"شركة بلح فلسطين" في غزة.. نساءٌ يُصنّعن العجوة ومنتجات شجرة النخيل

غزة- "القدس" دوت كوم- روان الأسعد- تكثر المشاريع وتختلف فيما بينها بقدرتها على استقطاب الناس، على الرغم من أنه لا توجد مشاريع خاصة للنساء، وأُخرى حكرٌ على الرجال، ما دفع النساء إلى اقتحام عالم الأعمال التجارية، لأنّ هناك رغبةً كبيرةً من النساء في ممارسة التجارة لتحسين الدخل، وزيادة إنتاج الأُسرة، والحصول على موارد الرزق.

المشاريع النسائية التجارية الناجحة أصبحت من أكثر الأُمور المنتشرة حالياً، إلا أنّ السيدات يمكنهنّ إضافة لمستهن الخاصة للموضوع، فالمشروع الذي تديره سيدة سيبدو بشكل مختلف، وهذه الحال في مشروع "بلح فلسطين"، هذا المشروع الذي نجح بشكلٍ لافتٍ باستقطاب عددٍ لا بأس به من النسوة اللاتي استطعن إثبات وجودهنّ، وتأكيد حضورهنّ الفاعل في النشاط الاقتصادي، تُرجم على أرض الواقع، تواجد المرأة كشريكٍ أساسيٍّ في التنمية والنماء.

بعيداً عن وصفات النجاح السهلة والجمل المنمَّقة بصياغتها، خطت 41 سيدة بجهدهنّ النجاح بعد تأسيس "شركة بلح فلسطين" في قطاع غزة عام 2016، وبفضل إدارتها النسوية الرائدة وعاملاتها النشيطات كخلية النحل تسعى بكل جدٍّ وجهدٍ للعمل المتواصل والإنتاج، في واقعٍ اقتصاديٍّ صعبٍ لم يفرق في ارتداداته بين جنسٍ وآخر.

تقول انتصار أبو منديل، إحدى المشرفات على عمل الشركة: تحت شعار التمكين الاقتصادي، وتوفير فرص العمل الثابتة للنساء، انطلقت الفكرة لتأسيس "شركة بلح فلسطين" لإنتاج عشرات الأطنان من العجوة، من أجل دفع عجلة الإنتاج المحلي، وسدّ العجز الذي يعانيه قطاع غزة في هذا المجال منذ سنوات طويلة.

وتضيف أبو منديل: دير البلح المعروفة تاريخياً بزراعة النخيل، التي تضمّ بين ذراعيها ثلثي أشجار النخيل الموجودة في القطاع، احتضنت على أرضها شركتنا التي ضمت نحو 30 سيدة جديدة من العاملات لسد حاجة السوق المحلي من أصناف منتجات شجرة النخيل المختلفة، فالشركة لا يقتصر عملها على صناعة العجوة التي يعتبر عملها موسمياً، إنما يمتدّ ليشمل قائمة غذائية كالرطب والمربى والدبس والحلويات، مثل الكعك والمعمول، ويبقى العمل في الشركة على مدار العام لتجهيز الطلبيات المختلفة للسوق المحلي، ويكون أَوج العمل في شهر رمضان، ليصبّ هذا العمل في تحقيق الهدف الأساسي من قيام الشركة، ألا وهو تحقيق التنمية الاقتصادية عبر تشغيل أكبر عددٍ من السيدات لتحسين ظروفهن المعيشية، وسد فجوة السوق المحلي، ونطمح لزيادة عدد العاملات في المستقبل.

وتردف انتصار: في ظل وجود القدرة لدى سيدات قطاع غزة على التصنيع محلياً بمواصفات تنافس المنتج المستورد كانت الفكرة الأساسية، تعتمد على استغلال فائض الإنتاج من البلح لسد العجز في إنتاج العجوة.

الفكر النسوي مفتاح إدارة المشروع

وتقول أبو منديل: شركة "بلح فلسطين" تتميز عن غيرها بالجهد النسائي البحت في كل مراحل العمل، فالنساء يقمن بكل المهام، من ضمان الأراضي الزراعية المزروعة بالنخل، وبمساعدة خبير فني يشرف على هذه الأراضي، حتى الإنتاج والتسويق.

وتشير إلى أن منظمة "أوكسفام" البريطانية العالمية ساهمت في تمويل مشروع الشركة وفي البدء بهذه الفكرة مع الجمعية الأهلية لتطوير النخيل والتمور، وتمت تغطية كلفة إنشاء الشركة ومصنع خاص بها إلى جانب منحة "أوكسفام"، من خلال مساهمات مالية من السيدات، كلٌّ حسب مقدرتها، وقرض من دون فوائد من صندوق التنمية الفلسطيني، إضافة إلى منحة من الإغاثة الإسلامية.

رحلة العمل

وتقول أبو منديل: بدايةً نقوم بضمان الأراضي التي يختارها الخبير الفني، كونه على درايةٍ تامةٍ بما ستطرحة هذه الأرض من مخرجات، ثم يتم نقل البلح بالتوك توك إلى الشركة، ليتم غسيل البلح ووضعه على مصافٍ وتوزيعه على السيدات، كلٌّ حسب مقدرتها في العمل، ويتراوح إنتاج السيدة الواحدة من 30-50 كيلوغراماً، ثم تأتي مرحلة تقشير الرطب، وبعدها نزع النوى ووضعه في فروش خشب مروراً بوضعه داخل "دفيئات زراعية" لتجفيفة لمدة يوم ونصف.

وتضيف: تلي ذلك عملية التصنيع والتعقيم وصولاً إلى تحويله إلى عجوة، وبعدها الإنتاج والتسويق، وبالرغم من أن العمل موسمي يستمر من شهرين إلى ثلاثة أشهر تقريباً، وهي فترة جني محصول التمر فقط، فإن نحو 30 سيدة يواصلن العمل طوال العام في طهي الكعك وطحن العجوة لتلبية احتياجات المخابز، إلا أننا نطمح إلى تصدير إنتاجنا إلى أسواق الضفة الغربية والخارج، وتطوير منتجنا بمواصفات ذات جودة أكبر.

تحدياتٌ ومصاعب

وتوضح انتصار أبو منديل: بالرغم من سعادتنا بهذا الإنجاز وبمستوى التقدم في المشروع وأهميته في خلق فرص عمل ثابتة للنساء لتجاوز الظروف الاقتصادية الصعبة، فإنّ هناك العديد من العقبات والمصاعب، منها: عدم امتلاك بنية تحتية لتطوير العملية الإنتاجية، إضافة إلى "حاجتنا إلى خطّ كهرباء لتشغيل المجففات المتخصصة ذات درجة التعقيم العالية التي تساعد على زيادة الحصة السوقية، وبالتالي زيادة الإنتاج، كما أننا نحتاج إلى تطوير غرفة الإنتاج بصورةٍ أفضل لتكون لنا حصة مميزة بكل الأسواق.

ويبقى الفكر النسوي أحد مفاتيح الحل لإدارة المشاريع بطرق غير تقليدية وقدرة على استقطاب الناس، خاصة النساء، ومشروع "شركة بلح فلسطين" التي تنتج في العام نحو 40- 100 طن من العجوة، ولاقت رواجاً في السوق المحلية، وأكبر دليل على الفكرة البسيطة حين تنفذ بجد وذكاء على أرض الواقع تتحول إلى مشروع استثماري يحقق الأرباح، ويشغل سيدات يعرضن قصص نجاحهنّ لتشجيع مثيلاتهن على تأسيس مشاريعهن الخاصة وتطويرها وتنفيذ أفكارهنّ والانطلاق بها.