والدة الأسير الأخرس تصر على رؤيته وابنته تقوى تصرخ في وجه السجان لتزوره

جنين– تقرير علي سمودي- بجرأةٍ وتحدٍّ وغضب، وقفت الطفلة الصغيرة تُقى في وجه السجانين وجنود الاحتلال الذين يحاصرون غرفة والدها الأسير ماهر الأخرس في مشفى "كابلان"، محاوِلةً شق الطريق والوصول إليه لرؤيته وعناقه بعدما مرور 90 يوماً على حرمانها منه، لكنّ السجانين اعترضوها، وحالوا بينها وبين والدها، بعد ساعاتٍ من الانتظار فقدت الطفلة التي لم تتجاوز الـ6 سنوات، السيطرة على نفسها، وصرخت وسط الدموع، قائلةً: "أريد رؤية أبي .. اتركونا خلينا نشوفه".

لم تُجد الدموع والصرخات أمام غطرسة الجنود الذين لم يراعوا حالة الألم ودموع الطفلة البرئية ، ولم يكتفوا بإغلاق بوابة الغرفة أمامها، بل انشغل أحدهم بتصويرها وأفراد عائلتها التي غادرت منزلها في بلدة سيلة الظهر جنوب جنين في ساعة مبكرة، وكلها أمل بالاطمئنان على أبنها المستمر بإضرابه المفتوح عن الطعام لليوم الـ90، خاصة بعدما تعرض له من اعتداء وممارسات تعسفية أمس الأول.

دموع الوالدة ..

رغم ظروفها الصحية الصعبة ، شدت الوالدة الثمانينية المريضة خيرية الأخرس "أم ماهر"، الرحال إلى مستشفى كابلان على كرسيها المتحرك ،"لا تريد من هذه الدنيا سوى رؤية حبيب قلبها وبكرها وضمه لصدرها"، ومنذ التاسعة من صبيحة أمس، ترابط مع كنتها وأحفادها، أمام الغرفة التي أعيد اليها ماهر بعد ساعات من التعب والإعياء إثر تعرضه للضرب والنقل للرملة.

وقالت وسط الدموع: "لا يوجد قانون وشريعة في العالم تجيز هذا الظلم الذي نتعرض له، الاحتلال لم يكتفِ بما يمارسه من قمع وعقاب بحق ابني ماهر، فما زال يرفض السماح لنا بزيارته، فأين الصليب الأحمر ومنظمات حقوق الانسان؟ لماذا لا يتحركون لحمايته من القتل؟".

وتضيف: "رغم السجانين، أسمع صوت أنينه ووجعه، أشعر بقهر وألم لعجزي وقلة حيلتي.. فما يفصلني عنه باب فقط، لكنهم يرفضون فتحه حتى لدقيقة لتتكحل عيني برؤيته والاطمئنان على أوضاعه".

وتتابع: "أي خطر تشكله زيارتي وأنا عجوز لا أقوى على مغادرة الكرسي على الأمن الاسرائيلي، هل أصبحنا كماهر نرهبهم ونثير مخاوفهم؟! مهما عملوا، فرب العالمين أقوى من غطرستهم، أوكلت ابني لله ليحميه ويرعاه، ومن كان رب العرش معه، لن ينال منه كل جبابرة الارض والطغاة".

اعتصام مفتوح..

أما كريمة الأسير الأخرس تذكير (16 عاماً)، فقالت: "مهما مارسوا من أساليب، فلن نغادر المشفى حتى نعانق والدي الذي لم نراه منذ اعتقاله قبل 3 أشهر، أصبحنا نعيش كوابيس رهيبة ولا نرى سوى الصور المؤلمة والصعبة التي لا يحتملها بشر".

