أقوال الشيخ العاروري... والجدل الفلسطيني الداخلي

بقلم: العميد أحمد عيسى*

كشف التسجيل الصوتي للشيخ صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، الذي سُرّب للعلن يوم الجمعة الموافق 9/ 10/ 2020، نجاح المتحاورين من حركتي "فتح" و"حماس" بإحراز تقدمٍ ملموسٍ نحو التوافق على صيغة تصلح أن تكون أساساً لاستراتيجيةٍ كفاحيةٍ تُمكّن الشعب الفلسطيني من مواجهة المأزق الراهن.

وبينما عبّرت نسبة عالية من الفلسطينيين عن ارتياحها لهذا النجاح، إلا أن ما تضمنته الأقوال أثارت في الوقت ذاته جدلاً لا يزال يتفاعل في أوساط مُكوّنات الحركة الوطنية الفلسطينية، لا سيما في أوساط حركة "فتح" أكبر مكونات الحركة الوطنية.

وأيّاً كانت نوايا الجهة التي سرّبت التسجيل، سواء أكانت بقصد التشويش على محاولة الطرفين المتحاورين لإنهاء الإنقسام وتحقيق الوحدة والشراكة، أم لدعم هذه المحاولة وتعزيزها، فحسناً فعلت هذه الجهة، إذ أصبح الشعب الفلسطيني بعد استماعه هذه الأقوال (التي لم يتم نفيها بوضوح ) في صورة بعض التفاهمات التي تمت بين الحركتين قبل الإعلان عنها من قِبل الأمناء العامين، الذين ربما يشير التأخير في انعقاد لقائهم إلى تخوفات بعضهم من أن تمس هذه التفاهمات بمكانتهم في هيئات منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، وربما يشير من جهةٍ أُخرى إلى قلق جهات غير فلسطينية من المآلات المحتملة لهذه التفاهمات أو "الخلطة" وفقاً لوصف العاروري، على الشكل النهائي الذي تريده هذا الجهات للنظام الإقليمي.

سأُحاول في هذا المقال تفنيد أقوال العاروري ابتداءً، ثم سأُلقي الضوء على أهم اتجاهات الجدل الذي أثارته الأقوال في الأوساط الفلسطينية، وأخيراً سأُضيف بعض المحاور التي آمل أن تُثري الجدل الذي أثارته الأقوال.

ماذا قال العاروري؟

في حديثه الذي استغرق تسع دقائق وبعض الثواني مع أحد قياديي حركة حماس التي يبدو أنه لا يمكن الالتقاء به في اللحظة الراهنة وجهاً لوجه، قدم العاروري إجابات واضحة عن ثلات حزمٍ من الأسئلة، تتعلق أُولاها بتشخيص الواقع الفلسطيني، مثل: أين تقف القضية الفلسطينية الآن، وما هي المخاطر التي تواجهها؟ وما هي مآلات هذه المخاطر على القضية الفلسطينية إذا استمر الوضع القائم بين الحركتين على ما هو عليه؟ وتدور ثانية هذه الحزم حول الدوافع المحركة لحركة فتح، وماذا تريد بالضبط، وما الذي تريده حركة حماس كذلك، وأين تتقاطع رؤيتي الحركتين. أما ثالثة هذه الحزم من الأسئلة، فتتعلق بوسائل وآليات تحقيق الرؤية التي تضمنتها الأقوال، وكيف يمكن تبديد المخاوف المشروعة لدى البعض من حركة حماس من المحاولات التي قد يٌقدم عليها البعض من السلطة (فتح) لتخريب هذه المحاولة من محاولات إنهاء الانقسام، أو الفرصة، كما وصفها العاروري.

وفي معرض إجابته عن الحزمة الأُولى من الأسئلة، قال السيد العاروري: إن القضية الفلسطينية تواجه في هذه اللحظة من الزمن مخاطر غير مسبوقة وصلت إلى الدرجة التي أصبحت فيها القيادة الفلسطينية مهددة علناً من الاحتلال الإسرائيلي وإدارة الرئيس ترامب وبعض العرب بخيارين اثنين، إما الاستسلام والقبول بما هو معروض في صفقة القرن، أو استبدالها بقيادةٍ أُخرى مستعدة لقبول ما هو معروض، وفي هذا الشأن أضاف العاروري أن الخيار الثاني ممكن، لا سيما بعد حالة انكشاف الوضع الفلسطيني والعبث فيه من داخله، خاصة أنّ خيار الحركتين، سواء خيار التسوية السياسية، أو خيار المقاومة، يراوحان مكانهما دون تحقيق ما وعدا الشعب به.

