محاكمة المستوطنين لدى المحاكم الفلسطينية تسهم في التحلّل من اتفاقيات أوسلو

بقلم: المحامي علي أبوهلال

في خطوة هامة نحو بسط السيادة الفلسطينية على الأراضي الفلسطينية، أعلن وزير العدل محمد شلالدة، في الرابع عشر من شهر تشرين الأول الجاري، أن القضاء الفلسطيني سيبدأ خلال أيام بالنظر في قضايا تخص انتهاكات قام بها المستوطنون بحق مواطنين فلسطينيين، وجاء هذا الإعلان تطبيقا لقرار صدر عن الحكومة الفلسطينية يقضي " بتشكيل فريق وطني لمساءلة وملاحقة المستوطنين الذين يرتكبون جرائم بحق الشعب الفلسطيني أمام المحاكم الفلسطينية، وذلك في أعقاب قرار التنصل من الاتفاقيات والتفاهمات الإسرائيلية والأمريكية، الذي أصدره الرئيس محمود عباس".

وأوضح شلالدة أن وزارة العدل وبالتعاون مع جهات حكومية أخرى ومؤسسات المجتمع المدني ستعمل على تسهيل مهمة الضحايا المنتهكة حقوقهم من قبل المستوطنين، مؤكداً على أنه ووفقا للقانون الأساسي، يحق لأي مواطن تنتهك حقوقه التوجه إلى قاضيه الوطني الفلسطيني، وأشار إلى عدد من الخطوات التي يجري التحضير لها من أهمها: جمع الأدلة والإثباتات الجنائية، لرفع أول القضايا لإدانة مستوطنين معروفة أسماؤهم، بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق مواطنين في البلدة القديمة بالخليل، وبلدة بورين جنوب نابلس أولاً، وشروع المحاكم الفلسطينية، بالنظر في دعاوى الضحايا الفلسطينيين لاستصدار قرارات وأحكام ضد المستوطنين، للمطالبة بالمسؤولية المدنية التقصيرية، والمتعلقة بجبر الضرر والتعويض بالشق المدني ثانياً، وذلك تكريساً لمفهوم سيادة الدولة على الإقليم المحتل، ولتعزيز مفهوم الولاية القضائية على الإقليم الفلسطيني المحتل.

لا شك أن فرض الولاية القضائية الفلسطينية على عموم الأراضي الفلسطينية، بحيث يشمل نظر المحاكم في كافة الجرائم المرتكبة عليها ضد المواطنين الفلسطينيين، وبغض النظر عن جنسية المجرمين الذين يرتكبونها، بما في ذلك المستوطنين اليهود، يشكل بسط السيادة الفلسطيني على الأراضي الفلسطينية، وتحللا من الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية وخاصة اتفاقيات أوسلو، التي تمنع السلطة الفلسطينية من محاكمة الإسرائيليين لدى المحاكم الفلسطينية، وفقا لما جاء في الملحق رقم 3 من هذه الاتفاقيات.

وينص الملحق (3) اتفاقية خاصة بالأمور القانونية، الملحق باتفاقيات أوسلو، في المادة 2 بند جـ (لا يجوز للسلطات الفلسطينية القبض على الإسرائيليين أو إيقافهم أو احتجازهم....). ويضيف هذا البند: (على أية حال، فإنه في حالة ارتكاب إسرائيلي جريمة ضد شخص أو ممتلكات في "الإقليم"، فإن الشرطة الفلسطينية، عند وصولها الى مسرح الجريمة، تقوم بإبلاغ السلطات الإسرائيلية فوراً عن طريق مكتب التنسيق المختص بالمنطقة، والى حين وصول القوات العسكرية الإسرائيلية، يمكن عند الضرورة أن تحتجز الشرطة الفلسطينية، المشتبه فيه في مكانه، في الوقت الذي تضمن فيه حمايته وحماية جميع المتورطين، وتمنع التدخل في مسرح الجريمة،...).

إن الغاء الاتفاقيات الإسرائيلية الفلسطينية والتحلل منها، يعني بشكل واضح إلغاء هذه الملحق كاملا، بما في ذلك هذا البند الذي يمنع السلطة الفلسطينية من القاء القبض على المجرمين الإسرائيليين الذين يرتكبون الجرائم ضد المواطنين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية، ويمنعها من اتخاذ أي إجراءات للقبض عليهم، ويمنعها من تقديمهم للمحاكمة لدى المحاكم الفلسطينية.

فهل اعلان وزير العدل وقرار مجلس الوزراء الذي تم الإشارة لهما فيما سبق، يحملا توجهاً جديا للتحلل من الاتفاقيات الإسرائيلية الفلسطينية، بما فيها هذا الملحق المشين، وهل يحملا توجها جديا نحو بسط الولاية القضائية الكاملة على كافة الجرائم التي يرتكبها المستوطنون اليهود ضد المواطنين الفلسطينيين، وضد الممتلكات الفلسطينية؟

شكك العديد من القانونيين الفلسطينيين من جدية هذا التوجه، وقللوا من أهمية إعلان وزير العدل في حكومة رام الله محمد شلالدة، بدء مقاضاة مستوطنين إسرائيليين أمام المحاكم الفلسطينية، مؤكدين أن السلطة الفلسطينية غير قادرة على تنفيذ الأحكام بحق المستوطنين بسبب الجرائم التي ارتكبوها، وأوضحوا أن محاكمة المستوطنين أمام المحاكم الفلسطينية، يحتاج إلى دراسة الملف من شتى أبعاده من طاقم فلسطيني متخصص في ظل قواعد القانون الدولي والقانون المحلي الفلسطيني والإسرائيلي.

رغم أهمية هذا الإعلان، لكن ينبغي ألا يكون مجرد دعوة نظرية تحذيرية فقط، بل يتطلب اتخاذ المزيد من الخطوات السياسية والقانونية، فشروع المحاكم الفلسطينية بمحاكمة المستوطنين، يتطلب إرادة سياسية قوية، وتوجه جاد وعملي لبسط السيادة على الأراضي الفلسطيني، وبدء خطوات الانفكاك من العلاقة بسلطة الاحتلال في جميع المجالات الحياتية، ويقتضي أيضاً تفعيل المنظومة القانونية الفلسطينية، والاستناد إلى قواعد القانون الدولي الانساني، وتعزيز التوجه للقضاء الجنائي الدولي، بما يشمل الاختصاص الجنائي العالمي، والمحكمة الجنائية الدولية وتفعيل وتطوير السلطة القضائية الفلسطينية، بما يعزز الثقة بدورها ومكانتها.

*محاضر جامعي في القانون الدولي