عن شمّاعة الحرّيات وازدواجية المعايير: تأصيل للرُّسوم المسيئة لسيدي الرسول(عليه وعلى آله السلام)!

بقلم: المتوكل طه

ها نحن نعود إلى الكاريكاتير مرة أخرى، فقبل ألف عام تقريباً حمل الناسك بطرس رسماً يظهر فيه "التركي الفظّ وهو يضرب المسيح"، كان الناسك هذا، القصير والغليظ والمسطّح، يلوب في المدن والقرى يثير الناس ويستفزّ مشاعرهم ، ويحرّضهم لتخليص قبر المسيح من "الأتراك الملاحدة" أو من "المحمّديين الوثنيين". ونجح ذلك الراهب في أن يشعل حرباً ضروساً دامت نحو 300 سنة، بين عالمين وعقيدتين وثقافتين، كانت حرباً طويلة ومريرة وكئيبة. لم يستطع الغرب فيها أن يلغي الشرق أو يمحوه، ولم يستطع الشرق أن يلغي الغرب أو يدمّره. كانت حرباً كافرية خاطئة وظالمة لم يستطع قداسة البابا أن يعتذر عنها عندما زار بلادنا قبل سنوات. الآن، وبعد ألف عام تقريباً، يجب الاعتراف أنّ محرّك هذه الحرب كان دينياً إلى حدّ كبير، ومن يقرأ أدبيات تلك الحرب من منظور غربي سيكتشف سريعا أن ملوك الغرب وباروناته وأمراءه كانوا يأتون بلادنا "للتطهّر" و"للنذور" و"خدمة المسيح"يجب أن لا نخجل من الحقائق، ويجب أن لا نجمّل الأشياء لأن "الموضة الثقافية" تستدعي ذلك منّا!

وها نحن نعود إلى رسوم أخرى وبطرس آخر .

الرسوم الاثنتا عشرة التي نشرتها صحيفة دنماركية قبل سنوات، وتناقلتها صحف أُخرى في فرنسا وغيرها، وأحدثت ردود فعلٍ ساخطة وعنيفة، وصوّرت النبيّ محمد، سيّد الأكوان والجهات كلّها، سيد الأسياد وأكرم الخلق، نبينا العظيم عليه الصلاة والسلام، كأنه مصدر الشرور والآفات والإرهاب، تماماً كما حدث قبل ألف عام تقريباً. وقالوا إنّ المسلم هو البادئ بالشر، والمسلم هو الذي يمارس الظلم؟! وإذا كان بطرس قد قضى بضعة أشهر وهو يطوف في أنحاء أوروبا، فإن الرسوم الدنمركية انتشرت في أرجاء الأرض في أقل من أسبوع واحد من خلال معظم الوسائل الغربية التي هبّت لنجدة الدنمارك. تلك البلاد الباردة التي يحبّ أهلها تربية الخنازير وزراعة البطاطا، ويريدوننا أن نحبّ زبدة لورباك والشوكولا الدّسمة!

وإذا كانت الحروب القديمة قد بدأت برسوم استفزازية، فإن الصور والرسوم الحالية، التي يُعاد نشرها وعرضها هي ذروة ما يجري في وقتنا الحاضر. وإذا كان شعار الحروب القديمة هو "الله أراد هذه الحرب"، فإن شعار ما يجري حالياً هو "انتظار لمعركة هارمجدون". الغرب يتوهّم المعارك ويتوهّم الأهداف وعلى الشرق أن يدفع ثمن هذه الأوهام –أستعمل هنا كلمة الشرق بمعنى الشرق العربي الإسلامي، وليس كما قصده محمد أركون مثلاً- هذه الرسوم التي جاءت لترصد "مدى حرية التعبير وقدرة تأثيرها" كما برّر ذلك راسموها وناشروها والمدافعون عنها، لم تأت عفواً ولا صدفة ولا عبثاً.

لقد جاءت تتويجاً وتأجيجاً لما يجري على الساحة العربية الإسلامية! بلغة أخرى ، أبسط وأكثر شعبوية، لقد جاءت لترصد ردة الفعل على إهانة مقصودة ومباشرة وفي الصميم.

فماذا بعد نهب الثروات العربية والإسلامية"، وماذا بعد تطويع الحكومات وتدجين الشعوب؟!

وماذا بعد الاحتلال المباشر؟! وماذا بعد الإطاحة بالأنظمة "المارقة والعاصية"، والتحالف مع قوى متخارجة ومتغربنة؟! وماذا بعد فرض إسرائيل بالقوة في المنطقة؟! وماذا بعد تغيير المناهج وتعديل البرامج وإطلاق فضائيات "الوحوحة " و"العري" والنفاق؟!

وماذا بعد تغيير شكل الأُسرة ومراكز القوة والسلطة فيها؟! وماذا بعد التشكيك في الثوابت والمسلّمات من خلال مناهج البحث العلمي وإخضاع النصوص للهوى العقلي؟!

وماذا بعد الشرق الأوسط الكبير واتفاقيات التجارة الحرة والتبادل الثقافي والفوضى الخلّاقة والتطبيع؟!

