الولايات الإبراهيمية الصهيونية

بقلم:سيد علي

تصر إسرائيل على تسمية اتفاقها مع الإمارات باسم الاتفاق الإبراهيمي ، كما أطلقت على صندوق التنمية الصندوق الإبراهيمي ؛ وهي خطوة ضمن أكذوبة كبرى تبدأ بصياغة دين جديد يسمى بـ الدين الإبراهيمي لجمع الناس تحت راية لا يختلف عليها اثنان، من خلال جمع أهم التعاليم المشتركة بين الأديان السماوية الثلاثة ، ونبذ مواطن الاختلاف بينها، ووضعها في قالب جديد يسمى الدين الإبراهيمي لتجريد الديانات من خصوصياتها.

وهذا الدينُ الجديدُ يحملُ أهدافًا سياسية بحتة، إذ يسعى لـتمكين الولايات المتحدة وإسرائيل منْ بسطِ سيطرتِهما وتحقيقِ أطماعهما في الشرق الأوسط ، وبالطبع هناك ذكاء في صياغة الاسم والمحتوى؛ لأنه عندما يذكر اسم سيدنا إبراهيم "عليه السلام"، لا يختلف عليه اليهودي أو المسيحي أو المسلم؛ نظرًا لقيمته العظيمة في كل ديانة على حدة، وبالتالي مثل هذا الأمر يمكن أن يكون مقُنعًا لأي شخص، عندما يتم توجيه الخطاب إليه تحت هذا الفكر.

ففي اليهودية هو أصل الديانة وأبوإسحاق، كما أن إبراهيم هو الذي حصل - بمفهوم العهد القديم - على الوعد الإلهي بامتلاك الأرض من النهر إلى البحر، أما عند المسيحية فيمثل سيدنا إبراهيم الأصل العرقي لـبني إسرائيل الذين خرج من بينهم المسيح عيسى "عليه السلام"، من جهة أمه مريم.

كذلك بالنسبة للإسلام يمثل سيدنا إبراهيم قاعدة التوحيد و الديانة الحنيفية ، كما هو مذكور في قوله تعالى: «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»، وكذلك الإسلام يتبع الملة الحنيفية: «ملَّة أبيكم إبراهيم» وفكرة حل النزاع عبر المشترك الديني ونقله إلى الخريطة السياسية أمر خطير؛ خاصة في تزييف التاريخ وتغييره وربطه بتأويل للنص الديني، وفقًا لأصحاب الحق الأصلي في ظل براعة مفاوضين وإجادتهم لاستخدام تكتيكات يفتقدها البعض قد تهدد مستقبل المنطقة، وهم يركزون الحديث عن أن القواسم المشتركة بين الأديان هو ما سيمهد الطريق لقبول أفكار مشتركة في ظل القيم السماوية العليا التي يقبلها الجميع، التي لا تشكل مشكلة لدى أنصار وأتباع الديانات لتكون مدخلًا لحل الصراع العربي الإسرائيلي، وخطورة الحديث عن «إعطاء الحق للشعوب الأصلية»؛ لأنها تعني عمليًا استيلاء إسرائيل على القدس كاملة، خاصة أن المفاوض الإسرائيلى والغربي يروجان بوسائل مختلفة لحقوق اليهود التاريخية في القدس، بالحديث الزائف عن «مملكة داوود» ككيان سياسي وأن اليهود هم أهل كنعان، وأن اليهودية سبقت المسيحية والإسلام، وتمهد هذه المفاهيم التي يجري الترويج لها لتنفيذ ما يسمى بـ« الدولة الإبراهيمية » التي ترتكز على إعطاء الحق لأصحابه الأوائل، وهم اليهود، حسب زعمهم.

و صفقة القرن ليست إلا جزءًا مما يجري تنفيذه على الأرض يوميًا من مخطط التحول الثقافي العقائدي السياسي وصولا إلى كيان الولايات المتحدة الإبراهيمية التي تمتد من المحيط إلى الخليج، وما يجري يتعدى فلسطين التاريخية ويمتد إلى إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل؛ حيث المسار الإبراهيمي في التوراة، ويمر مشروع الولايات المتحدة الإبراهيمية بتصفية القضية الفلسطينية دون أي حلول عادلة لها، و صفقة القرن ستكون المرجعية النموذجية المعتمدة لأي حل مستقبلي.

وجوهر ما يحدث حسب الرواية التوراتية هو تهيئة الأرض لنزول الماشيا أو المسيح المخلص أو المهدى المنتظر ؛ لكن طبقا لمفاهيم العهد القديم ، ولكن بقيادة الحركة الصهيونية والإنجيليين، وإذا أردنا تتبع المسار العقائدي لمشروع الولايات المتحدة الإبراهيمية، فعلينا مراقبة ما يجري وسيجري مستقبلا في القدس وتحديدًا في الحرم القدسي؛ فما سيجري فيه سيكون نموذجًا لما سيكون عليه الحال في كل المعالم العقائدية في المنطقة.

ولقد نوه كوشنر صهر ترامب ومبعوثه للمنطقة إلى معالم المستقبل في المنطقة قبل عدة أسابيع؛ عندما قال في إحدى القنوات الأمريكية، إن الحدود السياسية لن يكون لها قيمة مستقبلا في المنطقة؛ وما قاله ليس نبوءة؛ بل رؤية لمشروع يتم تنفيذه بصمت وبخطى محسوبة.

وواقعيًا يكفي لنا أن نلقي نظرة على المنطقة من النيل إلى الفرات، لنرى معالم المشروع؛ وقد بدأت تتضح ثقافيًا وسياسيًا؛ كما أن الحدود فعليًا قد انتهت بين العديد من دول المنطقة بفعل انهيار العديد منها؛ كما حدث في العراق وسوريا واليمن وليبيا؛ وها هي لبنان على حافة الهاوية؛ ومثل هذه الدعوات وطرح كتاب ديني ليس بالجديد، فعندما يفشل أي نموذج يحاولون طرح نموذج آخر بعد تطويره.

فقد حاول الإنجليز نشر مذهب يدعى القاديانية في الهند، للتقريب بين الديانات الثلاثة، ثم ظهرت منذ عدة سنوات فرقة البهائية، وأصدروا كتابًا دينيًا خاصًا بهم، يتضمن مجموعة من التعاليم المشتركة بين الديانات السماوية الثلاث، وبرغم الدعم المقدم لهم من قبل إسرائيل وأمريكا، ووجود أهم محفلين للبهائيين بحيفا وأمريكا، فإن نسبة انتشارهم لا تذكر، فبرغم بقائهم فإن أتباعهم ما زالوا أقلية لا تأثير لهم.

عن "بوابة الاهرام"