كما أضاف العاروري في السياق ذاته أن الرئيس محمود عباس أصبح يائساً من احتمالات تحقيق تقدم سياسي مع إسرائيل والإدارة الأمريكية، لا سيما بعد انكشاف ظهر الفلسطينيين إثر اتفاقات التحالف الإسرائيلي مع بعض دول الخليج وهيمنة هذه الأخيرة على قرارات جامعة الدول العربية، الأمر الذي عزز قناعته بضرورة تجميع الصف الداخلي باعتباره المرتكز الذي يُمَكّن الفلسطينيين من تحقيق أهدافهم أو بعضٍ منها.

وفي سياق إجابته عن أسئلة الحزمة الثانية، قال العاروري إن حركة فتح تسعى لتجديد شرعية القيادة الفلسطينية وتريد في الوقت نفسه تحصين القيادة من خطر الاستبدال، الأمر الذي ينطوي على إشارة ضمنية منه بأن حركة فتح ترفض الاستسلام، وأن خيارها هو مقاومة شروط الاستسلام.

وفي هذا الشأن، أضاف العاروري أنه في رفض حركة فتح شروط الاستسلام، وحاجتها لتحصين القيادة من خطر الاستبدال، تكون قد التقت في مصلحتها وتقاطعت في رؤيتها مع حركة حماس، الأمر الذي يُنشئ بدوره فرصةً يتوجب على حركة حماس التقاطها، وإلا ظهرت كأنها (لا تؤدي حق الله في ما اؤتمنت عليه).

وحول الأهداف التي تسعى حركة حماس لتحقيقها من هذه التفاهمات، فقد عددها العاروري بالنقاط التالية:

• بناء نظام سياسي فلسطيني تمتلك فيه حماس مساحة مؤثرة، ويمنحها في الوقت ذاته شرعية وطنية، تقوم على قاعدة الوفاق الوطني ومخرجات لقاء الأمناء العامين بعيداً عن اتفاقات أوسلو.

• إلغاء المراحل السابقة التي نشأت على أساس اتفاقات أوسلو، وإنشاء مرحلة جديدة بمرجعيات وطنية فلسطينية جديدة.

• إحداث تغيير بنيوي في هياكل السلطة ومنظمة التحرير بعيداً عن الاستحقاقات التي أوجدتها اتفاقات أوسلو.

• تغيير البيئة السلبية القائمة الآن في الضفة الغربية وقطاع غزة.

• تهيئة البيئة لاندلاع انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية قابلة للتطور.

وحول آليات ووسائل تحقيق هذه الأهداف، قال الشيخ العاروري: إن إنهاء الانقسام ورأب الصدع بين الحركتين واستعادة ثقة الشعب الفلسطيني بهما أصبحت ممراً إجبارياً يتوجب على الحركتين وباقي مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية مروره حتى نهايته. وأضاف العاروري أن الانتخابات هي أقصر الطرق، وربما أسرعها لتحقيق ذلك على أن تتقدم إليها الحركتان في قائمة واحدة، شريطة أن لا تتضمن القائمة أسماء عليها اعتراض، وشريطة أن تتم معالجة كل الإجراءات السابقة التي اتخذت بحق الأشخاص والمؤسسات في فترة الانقسام. وعن كيفية قطع الطريق أمام محاولة البعض تخريب هذه المحاولة من محاولات المصالحة، وضح العاروري أنّ ذلك يتم من خلال ترجمة استحقاقات المصالحة إلى أجسام بنيوية في هياكل السلطة ومنظمة التحرير تجعل من التخريب أمراً صعباً ومعقداً.

ما هي محاور الجدل الذي أثاره التسجيل؟

ينحصر الجدل الذي أثاره التسجيل في ثلاثة محاور، يدور الأول حول آليات ووسائل تحقيق الأهداف، ويتركز الثاني حول اللاواقعية السياسية للرؤية برمتها، ويتعلق الثالث بحجم اللاثقة المتأصلة بين الحركتين.

وقد تركز المحور الأول حصراً في القائمة الانتخابية الواحدة، إذ يرفض أصحاب هذا الاتجاه فكرة القائمة المشتركة، لأنها تنطوي على التفافٍ على إرادة الشعب، وتحافظ على تمركز القرارات المصيرية بيد عددٍ قليلٍ من المسؤولين، وتغيُّب الحوار الصادق والمسؤول، علاوةً على أنها تستنسخ الحالة القيادية القائمة في الحركتين، الأمر الذي سيُقلل من احتمالات إصلاح ما فسد وأُفسد، لا سيما أنّ هذه القيادة تتحمل قسطاً من المسؤولية عن هذا الإفساد.