وتضيف: "لحقدهم علينا، لا يغادرون بوابة الغرفة التي تحولت إلى سجن جديد لوالدي الذي لم نعد قادرين على فراقه أكثر، وحتى شقيقتي الطفلة تقى منعوها من الدخول، وعندما صرخت عليهم عرضوا عليها الحلوى وصورها، فأين المتباكين على حقوق الانسان مما نتعرض له ووالدنا؟".

جهود وتحرك ..

ولم يختلف حالة زوجة الأسير تغريد الأخرس "أم إسلام"، فمنذ ساعات الصباح، لم تتوقف محاولاتها عن فك الحصار عن غرفة زوجها والتواصل مع كافة المؤسسات الإنسانية والدولية، للتحرك والضغط على الاحتلال للسماح للعائلة بالزيارة.

وقالت: "أتمنى أن يمنحني رب العالمين القوة والقدرة لكسر هذا الباب وطرد السجانين واخراج زوجي وانقاذ حياته بعدما عجز الجميع ويقف العالم متفرجاً على جريمة الاحتلال التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً". وأضافت: "لن نغادر المستشفى وترك ماهر لإعدامه، سنبقى معتصمين ومضربين ومستعدين للموت ولن نتزحزح عن موقفنا حتى تحقيق طلب ووصية ماهر برؤية والدته وأبنائه الذين لا يعرفون طعم النوم والحياة لخوفهم على مصيره".

وصية ماهر..

وبعد زيارتها للأخرس أمس السبت، أفادت محاميته أحلام حداد أنه يشعر بضعف كبير وارتجاف ورعشه في جسمه، ضعف في التركيز وفي الكلام وفي الرؤية وضغط على القلب، كما سلمها رسالته ووصيته التي قال فيها: "أطلب أن تزورني أمي وزوجتي وأولادي.. لا أريد أن أموت في مستشفى كبلان ولا أريد مساعدتهم، إن إرادوا مساعدتي فلينقلوني إلى مستشفى في الضفة، أريد أن أموت بين أهلي وأولادي".

وأضاف: "لا أريد أن يضعوني في ثلاجة وألا يشرحوا جثتي بتاتاً لا هنا ولا في الضفة، أريد من الأسرى القدامى الذين خاضوا معركة الإضراب عن الطعام وأهالي الشهداء أن يحملوا نعشي .. وأوصي شعبي أن يحموا الوطن".

تفاصيل الاعتداء

وروى الأخرس تفاصيل ما تعرض له من اعتداء يوم الجمعة، موضحاً أنه وبحدود الساعة ١٢ ظهراً، دخلت قوة من السجانين ومخابرات وأمن مستشفى غرفته، وأخرجوا زوجته بالقوة وأبقوه وحيداً.

وأضاف: "ثلاثة من السجانين أنزلوني عن السرير -ولا أدري إن كان عن قصد أم لا- أفلتوني فوقعت على الأرض على وجهي، من ثمٌ حملوني ونقلوني على كرسي متحرك إلى غرفه ٣٠٣ في نفس القسم الباطني".

وأكمل: "عند الساعة الثانية ظهراً، ومن شدة الغضب لما حصل، شعرت بوجع رأس قوي وأن القلب مشدود وألم شديد في كل الجسم".

واستدرك: "أول مرة أشعر بهذه الأوجاع، الجسم كلٌه يرجٌ ولم أسمع شيئ ولم أرَ شيئاً، تجمع حولي الطاقم الطبي، حسب ما أذكر قلت لهم لا تلمسوني ولا أريد علاجكم وأن لا تقتربوا مني".

ويتابع: "لا أعرف بعدها ما حصل ، فقط صحوت والطبيب بجانبي يحاول ايقاظي وكان ذلك في الساعة الخامسة عصراً، مرت مدة ثلاث ساعات وأنا غائب عن الوعي".

من حياته..

في بلدة سيلة الظهر، ولد الأسير ماهر قبل 50 عاماً، ويعتبر الثالث في عائلته المكونة من 11 نفراً.