لم يبق إلا أن يُساء إلى شخص الرسول العظيم عيناً وقصداً ووجاهياً، والدخول إلى ذلك من باب "حريّة التعبير" ومدى قدرتها على التأثير. أي، بكلمات أبسط، أراد أصحاب القرار في ذلك، من وراء نشر تلك الصور معرفة وقياس تصرّف الشعوب العربية والمسلمة على هذه الإهانة بعد كل الإهانات التي وجّهت إليهم. بكلمات أكثر صراحة، ماذا سيفعل العرب والمسلمون في حال إهانة آخر رموزهم المقدسة، وانتهاك آخر قلاعهم الثقافية والروحية؟ فالمعارك الأشد هي المعارك التي تدور حول المعابد عادة. سيقول قائل بليغ مصقول إن هذا الكلام يفترض مؤامرةً وراء كل ذلك!

وأقول لهذا البليغ المصقول أنْ يضم الأحداث بعضها إلى بعض ليرى بأُم عينه جبهة عريضة تتشكّل، قوامها الحكومات التي هددت والصحف التي نشرت، والمفكرون الذين دافعوا، والهيئات التي دعمت.

المسألة ليست مسألة معرفة أو عدم معرفة بالإسلام.

والمسألة ليست مسألة حرية تعبير، فنحن نعرف كذب ونفاق ودجل الديمقراطية الغربية في التعامل مع الشعوب الضعيفة، خاصة أهل فلسطين الذين يطلب منهم الاعتراف بإسرائيل وعدم مقاومتها والتعايش مع احتلال عنصري بغيض لا مثيل له.

ليس هناك من مثال أكثر ظلماً للحقيقة من ذلك القرار الذي اتخذه مجلس الأمن قبل فترة بعدم التشكيك بالمحرقة اليهودية كليّاً أو جزئياً، بمعنى آخر إن مجلس الأمن تحوّل إلى إله يعرف كل الحقائق وهو – للمرة الأولى في تاريخه- يفرض حقيقة تاريخية على البشر يعاقَب مَنْ ينكرها! إنّ الأديان السماوية الثلاثة لم تفعل ذلك، ولكن مجلس الأمن فعلها، مع رفضنا لكل أشكال النازية والفاشية والإبادات الجماعية سابقاً ولاحقاً.

هذا القرار نفاقٌ كبير، لأنّ التاريخ ووقائعه مثار جدلٍ ونقاش، التاريخ مثله مثل كل العلوم، قابل للطعن، ولكن مجلس الأمن كان فوق العلم وفوق البشر، ومنع بذلك ليس حرية التعبير فقط، وإنما حرية التفكير أيضاً، وهذا لم يحدث أبداً.. ونسأل: لماذا لم يتخذ مجلس الأمن قراراً بمنع التعرض للأنبياء وللأبرياء، ولماذا لم يفعل ما يكفي لحماية مقدسات الشعوب وحيوات الضحايا المجانية؟!

أما إذا تعلّق الأمر بأقدس شخصية إسلامية وتخص مئات الملايين من البشر، فإن ذلك يوضع تحت لافتة حرية التعبير.

إذن، المسألة أكبر وأعمق من حرية التعبير. وحرية التعبير هذه أفرزت قوى إسلامية في فلسطين ، ولكن العالم الغربي الذي يُقدّس هذه الحرية لم يعترف بنتائجها. ولا يخفى على طفل أن ذلك كلّه من أجل إسرائيل، وهي القوة المحتلة والمتعصبة والمتطرفة التي يشكّل حكوماتها أحزاب دينية غاية في الغلوّ والعنصرية والفاشية وهي دولة نووية، ولكن الغرب يغمض عينيه عن كل ذلك، ثم لا يجد سوانا، نحن الشعب الأضعف الذي لا يملك غواصات ولا دبابات ولا جرافات ليطلب منا أن نحمي الاحتلال والاستيطان. وهذا أمر لم يحدث من قبل!

لم يعد هناك أكثر وضوحاً من هذا الوضوح.

هناك حلقات متعددة، لكنها ذات مركز واحد. هذا المركز هو هذه المنطقة وشعوبها.

ولا أشير هنا إلى نفط هذه البلاد أو ثرواتها الأُخرى، ولا أشير إلى موقعها الاستراتيجي، لكنني أشير إلى ما كان يفكر به ذلك الراهب الغليظ والمسطّح وهو يطوف قرى أوروبا ومدنها في الثلج والبرد والمطر، من أجل أن يستفزّ شعوباً لمحاربة "الأتراك/ المسلمين/ الكفار ".

وأُسجل هنا رفضي الحاسم وتنديدي واستنكاري لكل أشكال العنف في ردود الفعل مهما كانت. غير أني أسأل الدول الغربية: هل ستسمحون لأي مدرّس أو صحافي أو مفكر أن "يسيء" لضحايا المحرقة المجرمة؟ أم أن الهولوكوست أكثر قداسة من الأنبياء؟!

وبالمناسبة، فإن أحداً من أصحاب الأسئلة اللامتناهية ، والمدافعين عن الحرّيات قد اعتذر عمّا اقترفه بحق المسلمين، أولئك الذين جاءوا إلى بلادنا قبل ألف سنة على متن سفنٍ كبيرة كان على ظهرها ملوكهم الصليبيون. أما أنا شخصياً فإني لا أطلب الاعتذار من أيٍّ منهم، ولا أطلب الاعتذار من أحد ، إنني أنظر إلى الأمام، لأن في "الوراء" الجواب.