العبور من الوهم الى الواقع... بين خيار الدولة أو الدولتين

بقلم: سامر عبد الرزاق السنجلاوي

لا يحتاج أي منا اي يكون خبيرا جغرافيا أو محاضرا في العلوم السياسية، ولا أن يكون متخصصا في علم الخرائط او باحثا في شوؤن المياه والاراضي او التخطيط العمراني ولا حتى قائدا عسكريا او أمنيا ليدرك ان الاستيطان الاسرائيلي قد قضى على خيار الدولتين. وحتى مثل هؤلاء الخبراء وخاصة الفلسطينيون منهم يجمعون على انه لم يعد من الممكن وسط هذه الظروف اقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا ذات سيادة وقابلة للحياة على الاراضي المحتلة عام ٦٧ بما فيها عاصمتها القدس الشرقية. هذا طبعا عدا عن وضوح استحالة قبول اسرائيل تنفيذ حق العودة لسبعة ملايين لاجئ فلسطيني.

مع بداية اوسلو عام ١٩٩٤ شبه لي احد الدبلوماسيين الأوروبيين الضفة الغربية بقطعة الجبن السويسري المليئة بفقاعات الهواء في تشبيه لانتشار المستوطنات التي كان عددها حينها حوالي المائة مستوطنة وكان عدد المستوطنيين في الضفة والقدس لا يتجاوز ٢٣٠ الف مستوطن. اما اليوم وبعد ان اطلق نتنياهو العنان للاستيطان اصبح عدد المستوطنات ٢٤٠ مستوطنة وعدد المستوطنين يتجاوز ٧٠٠ الف. فقال لي صديقي هذا وهو الان نائب وزير خارجية احدى الدول الاوروبية ومن اكثر المتعاطفين مع شعبنا " لقد اكلوا كل الجبن وابقوا لكم فقاعات الهواء ومن الهواء لن تستطيعوا اقامة دولتكم."

ان موت خيار الدولتين لا يعني موت المشروع الوطني الفلسطيني ولا يعني انتصار اسرائيل او هزيمتنا. فخيار الدولتين لم يكن أصلا خيارا فلسطينيا فهو الخيار الذي اعده الاخرون من دون مشاركتنا، وفي اطر مقيدة لنا ومفروضة علينا. لنتذكر عندما تأسست منظمة التحرير الفلسطينية في السيتينات كان خيارها اقامة دولة فلسطينية واحدة على كامل التراب الوطني، وعرض عليها العرب تبني خيار الدولتين كشرط لاعتراف جامعة الدول العربية فيها كمثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني وكتمهيد لدخولها الامم المتحدة.

وبعد ان وافقت دعي الرئيس الراحل ياسر عرفات لالقاء كلمته التاريخية في الجمعية العامة عام ١٩٧٤ والتي تطرق خلالها اكثر من مرة الى حلمه في اقامة دولة ديمقراطية واحدة على ارض فلسطين يعيش فيها العربي واليهودي ضمن حقوق متساوية. في تلك الفترة قبلت م. ت. ف خطة النقاط العشر ومنها خيار الدولتين ثم تبنت هذا الخياربشكل اكثر صراحة عام ١٩٨٨ من خلال إعلان الاستقلال. وكان ذلك عملا بتوصيات ونصائح جامعة الدول العربية واوروبا التي نجحت في اقناع قيادة المنظمة ان خيار الدولتين هو المستقبل الافضل والاقرب للتحقيق.

عمل مجتمع المانحين خلال اوسلو وما قبلها على احتوائنا وكانت أولوياتهم الواضحة ضمان امن اسرائيلو اسرائيل التي احتلت ارضنا وسلبت حرياتنا وانتهكت حقوقنا، وساهم معها مجتمع المانحين في تقييد مخيلتنا بخيار الدولتين بأجندته السياسية المحدودة والمحددة في هياكل اوسلو والتركيز في السعي لتحقيق وهم اقامة دولة فلسطينية على اراضي ٦٧ وضمن خيار الدولتين.

فاوضنا نحن في اوسلو بهدف انهاء الاحتلال وفاوضت اسرائيل بهدف ترسيخ الاحتلال واطالة عمره واعادة تغليفه ليصبح مقبولا للمجتمع الدولي ولتقوم ايضا بتبرير كل انتهاكاتها للقانون الدولي بذريعة ان الاحتلال مؤقت وان المفاوضات هي الطريق نحو الحل المقبول على الطرفيين. واستغلت اسرائيل وقت التفاوض الطويل في اتمام ابتلاع الضفة والقدس امام اعين العالم الذي شاهد تفاصيل جريمة سرقة الاراضي الفلسطينية وبقي متفرجا وصامتا ولم يصدر عنه الا سلسله بيانات التعاطف المتكررة والتي لا تشكل اي ضغط سياسي يذكر.

