الأسير المضرب ماهر الأخرس... رسائل من القلعة

بقلم: عيسى قراقع*

هي قلعة متينة مبنية من الإيمان والعزيمة والإصرار، وهذه مواد لم يشهد مثلها الجيولوجيون والمؤرخون الذين كتبوا عن القلاع في تاريخ الحضارة الانسانية والتي شيدت عبر العصور للدفاع عن البلاد وللتصدي للغزاة والأعداء.

هي قلعة، الإسمنت فيها من لحم ودم وعظم وأنفاس ساخنة، قلعة في جسد إنسان، ليست فوق جبل شاهق او على ساحل بحر محاطة بالجدران السميكة والصخور الصلبة، هذه القلعة يجلس فيها جندي وحيد هي الروح، والروح فيها تتوالد لتصير أرواحا جماعية، جيشاً من الأرواح تتبادل الأدوار بين الحياة والممات تدافع عن سكان القلعة المصرون على الحرية او الشهادة.

هي قلعة الأسير ماهر الأخرس المضرب عن الطعام منذ ما يقارب الثلاثة شهور ضد اعتقاله الأداري التعسفي، قلعة في داخل السجن، في قلب دولة الاحتلال، قلعة يطوقها المحتلون ويحاصرونها ويدكونها بكل أنواع الأسلحة لهدمها على كل من فيها.

دولة الاحتلال تطوق قلعة ماهر الأخرس وتتعامل معها كاستحكام حربي، وتستنفر كل إمكانياتها لاسقاط القلعة التي تصفها بأنها الحصن الممتنع، لازالت هناك أصوات في القلعة، لم تخمد الأنفاس، الهزال والضعف والجوع والأمراض والتقيؤ والغيبوبة وعدم القدرة على الحركة لم تجد نفعا لاسكات المقاومة من داخل القلعة، هناك قوة خفية لهذا الأسير يعجز فهمها، لا يتوقف ولا يتراجع، يقول متحدياً: انا القوة، انا وحدي مالك قدري.

المختصون في جهاز الاستخبارات الاسرائيلي عقدوا اجتماعا طارئاً للبحث عن وسائل اكثر نجاعة في اختراق قلعة الأسير ماهر الأخرس بعد ان فشلت الوسائل الأخرى كالمساومة والضغط والتهديد وعدم تقديم العلاج والتعذيب النفسي والجسدي والعزل وغيرها من الوسائل التي تحطمت على بوابات القلعة، وقد وصلوا الى نتيجة تقول: أن الأسير ماهر مستعد للتضحية بوجوده من أجل الوصول الى أهدافه.

رجال الأمن في إسرائيل صرحوا بأن هناك ما يشبه المستحيل في صمود القلعة، انها عقيدة الحرية، وهي اكبر من الايديولوجيات واقوى من فتك الطائرات والصواريخ والقنابل والأسلحة الذكية، الأسير ماهر يصنع سلاحاً من داخله مكوناته الارادة والحلم والرؤية، يتغلب على التفوق العسكري والتكنولوجي والأمني الاسرائيلي، ارادة لا تقهر، تهز الأرض والسماء وتصير نبوءة انسانية وأخلاقية تحرك ميزان العدالة في الكون.

المخابرات الأسرائيلية أصيبت بالصدمة، فشلت توقعاتها وكذبت في تقاريرها التي تقول بأن الأسرى اصبحوا تحت السيطرة والانصياع، وأن قضية الأسرى لم تعد ذات اهتمام محلي واقليمي ودولي، سياسة العصا والجزرة اثبتت جدواها في أخضاع الأسرى واطفاء جذوتهم، لكن قلعة ماهر الأخرس الصامدة قلبت المعادلة واعادت تحريك قضية الأسرى وفتحت كل ملفات الجرائم والممارسات الوحشية التي ترتكب بحق المعتقلين، انها قلعة ذات تأثير كبير، تحولت الى محكمة تحاكم دولة الاحتلال، بثت صوراً بشعة عن وجه دولة اسرائيل الغارقة في التطرف والطغيان، القلعة تحاصر تل ابيب.

الأمم المتحدة بكل خبراتها القانونية وصلت الى نتيجة مفادها أن صمود قلعة ماهر الأخرس على مدار كل هذه الشهور حيث لا يوجد بداخلها سوى الجوع والصمت والبرودة والملح والماء والانتظار والأمراض، هذا لم يحدث الا في منطقة واحدة في الشرق الأوسط هي فلسطين، وقالوا ربما هي معجزة من المعجزات التي لم يتوصل اليها العلم ولا نظريات الصراع السياسي والعسكري.

