ملاحقة الإسرائيليين جزائيا ومدنيا أمام المحاكم الفلسطينية حق وواجب!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

في خطوة متأخرة، ولكن تستحق التقدير والثناء، أعلن أن القضاء الفلسطيني سيبدأ قريبا ملاحقة الإسرائيليين المستوطنين فقط الذين يقومون بجرائم على الإقليم الفلسطيني سواء على المستوى الجزائي أو المستوى المدني على حد سواء. وكأن القضاء الفلسطيني يستعيد ولايته القانونية كاملة بعد انتقاصها عبر أوسلو وتطبيقه. ويا ليت الأمر لا يتوقف عند المستوطنين وأفعالهم الإجرامية بل يتعداهم لكل من يخرق القوانين الفلسطينية على الأرض الفلسطينية ايا كانت جنسيته وعقيدته.

وللأمانة العلمية نقرر أن قاضي محكمة رام الله عام 1968 حاول أن يفحص شرعية الأوامر العسكرية ومدى خضوعها لقانون الحرب في جنيف ولاهاي، إلا أن محاولته أجهضت. ثم جاء قاضي محكمة صلح جنين عام 2015 وعاود هذه المسيرة القضائية المباركة، وهي إخضاع الإسرائيليين لاختصاص القضاء الفلسطيني، إذا ما ارتكبوا جرما على الإقليم الفلسطيني أو خالفوا القانون الفلسطيني عملا بالقاعدة العالمية القانونية الشهيرة والمعروفة بقاعدة إقليمية القانون والتي انتكست بنكسة أوسلو بل جمدت وخرقت. ورغم أن قرارات محكمة صلح جنين آنذاك لم تكن متعلقة بالمستوطنين بل بموضوع آخر، إلا أنها بدت كوضع حجر الزاوية للتحرر من نصوص أوسلو كقيد على اختصاصه. وما لبث أن دفع قاضي هذه المحكمة ثمنا باهظا وأبعد عن محكمة جنين. وتوقف هذا النهج المبارك منذ ذلك الوقت رغم الصرخات القانونية من هنا وهناك للعمل بذلك الأمر.

تقتضي سيادة أية دولة أن تطبق قوانينها الوطنية على جميع من يتواجد على إقليمها بغض النظر عن جنسيتهم فيما عدا من يتمتع بالحصانة الدبلوماسية، وهذا ما يعرف بقاعدة إقليمية القانون التي هي تجسيد حقيقي للسيادة الوطنية. فالعبرة هنا للمكان والسيادة عليه، ولا أهمية للجنسية. بكلام آخر يطبق القانون الأردني كمثال على من يوجد في عمان سواء أكان أردنيا أو تركيا أو مصريا أو أمريكيا بغض النظر عن جنسيته في أي فعل أو سلوك مخالف للقانون الأردني. وبدون هذه القاعدة السيادية ستصبح الدول ساحة إجرام دولية، بمعنى أن يأتي البريطاني ويقترف الجرائم في مصر مثلا ويأمن العقاب على أفعاله الجرمية بحجة أنه ليس مصريا، وقس على ذلك.

هذه القاعدة القانونية التي تعتبر حجر الزاوية في النظام القانوني لأي بلد من حيث تطبيق القانون علىى المكان والأشخاص في كل دول العالم بدون استثناء، قد تم خرقها من قبل المفاوض الفلسطيني بإهمال شديد حيث لم يكن له مستشار قانوني كفء أو لم يرغب بذلك، بينما كان المحامي الإسرائيلي يوئيل سينجر، مهندسا لكل النصوص المشؤومة في أوسلو، بل كان كاتم أسرار أوسلو مع رابين ومنسقها معه وعلى علاقة وثيقة به. ولو كلف السياسي الفلسطيني نفسه وسأل القانوني أو راجعها الأخير، لبيّن له الأخير مخاطر هذا الأمر الشديد، لكن السياسي آثر التصرف بفهلوة ومجازفة، فأجاز بل حصّن الإسرائيلي المدني والعسكري من ولاية القضاء الفلسطيني في جميع القطاعات كافة وليس في القطاع الأمني فقط. فلو قبض على تاجر مخدرات إسرائيلي أو تاجر رقيق أبيض وقد يكون عربيا من الداخل أوحتى مقدسيا في مدينة رام الله أو اي مكان فلسطيني، فلن يستطيع القضاء الفلسطيني محاكمته عملا بنصوص أوسلو اللعين. بل يجب تسليمه إلى الجانب الإسرائيلي ليقوم بترتيباته ايا كانت بدون التقيد بالقانون الفلسطيني على الإطلاق.