وبقي مجتمع المانحين متمسكا بحل الدولتين مع ادراكه بأنه كذبة ووهم. ولكنه كذبة سهله تحقق لهم حماية مصالحهم الدبلوماسية والاقتصادية مع اسرائيل ولا تفرض عليهم الدخول في معضلة الواقع والحقيقة المعقدة المتمثلة في ان اسرائيل جعلت من الاحتلال المؤقت امرا واقعا ودائما متجسدا في دولة واحدة عنصرية تسيطر على حياة ومصير شعبنا الفلسطيني المجرد من كافة الحقوق الفردية والجماعية.

احدثت اوسلو المرتبطة بخيارالدولتين تحولا كبيرا داخل المجتمع الفلسطيني الذي بات يعتمد كليا على مجتمع المانحين الذين نشطوا في تمويل هياكل الحكم الذاتي وفي تغييب غير مسبوق لاي شكل من اشكال السيادة الفلسطينية السياسية او الاقتصادية. وتخضع ضمن هذا الواقع القبيح كامل الاراضي الفلسطينية لسيطرة الاحتلال الاسرائيلي المتحكم بالمطلق بكافة الموارد اللازمة لبناء الدولة الفلسطينية المنشودة من أرض وماء وطرق وحدود ومجال جوي وطاقة وكهرباء وعلاقات تجاريه ونظام بنكي ومالي وضرائبي وموارد بشرية. كلها تخضع بدقائقها للاحتلال العسكري الاسرائيلي وبنسبة ١٠٠%. فساعد مجتمع المانحين الاحتلال من خلال تركيز المعونات في مجالات لا تشجع الانتاج ولا تؤدي الى الاستقلال الاقتصادي وتدفع المجتمع والاقتصاد الفلسطيني الى الارتهان والتبعية الكاملة للاقتصاد الاسرائيلي. فأصبحنا نستهلك مما لا ننتج ونأكل فقط مما يزرع الاحتلال ومما يسمح به ومتى يسمح به.

ان موت خيار الدولتين لا يعني موت المشروع الوطني الفلسطيني بل يعني ضرورة انتقالنا لمرحلة جديدة من النضال تتجاوزالاطر الفاشلة في العمل الوطني التي كرسها خيار اوسلو. وهذا يتطلب تطوير وعي وطني جمعي متجدد يحرر مخيلتنا السياسية ويتخلص من الاعتماد على مجتمع المانحين والنظرية الساذجة التي ترتكز على ان انظمة الحكم في المجتمع الدولي ستقوم يوما ما بالضغط السياسي اللازم على اسرائيل للانسحاب من اراضي ٦٧ وتحقيق اقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة الى جانب اسرائيل.

هذا الواقع المعقد قد يفهمه البعض للوهلة الاولى كواقع محبط. ولكنه بنظرة عميقة يمكن ان نرى فيه سبيلا للتخلص من الوهم السياسي الذي عاشه شعبنا خلال الخمسين عاما الماضية. حيث بات واضحا لنا وبالتجربة ان بناء الدولة التدريجي في إطار اوسلو وضمن خيار الدولتين قد فشل. هذا الواقع بات يفرض علينا الاسراع في التوصل الى اجماع وطني ومخيلة سياسية جديدة وموحدة لكافة ابناء الشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده في القدس والضفة وغزة والداخل وفي مخيمات اللاجئين والشتات. مخيلة سياسية تشمل بدائل اكثر واقعية وعملية لمستقبلنا ومرتكزة على المطالبة بالحقوق وتبني وسائل نضالية ترتكزعلى المطالبة السلمية لهذه الحقوق الفردية والجماعية ولكافة ابناء شعبنا وعلى كامل الارض الفلسطينية.

قد لا تحظى هذه المطالبة بالحقوق الفلسطينية بتأيد فوري من مجتمع المانحين او حكومات دول المنطقة او نظام الحكم في اسرائيل وهي جميعها لا ترتبط بالمبادئ بقدر ارتباطاتها بالمصالح. ولكن القوة الاخلاقية لهذه المطالبة المرتكزة على مفاهيم العدالة والحرية والمساواة ستلقى صدى كبيرا وفوريا من الجماهير العربية ومن المجتمعات المدنية في اوروبا والقوى الليبرالية في امريكا. وستحدث ضجيجا كبيرا في كافة عواصم ومدن وانحاء العالم بما في ذلك جزء من المجتمع الاسرائيلي. وسيكون لهذه المطالبة صدى عالميا كبيرا على غرار الحركة التضامنية الواسعة حول العالم مع انتفاضة السود في امريكا والتي اثبتت ان الانظمة القائمة على القهر والظلم والاضطهاد هي عرضة للتحدي والاضطراب وهذا ينطبق بالمطلق على الواقع الفلسطيني الاسرائيلي.