وعلى الرغم من وجاهة وموضوعية المنطق المحرك لهذا الاتجاه، فإنه ظل محصوراً في الوسيلة المقترحة لتحقيق المقاصد التي تضمنتها أقوال العاروري، ولم يناقش صوابية الرؤية بحد ذاتها، كما أنه لم يقدم بديلاً لهذه الوسيلة، لا سيما أن القيادة الحالية للحركتين ستبقى الجهة التي تحدد قوائم المرشحين للانتخابات، سواء تقدمت إليها الحركتان في قوائم منفصلة، أم في قائمة واحدة مشتركة، علاوة على أنه لم يقدم ضمانات كافية لقطع الطريق على الاحتلال وحلفائه من تهيئة المناخ لاستنبات قيادةٍ بديلةٍ يُمكنها استغلال الانتخابات والتسلل إلى موقع القيادة.

وتناول الاتجاه الثاني لاواقعية الرؤية برمتها، خاصة في ما يتعلق بالمرجعيات القانونية للسلطة والانتخابات، إذ يرى أصحاب هذا الاتجاه أنّ اتفاقات أوسلو لا تزال هي المرجع والأساس القانوني الذي تقوم عليه السلطة الفلسطينية القائمة، وذلك على الرغم من تحلل منظمة التحرير الفلسطينية من الالتزامات التي ترتبت عليها في العلاقة مع كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وفقاً لنص قرار القيادة الفلسطينية المعلن في 19/ 5/ 2020، الأمر الذي لا يمكن تجاوزه من قبل أفراد المجتمع الدولي كروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، وكذلك الفلسطينيون أنفسهم في علاقاتهم بالمؤسسات الدولية، خاصة الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة الجنايات الدولية وغيرها من المؤسسات الدولية، بما في ذلك الدول المانحة وباقي أفراد الأُسرة الدولية.

صحيحٌ كما يقول أصحاب هذا الاتجاه أنه لا يختلف اثنان من الشعب الفلسطيني على أنّ طموحهم يتجلى في بناء سلطة وطنية تقوم على أساس (الدستور) القانون الأساسي الذي أنتجه (البرلمان) المجلس التشريعي الفلسطيني، لكن أصغر الفلسطينيين سناً يدرك أن معاهدة أوسلو تسمو في قانونيتها على القانون الأساسي ووثيقة الوفاق الوطني ومخرجات لقاء الأمناء العامين، الأمر الذي يضع حركتي فتح وحماس أمام تحدي الشرح والتوضيح، على أقل تقدير، لكيف يمكن للفلسطينيين محاكمة الاحتلال أمام محكمة الجنايات الدولية بعيداً عن اتفاقات أوسلو التي كانت الموجب القانوني لقبول المحكمة نظر الموضوع!

أما المحور الثالث، فيدور حول الأسباب المنتجة لـ"اللاثقة" بين الحركتين، التي كشفها الانقسام، أو بعض منها، إذ يتساءل أصحاب هذا الاتجاه إذا ما كانت أقوال الشيخ العاروري تدور حول مقاصد حركة حماس فقط، ولم تكن التفاهمات إلا إعمالاً للقاعدة الفقهية التي تنص على (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) أم أنها تدور حول مقاصد وأهداف الحركتين معاً.

وفي الختام، يجادل هذا المقال أن الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني تلتف حول حركتي فتح وحماس طبقاً لنتائج استطلاعات الرأي التي نُفذت حديثاً في المناطق الفلسطينية، ويقيناً سيزداد هذا الالتفاف إذا نجحت الحركتان فعلاً في إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة والشراكة، الأمر الذي سيجد تعبيراته في صناديق الاقتراع إذا أُجريت الانتخابات.

وعلى ضوء ذلك، أقترح في هذ المقال أن يُعاد ترتيب الجدل الدائر في جدوى الرؤية برمتها، ومدى صوابيتها، ليس في مواجهة شروط الاستسلام المطروحة على الفلسطينيين وحسب، بل في ضمان الانتصار على هذه الشروط، وما هو تعريف الانتصار في هذه الحالة، بمعنى ما هي الأهداف المراد تحقيقها؟ وما هي معايير قياس الانتصار؟ وهل يمكن للحركتين حقاً صناعة انتفاضة ثالثة قابلة للتطور في الضفة الغربية؟ وما هي البدائل المقترحة للانتصار على شروط الاستسلام إذا فشلت محاولة صناعة انتفاضة ثالثة؟ وهل يمكن استثمار الانتفاضة إذا اندلعت في بعث الحركة الوطنية الفلسطينية من جديد؟

وهنا تحضرني جملة قد تكون مُعبرةً عن بعض من الجدل الدائر في الساحة الفلسطينية للمبدع المصري مصطفي حجازي حين قال في كتابه (حجر رشيد): "كيفية الفعل مرتبطة يقيناً بهدف الفعل.. والكيفية والأهداف هما نتاجٌ لطبيعة مَن يفعل".

* المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي