إسراء أبو داوود.. مقدمة برامج قهرت ظلام عينيها بنور بصيرتها

الخليل - "القدس" دوت كوم - روان الأسعد - يقول طه حسين، عميد الأدب العربي وقاهر الظلام "شر العمى.. عمى القلوب"، وهذا ما ينطبق على بعض الاتجاهات المجتمعية السلبية نحو ذوي الإعاقة والنظرة إليه سلباً، بعدم تقبله وتهميشه، أو النظرة إليه المقرونة بالشفقة والعطف التي تجرح مشاعره، وتنعكس سلبًا على تكيُّفه مع ذاته ومع المجتمع المحيط به، فالمشكلة لا تكمن في ذوي الإعاقة، بل في الموروث أو المكتسب في عقلية المجتمع وفكره، متناسين أنّ كل شخصٍ معرض للإعاقة في أي زمانٍ ومكان، ومع ذلك سطر كثيرون من أهل الهمم نجاحات لم يحققها غيرهم، والأمثلة في الواقع كثيرة.

"القدس" أجرت حوارًا مع إسراء أبو داوود التي كسرت حاجز الإعاقة والعجز لتكون منارةً تضيء الطريق لكل ذوي الإعاقة لينطلقوا ويسعوا في الحياة، محققين أحلامهم وطموحاتهم وممارسة حقوقهم وواجباتهم مثل غيرهم من الأشخاص العاديين.

تعزيز الثقة بالنفس

عن قصتها، تقول إسراء أبو داوود لـ"القدس": على الرغم من إصابتي بالإعاقة البصرية الكلية، فإنني لم أسمح لها بأن تقف في طريق طموحي ورغبتي في تحقيق النجاح الباهر في هذهِ الحياة، بالرغم من أن المجتمع يفتقر إلى فهم من هم من محدودي القدرات، إلا أن والديّ حرصا منذ الصغر على تعزيز ثقتي بنفسي وضحد هذه الفكرة من أساسها، واستطاعا رفع رايتي عالياً، فعلى الرغم من أنني وُلدت أُعاني من الإعاقة البصرية بشكلٍ كليّ لأُخلق كفيفة، كان أبي وأُمي بمثابة النافذة التي أطلَّت منها روحي على العالم، فوالدتي هي عيني اليمنى ووالدي اليسرى، لما منحاه لي من قوة وحب لتجاوز الحواجز الاجتماعية والطبيعية والنفسية.

وتضيف: وعلى الرغم من كم الإحباط الذي واجهته في حياتي، فإنني تمكنتُ من التغلب على كل هذا، بفضلهما أولاً، ثم بفضل قدراتي وثقافتي الواسعة، لتكون إعاقتي مع إرادتي الصلبة دافعاً وركيزة أساسية لتحقيق المعجزات والانتصار لنفسي، وإخراج الإبداع الكامن داخلي، وتحويله إلى طاقةٍ حلقتُ بها خارج إطار المألوف.

الدراسة والتكيف مع الحالة

تسترسل إسراء في حديثها متابعةً قصتها: أُسرتي كانت واعية ومتفهمة لحالتي، وأمّنت لي الرعاية والعناية، وعلمتني تقبُّل الواقع والتكيف مع حالتي، فلم أشعر يوماً أن هناك تمييزاً بيني وبين إخوتي، وكنتُ أُعامَل مثلهم تماماً، وهذا ما كان له أثر كبير في تكوين شخصيتي، ولعب دوراً أساسياً ساعدني على مواصلة حياتي بشكل سليم، فمن خلال تقبُّلي كإنسانٍ عاديٍّ داخل الأُسرة استنبطت قبولي داخل المجتمع، لأكون عنصراً قادراً على العطاء وعلى التفاعل والإبداع، وكان لعائلتي الفضل في كل ما وصلت إليه اليوم، بدايةً من الوعي، ثمّ إلحاقي بمدرسة القبس للإعاقة البصرية في مدينة رام الله لمدة عشرة أعوام، وتبعها التحاقي بمدرسة حكومية في الخليل ومساعدتي على الاندماج مع الطالبات ومواجهة كل التحديات.

وتتابع: "بالرغم من المعيقات ذاكرتُ واجتهدتُ حتى حصلتُ على شهادة الثانوية العامة، ووصلتُ إلى جامعة الخليل التي درستُ فيها أساليب تدريس اللغة العربية، لأنني لم أتمكّن من دراسة الإعلام بسبب إعاقتي، وبقيتُ فيها إلى أن حصلت على شهادة البكالوريس، وهنا أذكر يوم تسلمي شهاداتي من الجامعة أنّي صرختُ في الشارع لأقول لوالدي تخرجت ورفعت رأسكم".