بالرغم من اننا وقعنا في مأزق اوسلو وفي مطب الانقسام وانزلقنا نحو تقييد الحريات وأحكام السيطرة الامنية على شعبنا دفاعا عن اوسلو ومتطلباتها، وبالرغم من اننا عزلنا المجتمع المدني عن المشاركة السياسية الفعالة، وبالرغم من احكام سيطرة اسرائيل على اقتصادنا ومواردنا وانتشار الاستيطان في الضفة والقدس، وبالرغم من فتور الاهتمام العربي مؤقتا بالقضية الفلسطينية وتغير الاولويات لدى بعض الدول العربية، وبالرغم من تواطؤ مجتمع المانحين وبالتحديد الدول الاوروبية في سكوتهم عن الاستيطان وعن جرائم الحرب الاسرائيلية، بالرغم من استمرار معاناة اللاجئين وحصار القدس وغزة وعزلهما عن الضفة، وبالرغم من واقع النفوذ السياسي العالمي والتفوق العسكري الاسرائيلي، بالرغم من كل ذلك فأن ارادة الشعب الفسطيني لم تنهزم وتمسكه بحقوقه راسخ وثابت. فالشعب الفلسطيني لا يتقبل لا الاحتلال الدائم ولا الرضوخ للعيش كمواطنين من الدرجة الثانية في كانتونات من الحكم الذاتي الخدماتي والاجتماعي المحدودين.

سيضع شعبنا العالم واسرائيل في استراتيجية صموده على ارضه وتمسكه بالمطالبة بحقوقه الفردية والجمعية، سيضعه امام استحقاق الرضوخ امامها. لان الامل الاوفر للقضية الفلسطينية يأتي من خلال تفعيل الضغط الشعبي العالمي المتعاطف مع حقوق شعبنا امام نظام الابرتهايد والاحتلال العسكري القمعي بدلا من التمسك الساذج بالقانون الدولي الذي لا يخدم سوى القوى العظمى واسرائيل. سيكتشف حينها نتنياهو انه بإسقاط " خيار الارض مقابل السلام " الذي قد نتفق انه وهم سياسي بانه يقامر على وهم سياسي اخر يظن انه يستطيع فرضه ويرتكز على نظريته الجديدة " السلام مقابل السلام " او وهم اخر رفعه ترامب " السلام مقابل التنمية". سيكتشف نتنياهو وترامب والعالم انهم بمقامرتهم السياسية الكبيرة في عدم وقف الاستيطان وعدم الضغط لانهاء الاحتلال الاسرائيلي، سيواجهون كابوسا سياسيا اخر لا مفر منه بسبب تفوق قوته الاخلاقية والتفاف الشارع العالمي حوله بحركة تضامن واسعة. وباستطاعاة هذا التضامن التغلب على موازين القوى الحالية الراجحة لصالح الكفة الاسرائيلية. سيواجهون الكابوس الذي تمنوا ان يبقى نائما، سيواجهون استحقاق "السلام مقابل الحقوق والعدالة والمساواة".

لكن الخطوة الاولى نحو اي استراتيجية فلسطينية مستقبلية يجب ان تبدأ باستعادة دور منظمة التحرير الفلسطينية واصلاحها وضمان شمولية تمثيلها لكل الفلسطينيين على وجه الارض وايضا ضمان شفافيتها وتفعيل مؤسساتها على اسس ديمقراطية ودفع المجتمع المدني للمشاركة السياسية الفعالة عبر اطلاق العنان لحرية التعبير عن الرأي، وفتح الابواب للفئات الشابة بالقيادة وتحقيق العدالة الاجتماعية. ويتطلب ذلك تشكيل وعي فلسطيني جماعي ورواية فلسطينية موحدة ترتكز على عدالة الحقوق الموحدة لكل الفلسطينيين.

يجب ان تؤدي اصلاحات م. ت. ف الى التفاف الشعب الفلسطيني حول استراتيجية جديدة تستطيع تجنيد وتحريك التضامن العالمي وخلق حركة تضامن ترفع فيها شعوب العالم راية هذه الحقوق العادلة لشعبنا الفلسطيني وتولد قوة جماهيرية عالمية قادرة على مجابهة العوائق الهيكلة المتمثلة بشبكة المصالح والنفوذ العالمي المساند للاحتلال ونظامه العنصري. ان تحالف العالم مع قضيتنا من منطلقها الانساني اولا ثم السياسي والاجتماعي والاقتصادي هو الوسيلة الواقعية التي تستطيع احداث الضغط اللازم و التغلب على التفوق العسكري الاسرائيلي والتواطؤ الدبلوماسي العالمي المساند له.

ان كان القرن العشرين قد شهد نجاحا ملحوظا للصهيونية فأن القرن الواحد والعشرين قادر على ان يشهد انتصارا للحقوق الفلسطينية ويسجل انتهاء الصراع الاكثر صعوبة في العالم والأطول في التاريخ الحديث.