ويقول شقيقه عادل: "نشأ وعاش في بلدتنا، كان باراً بالوالدين وملتزماً وخلوقاً وعصامياً ومعطاء، ويحب عمل الخير دوماً، تعلم حتى أنهى المرحلة الاعدادية ثم انضم إى والدي للعمل في مجال الثروة الحيوانية، فهو يملك مزرعة أبقار".

ويضيف: "تعرض للاعتقال مرات عدة، خلال انتفاضة الحجر ثم الأقصى، وفي عام 2018 عاش تجرية الأسر وقضى 27 شهراً في سجون الاحتلال".

لحظات صعبة..

قبل 25 عاماً، تزوج ماهر ويعيل أسرة مكونة من 6 أنفار، أكبرهم إسلام (23 عاماً)، وأصغرهم تقى (6 سنوات).

وتقول زوجته: "قبل عيد الأضحى بيومين ، فجر تاريخ 27/ 7/ 2020، اقتحمت قوات الاحتلال منزلنا، جمعونا وعزلونا بغرفة وحدنا حتى انتهت عملية التفتيش التي تخللها مصادرة الهانف الخلوي لماهر".

وتضيف: "عندما علم أن الجنود حضروا لاعتقاله، وباشروا بتجهيزه، طلب منهم معرفة السبب، وعندما لم يردوا عليه، أعلن الإضراب المفتوح عن الطعام داخل المنزل، ورغم ذلك قيدوه ونقلوه إى معسكر حوارة، ثم سجن "عوفر" للتحقيق وسط التهديد بتحويله للاعتقال الإداري".

قلق وخوف..

تعبر "أُم إسلام" عن قلقها على حياة ماهر الذي يعاني عدة أمراض مزمنة، وتقول: "بعد اعتقاله، قررت محكمة عوفر تمديد توقيفه لمدة 72 ساعة لإمهال النيابة فرصة لإصدار قرار تحويله للإداري، لم يسمحوا للمحامية بمقابلته والاطلاع على أوضاعه، لكن المحامية أبلغتنا أن المخابرات تواصل تهديده بالإداري".

وتضيف: "بعد تثبيت اعتقاله الإداري، ورغم العزل والضغوط رفض التراجع عن معركته، رغم أنه يعاني من ارتفاع في الضغط وزيادة دهون ويتناول أدوية بشكل منتظم".

آثار الاعتقال..

تأثرت تجارة الأسير ماهر الذي يملك ويدير مزرعة للأبقار في بلدته، فهو يرتبط بعلاقات عمل مع عدة مصانع يورد لها الحليب وتكبد خسائر فادحة.

وتقول زوجته: "المشكلة الثانية التي عانينا منها باعتقاله، متابعة أمور المزرعة التي يديرها ويتابع بشكل يومي أعمالها، وهناك ارتباطات مع مصانع وتجار ومواطنين، خاصة مع حلول العيد والأضاحي".

وتضيف: "يتحمل ابننا إسلام المسؤولية، لكنّ هذا عبء كبير واستمرار ظلم الاحتلال لزوجي يسبب الخسائر، والواضح أن اعتقاله قبل العيد كان متعمداً ومبرمجاً بشكلٍ سابق".

دعم ومؤازرة ..

أم إسلام التي تخوض إضراباً عن الطعام مع زوجها ، تعبر عن اعتزازها بصموده وصلابته، وتقول: "رغم انهيار صحته ووصوله لمرحلة الخطر الكبرى ما زال يتسلح بالإيمان بالله والارادة والعزيمة، وكلنا معه في كل خطوة يتخذها حتى كسر القيد و انتزاع حريته، فمن حقنا أن يكون زوجي وأب أولادي بيننا".

وتضيف: "رسالتي لزوجي: ابقَيْ صامداً، ونسأل رب العالمين أن يرعاك ويفرج كربك وتعود إلينا سالماً ومنتصراً".