وهذا ينطبق على الشخصيات المعنوية كالشركات الإسرائيلية ايضا عملا بنصوص أوسلو اللعين. ونحن هنا نشدد بدورنا على دور القانوني الفاعل والمفيد والمكمل لدور السياسي، في تجنيب الوطن مشاكل لا حاجة له بها ويمكن حلها مسبقا. ولعل مثال قضية التحفظ في المعاهدات الدولية سقطة أخرى للسياسي في التعامل مع الواقع المعقد.

بدأت مسيرة تحصين الإسرائيلي بغض النظر عن صفته سواء أكان مدنيا أو عسكريا عبر الأوامر العسكرية التي صدرت بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967. فقد صدر أول أمر عسكري حمل الرقم 164 حيث منع محاكمة الإسرائيلي العسكري والمدني العامل في الحكم العسكري الإسرائيلي أمام المحاكم الفلسطينية. وغدا الإختصاص الإقليمي مخولا للمحاكم الإسرائيلية على اختلاف مسمياتها، وعلى رأسها ما يسمى بمحكمة العدل العليا الإسرائيلية التي كانت شرا ووبالا على الإختصاص القضائي الفلسطيني واستبداله بالقضاء الإسرائيلي الصهيوني ومرجعيته التوراتية.

وما لبث أمر إخضاع الإسرائيليين أن تطور إلى نصوص ملزمة في معاهدة أوسلو والمحكومة بقانون المعاهدات. وتعفف القضاء الفلسطيني من عام 1994 وإلى يومنا هذا ولم يخضع الإسرائيليين بغض النظر عن صفتهم إلى القضاء االنظامي الفلسطيني سواء أكان مدنيا أو جزائيا أو إداريا. ومن نافل القول أنهم لم يخضعوا للقضاء العسكري الفلسطيني. وسواء زعمنا ببطلان اتفاقية أوسلو أو انتهاء زمنها فإنها على أرض الواقع العملي تملي ما يجري على الساحة الفلسطينية أمنا واقتصادا وإدارة.

ملاحقة الإسرائيليين المدنيين فقط وليس المستوطنون وحدهم، هو مطلب حق وواجب قانوني بدون أدنى شك. لكن المشكلة تكمن في مدى الإستفادة من هذه الخطوة عمليا والإنشغال بها، ومن كيفية الملاحقة والتبليغات والمثول والإجراءات والأحكام والطعن فيها والتكلفة المادية لكل ذلك، ومدى صدوع الإسرائيليين للأحكام الغيابية التي ستصدر بحقهم. ويجب أن ننوه هنا إلى أن العسكريين الإسرائيليين غير خاضعين لولاية القضاء الفلسطيني ولا للقانون الفلسطيني عملا بأوامر عسكرية وقواعد القانون الدولية العرفية.

الخطوة الأولى لتنفيذ الملاحقة القانونية للإسرائيليين سواء أكانوا مستوطنين أو مدنيين تتمثل في إلغاء الأوامر العسكرية المتصلة بمحاكمة العسكريين والمدنيين الإسرائيليين إلغاء تاما وصريحا من مجموع النظام القانوني الفلسطييني. وأن لا يكتفى بترديد القول أن القانون الأساس صرح بكذا، وأنه تم إلغاء الأوامر العسكرية إلغاء ضمنيا، ذلك أن نصوص أوسلو قررت أمرا مخالفا بشكل صريح.

الخطوة الثانية يجب أن يصدر قرار بقانون رئاسي يلغي النصوص الخاصة بحصانة الإسرائيليين أمام المحاكم الفلسطينية ألواردة في اتفاقية أوسلو. وإلا سيدور جدل حول المركز القانوني للمعاهدة والقانون الوطني حينما يتنازعان، وايهما يسمو على الآخر.

بعد خمسة وعشرين عاما تقرر السلطة الفلسطينية ممثلا بمجلس الوزراء تشكيل لجنة فنية لمتابعة ملاحقة القضاء الفلسطيني ولايته على المستوطنين وحدهم في خطوة غير مسبوقة وغير عملية وغير كافية في آن واحد عمليا. ولن يستفيد الفلسطيني من انضمامه الحديث لمنظمة الإنتربول ليطلب تسليم المجرمين الإسرائيليين، لتنفيذ الأحكام الصادرة بحق المدانين منهم، ولكنها خطوة تنفي الشرعية عن أوسلو ومشتقاته ونصوصه فهل من مجيب وبخاصة أن القدوة الحسنة خير من الوصية!