قلعة ماهر الأخرس صارت كالجبل الذي لا تهزه الرياح ولا تنال منها الزوابع، قلعة في جسد يكره الهزيمة، وكلما ازدادت آلامه و اوجاعه اقتربت المسافات واعطته قوة على الاستمرار، وفي رسالته الأخيرة للشعب الفلسطيني قال ماهر: اذا كانت الحرية ضعيفة التسليح فعلينا أن نسلحها بقوة الأرادة والصبر.

رجال السياسة الدوليون وجهوا رسالة الى رئيس الوزراء الأسرائيلي والى الرئيس الأمريكي ترامب جاء فيها: ان قلعة ماهر الأخرس هي قلعة فلسطينية جماعية تعبر عن اصرار شعب فلسطين على اجتراح حريته واستقلاله وبناء دولته وعاصمتها القدس، وأكدوا في رسالتهم ان خطة صفقة القرن ومشاريع الرفاهية الاقتصادية وموجات التطبيع التآمرية لن تكون قادرة على زحزحة حجر واحد في جسد القلعة الفلسطينية، لا يمكن للدولارات ان تكون بديلا عن الكرامة والحرية.

ما يزعج الاسرائيليون ويقلقهم هو دعوة ماهر الأخرس من داخل قلعته الى اعادة قراءة التاريخ من جديد لتفسير ما يحدث الآن، فماهر الأخرس أرسل اشارات واضحة تقول: أن قانون الأعتقال الأدراي الذي تطبقه اسرائيل بحق الأسرى هو جزء من قوانين تورنبيرغ النازية، وان هناك تشابه و قواسم مشتركة بين الحركات العنصرية والنازية والصهيونية، وان هناك تعاون فيما بينها في الاساليب والممارسات، زعماء اسرائيل كل يحمل في داخله هتلر، السجون هي هولوكوست ينصهر ويحترق في افرانه الآف الأسرى والمعتقلين.

مجلس حقوق الأنسان في جلسته الأخيرة ناقش كل الرسائل الخارجة من قلعة الأسير ماهر الأخرس، هذه الرسائل التي تطالب مؤسسات حقوق الأنسان بالوقوف أمام مسؤولياتها القانونية وازاء انتهاكات وجرائم الاحتلال المتواصلة بحق المعتقلين كالاعتقال الأداري الانتقامي والتعسفي وسياسة التعذيب الممنهجة والاهمال الطبي المتعمد واعتقال الاطفال القاصرين والمحاكمات العنصرية غير العادلة، وسياسة العقوبات الجماعية والفردية، الرسائل تطالب بحماية دولية للمعتقلين وانقاذ حياتهم والزام دولة الاحتلال بتنفيذ القوانين والاتفاقيات الدولية والانسانية.

رسائل القلعة قالت في خاتمتها ان القلعة الفلسطينية انتظرت اكثر من مائة عام ولم يصل احد من المؤسسات الدولية او من مجلس الأمن، لكننا سكان هذه القلعة ان لم نستطع الطيران فسوف نجري ، وان لم نستطع الجري فسوف نمشي، وان لم نستطع المشي فسوف نزحف، وفي كل الأحول سوف نستمر في التحرك نحو الأمام حتى تحقيق احلامنا المشروعة، هذه القلعة صامدة لن تفتح ابوابها الا في فضاء الحرية المنشودة.

في اليوم التسعين من اضراب ماهر الأخرس وصل ضابط مخابرات اسرائيلي الى بوابة القلعة، واخذ هذا الضابط يبرر اعتقال ماهر ويدعي انه يشكل خطرا على امن الجمهور ودولة إسرائيل، وانه قنبلة متكتكة، ووصل قاضي محكمة الاستئناف ليفاوض ماهر على تجديد اعتقاله مرة اخرى واخيرة استناداً الى وجود تهم جديدة استجدت عليه داخل السجن وفق ما يسمى الملف السري، ووصل طبيب عسكري اسرائيلي الى بوابة القلعة ليساوم ماهر على فك اضرابه مقابل العلاج، ووصل قضاة المحكمة العليا الاسرائيلية الذين ابلغوا ماهر بتجميد قرار اعتقاله الإداري ولكنه سيظل رهينة بين ايديهم، جميع من وصل القلعة عادوا خائبين، تركوا عروضاتهم وأسلحتهم واعلنوا ان القلعة ترفض شروط الاستسلام.

الشعب الفلسطيني والشعوب الحرة وجهت تحيةً الى قلعة ماهر الأخرس العنيدة وأنشدت ما قاله الشاعر العربي محمد مهدي الجواهري:

سلام على مثقل بالحديد..

ويشمخ كالقائد الظافر..

كأن القيود على معصميه..

مفاتيح مستقبل زاهر.

*عضو المجلس التشريعي، رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين السابق