العنصرية ونظرية طهارة العرق الصهيونية

بقلم: سليمان أبو إرشيد

كُتب الكثير عن أوجه الشبه بين النازية والصهيونية والعلاقة بينهما، ليس أبرزها كتاب الرئيس محمود عباس "الوجه الآخر: العلاقات السرية بين النازية والصهيونية"، وهو البحث الذي نال عليه درجة الدكتوراه من "الجامعة الروسية لصداقة الشعوب"، وتناول فيه اتفاقية "الترحيل" التي أبرمت بين الرايخ الثالث والوكالة اليهودية لتسهيل هجرة اليهود من ألمانيا إلى فلسطين تحت الانتداب البريطاني.

ولكن عندما يكون الباحث فلسطينيًا، هو لاحقا رئيس منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، ويقدم بحثه لجامعة سوفييتية يسهل اتهامه بأنه ناكر للهولوكوست، مثلما جرى قذف عشرات الباحثين بينهم يهود غير صهاينة مثل نورمان فنكلشتاين صاحب كتاب "صناعة الهولوكوست"، وحتى مقاضاتهم بهذه التهمة.

المؤرخ الإسرائيلي توم سيغيف اتحفنا مؤخرًا بمقال نشره في صحيفة "هآرتس" كشف فيه عن رسالة دكتوراه صادقت عليها قبل عقد من الزمن جامعة تل أبيب، قرر مقدمها إيتان بلوم، أن آرثُر روبين، الأب المؤسس للاستيطان الصهيوني في فلسطين، تبنى نظرية عنصرية أعالت أيضًا العنصرية النازية، وأن كتاباته ساعدت النازيين في بلورة نظريتهم.

رسالة بلوم التي صدرت في كتاب باللغة الإنكليزية عام 2011 وأثارت عدة ردود عاصفة، وصدرت مؤخرًا باللغة العبرية تحت عنوان "هندسة الثقافة الإسرائيلية"، لا تدعي أن هتلر قرأ بنفسه أفكار روبين، كما يقول سيغيف، ولكن من الصعب إنكار أن نصوص روبين أعطت شرعية للادعاءات النازية.

في بداية طريقه رأى روبين بهتلر سياسيا متفتحا وواعدا، بشّر قدومه بتحقيق حلم طهارة العرق، كما يكتب بلوم، الذي يضيف بأنه لم يكن وحيدًا بين القادة الصهاينة المركزيين الذين تقاطعت نظرتهم للعالم مع نظرة قادة الحزب النازي، في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية.

ويتمركز ادعاء بلوم بأن روبين موقَع عنصرّيته في قلب الثقافة الصهيونية التي هندسها، والتي شملت انتقاء اليهود المرشحين للاستيطان في فلسطين، وطرد العرب، والتمييز ضد يهود الدول العربية.

سيغيف لا يرى جديدًا في مقارنة الصهيونية بالنازية، وإنما بتأسيس ذلك على نصوص أحد قادة الصهيونية، وهو يطرح تساؤلين مركزيين حول الدراسة؛ الأول، هل ما يكتبه بلوم صحيحًا؟ وإلى أي مدى؛ والثاني، هل هذا مهم؟ وإلى أي مدى؟ وبعد أن يقر بكثير من الخجل بأنه صحيح، يقلل من الأهمية التي أعطاها إياه بلوم في رسالته.

روبين كان رجلًا مهمًا، وفقًا لسيغيف، فهو عالم اجتماع وحقوقي من مواليد بروسيا، وجاء إلى البلاد سنة 1908 كممثل للوكالة الصهيونية العالمية. اشتغل بشراء الأراضي وإقامة مستوطنات جديدة، بينها دغانية وتل أبيب، وجلب عمال من اليمن ومهاجرين من ألمانيا، وكان من مؤسسي سلسلة من المشروعات التجارية والتربوية بينها، "بنك العمال" و"الجامعة العبرية"، وكان بصفته قناة رئيسية لإدارة استثمارات الحركة الصهيونية صاحب تأثير كبير.

قبل هجرته إلى فلسطين وحتى آخر أيامه، ظل روبين يتبنى نظرية بيولوجية - اجتماعية تعرف باليوجينيا ـ Eugenics، نظرية تحسين النسل البشري، انتشر أتباعها في الولايات المتحدة وأوروبا، وتدعي بضرورة تحسين الجنس البشري، مفترضة وجود أعراق بشرية فاخرة وأخرى مضروبة، وقد أعالت"اليوجينيا" العنصرية النازية، ابتداءً من "خطة رسمية للموت الرحيم"، ونهاية بإبادة اليهود.

روبين أفاد من "اليوجينيا" بحصول انخفاض مقلق في الجودة العرقية للشعب اليهودي، وحسب مفهومه فإن العبريين الطهراء انتموا إلى أسباط هندية – أوروبية، واشتغلوا حتى خراب الهيكل الأول بالزراعة، لكنهم اختلطوا، بكثير من الأسف، مع أعراق سامية، وكسروا مبدأ طهارة العرق وتضاءلوا بسبب ذلك إلى "أنماط بدوية"، حتى بات مشكوكًا بانتمائهم إلى العرق اليهودي، ونسلهم هم يهود الدول العربية.

وبنظر روبين، فإن الأنماط البدوية تلك هم يهود منحطون، ورغم أن اليهود الأشكناز في شرق أوروبا، كفوا أيضًا عن العمل بالزراعة وطوروا أعمالا تجارية ورغبة مالية منفلتة أدت إلى خلل عرقي، إلا أنه رأى إمكانية لإشفاء هؤلاء اليهود وتحسين عرقهم. وهكذا وفق بلوم، وصل روبين إلى الصهيونية متمنيًا أن يساهم الاستيطان الزراعي في فلسطين في وقف عملية التضاؤل العرقي لليهود الأشكناز، هذا في حين استمد وحي الاستيطان من الاستعمار الكولونيالي الألماني في أفريقيا، ومن مشاريع الاستيطان البروسي في شرقي أوروبا.

عن "عرب ٤٨"