الحياة العملية وقصة نجاحها المهني

تقول إسراء: الإعاقة لم تُعق أبداً حياتي، فأنا من البداية لم أستسلم، وكنتُ أرى النجاح في ظل تلك الإعاقة ضرباً من الانتصار لا المستحيل، وازددتُ إصراراً على السير والانتصار على إعاقتي من خلال الإبداع والعمل، وكوني أتمتع بموهبةٍ في كتابة الخواطر والإلقاء قررتُ أن أُطور نفسي، فالتحقتُ في دورة إلقاء وتقديم إذاعيين، وأثبتُّ نفسي فيها لألتحق بعدها بالعمل في إذاعة عروبة وأُقدم برنامج "فسحة أمل" لمدة سنة ونصف السنة، طرحت فيه مشاكل ذوي الإعاقة.

وتضيف: على الرغم من عدم تقبُّل الجميع لي في بداية مشواري المهني، فإنني استطعتُ أن أكسر كل الحواجز بيني وبين أُسرة العمل وأُكوّن صداقات مع الجميع، قدمتُ أيضاً برنامج مسابقات وآخر عن المشاكل الاجتماعية والنفسية، ثم انتقلتُ إلى العمل بإذاعة اليمامة من سنةٍ تقريباً لأُقدم برنامجاً يتحدث أيضاً عن قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة.

وتتابع: أربع سنوات من العمل في مجال الإعلام بحلوها ومرها، راكمتُ الكثير من الخبرات والتجارب والذكريات بحلوها ومرها، وهنا تنهدتُ تنهيدةً بها غصة واختناق، لتقول: لو أردتُ التحدث عن الصعوبات والمعيقات لاحتجتُ أياماً وأياماً، إلا أنّ الإرادة دائماً تهزم المستحيل.

عتب كبير ورسائل..

تقول إسراء بعتبٍ كبير: ما زلنا نعاني من عدم وجود بيئة مؤهلة وموائمة تسهل على ذوي الإعاقة حياتهم وتؤمن بقدراتهم، بالرغم من أن لديهم طاقة هائلة، وللأسف المعضلة الأكبر كانت عندما قررتُ بعد التخرُّج أن أبحث عن عمل بشهادتي وفي مجال تخصصي، وكان الجواب في المدارس الخاصة الرفض لأنني غير لائقة صحياً.

وتضيف: وكذلك الحال عندما قدمتُ لامتحان وزارة التربية، فقد كان الجواب أنني غير لائقة صحياً، وما أفظع وقع هذه العبارة حين تخترق السمع كأنها نار حارقة تلتهم بصيص الأمل في ثنايا الروح، ومع ذلك كان وجود أهلي إلى جانبي، الذين لا تستطيع العبارات وصفهم ولا شكرهم، المصباح السحري الذي يجعلني أتجاوز كل مطبات الحياة، فاحتضانهم إياي في كل يوم وأنا عائدة من العمل وابتسامتهم التي تغمرني تُنسيني كل ما مررتُ به من عراقيل.

وتوجه إسراء رسائل من خلال "القدس": بدايةً أُوجه رسالتي لأصحاب القرار، وأقول لهم: يكفي أن نسمع شعارات وفعاليات وقوانين غير مطبقة على أرض الواقع، من حقنا أن تشرعوا بالتطبيق الفعلي لهذه القوانين، من حقنا عليكم مساعدتنا في التغلب على الجوانب السلبية كافة، التي تواجهنا كسائر أفراد المجتمع، أما رسالتي للمجتمع، فهي أننا كلنا بشر وخُلقنا ناقصين، فالمال لله وحده، ونحن نكمل بعضنا بعضاً، كونوا أكثر وعياً بوجود الأشخاص ذوي الإعاقة وحقوقهم وحاجاتهم، وكذلك بقدراتهم ومساهماتهم، وبضرورة احترامهم بشكلٍ كاملٍ ومن دون تمييز.

إسراء التي فقدت نور البصر منذ الولادة لم تفقد نور الأمل، ليكون جناحيها اللذين تُحلّق بهما عالياً وتقود السرب، وتقول للأشخاص ذوي الإعاقة، وهي واحدةٌ منهم: لا بد أن تُواجهوا المجتمع بجرأة لأنكم لا تختلفون عن غيركم، تحدوا وواجهوا الكل بقدراتكم، واهدموا الحواجز بإرادتكم الصلبة، لا تخجلوا من إعاقتكم مهما كانت صعبة، اقرعوا الأبواب مرةً وعشر مرات، لا تيأسوا واصنعوا من كلمات الإحباط واليأس درعاً وسُلّماً تصعدون به إلى الأعلى، هذه حياتكم، انتزعوا فرصتكم، واصنعوا النجاح، فأنتم لستم عاجزين ولا عالة على أحد، بل عنصر فعال قادر على العطاء والإبداع.

قصة إسراء تجعلنا نعي تماماً وندرك أنّ سلامة الفكر أولاً، لأن الإعاقة هي إعاقة الفكر لا الجسد، فإعاقة الجسد من الممكن التغلب عليها، كما فعلت إسراء وغيرها الكثيرون من العلماء والأُدباء والمفكرين، أما إعاقة الفكر فلا يمكن علاجها، وتبقى مرضاً مستعصياً يستشري في المجتمعات لينهش ثقافتها ويلغي تحضُّرها وتقدمها.