تدويرها بين الطلبة في الأعوام القادمة بعد انتهاء مدة الاستفادة منها من قبل الطلبة المستفيدين مع انتهاء العام الدراسي.