وهج الديمقراطية

بقلم: الدكتور ناجي صادق شراب*

تساؤلات كثيرة تطرح الآن وبقوة، في ظل إدارة الرئيس ترامب وفي ما بعد الانتخابات الأمريكية، بشأن مستقبل الديمقراطية، وهل تفقد الديمقراطية بريقها وزخمها، وهل لم يعد النموذج الديمقراطي الذي تمثله النظم الغربية النظام الأمثل للحكم؟

لقد أجاب العديد من الباحثين عن هذه التساؤلات وتراوحت الإجابة بين التفاؤل والتشاؤم، لكن الإجماع كان على أن الديمقراطية ما زالت تمثل النموذج الأمثل، ولا يوجد بديل لها. الديمقراطية نموذج عالمي ليس قاصراً على دولة واحدة، وهي وإن فقدت بعض بريقها فما زالت تمثل حلماً للشعوب المقهورة في حقوقها.

والاعتقاد بتراجع الديمقراطية ينطلق من التغيرات في السياسة الداخلية للولايات المتحدة التي تقدم نفسها على أنها النموذج الديمقراطي الليبرالي، بما رأينا من الاحتجاجات الاجتماعية في أعقاب مقتل جورج فلويد، والتشكيك المسبق في نتائج الانتخابات، وتصاعد النبرة الشعبوية البيضاء، والقومية الأمريكية الجديدة، والشروخ التي أصابت المؤسسات الديمقراطية، كما في المحكمة العليا، إلا أن هذه الانتقادات لا تعني بالمطلق، انهيار النظام الديمقراطي، بقدر ما تعني إعادة تفهم الديمقراطية وماهيتها وحقيقتها، وأنها ليست نظاماً كاملاً مثالياً مطلقاً، لكنها النظام الأقل سوءاً، مقارنة بأنظمة الحكم الأخرى التوليتارية والدينية.

وأقوى ما في عناصر الديمقراطية هو أنها تقيد وتحد من ديكتاتورية الحاكم الفرد، ومن شأنها أن تكبح جماح نزعات الديكتاتورية، وتقدم النموذج الأفضل لحماية حقوق الفرد وضمان المواطنة الواحدة. ففي كثير من الدول ذات الأنظمة الديمقراطية، فقدت الأحزاب والمؤسسات وهي ركيزة الحكم الديمقراطي الكثير من بريقها، ولم تعد الشعوب راضية عن أداء القادة المنتخبين.

الولايات المتحدة فقدت حالة الإلهام الديمقراطي، والسلوك الشعبي الذي تبرزه الكثير من استطلاعات الرأي في أكثر من دولة، يشير إلى أن إلهام الديمقراطية ينمو بشكل قوي في كثير من الدول في إفريقيا وأمريكا اللاتينية والهند. وإذا كانت الديمقراطية قد فقدت بعض بريقها، فإنها لم تفقد كل بريقها. وهذا أمر طبيعي في نظام حكم يتعامل مع المتغيرات البشرية. وبشكل عام تنظر كل الشعوب في العالم للديمقراطية على أنها النظام الأفضل لإدارة الحياة المجتمعية والبشرية أكثر من غيره، لكن هذا لا يمنع من وجود حالة من السخط الشعبي على النخب الحاكمة غير المستجيبة وغير القادرة. فما زال المواطنون يذهبون للانتخابات ويدلون بأصواتهم ويطالبون بمزيد من الديمقراطية والإصلاحات السياسية والاستجابة للمطالب الشعبية، ولكن التاريخ أثبت دائماً أنه في صف المضطهدين وليس في صف الطغاة.

التحديات كثيرة من قبل الحركات الشعبوية والأقليات العنصرية البيضاء. ولا شك في أن الديمقراطية تستمد جاذبيتها من القدرة على التكيف والاستجابة لرغبات وحاجات وآمال مواطنيها، ومن قدرتها على وضع الرجال الأقوياء على قمة السلطة، إلا أن المشكلة اليوم كما في النموذج «الترامبي»، هي أن القادة لم يشجعوا على التمسك بالقيم الديمقراطية، كما أن عامة الشعب يظهرون ميلاً والتزاماً أقل بالديمقراطية.

فمطلب الانتخابات ما زال يشتد ويقوى ويتحول إلى مطلب عالمي. ويبقى أن الديمقراطية ليست هي النموذج الوحيد في العالم الصالح للعمل، فهناك كثير من الأنظمة التي تنافس وتقدم نفسها على أنها الأقوى والأقدر والأكثر كفاءة في معالجة التحديدات، كما نرى في النموذج الصيني الذي يقدم نفسه من منظور الكفاءة والقدرة. وكما حاجج هنري لويس مؤسس مجلة «التايم» بأن الولايات المتحدة هزمت النازية والشيوعية ليس بقوتها، ولكن بقوة النظام الديمقراطي الليبرالي الذي نجحت في نشره، وحيث ازدهرت الديمقراطية سادت أمريكا، وارتبطت عملية التحول الديمقراطي بالتمسك بالقيم الديمقراطية التي مثلها النظام الأمريكي.

والديمقراطية كسبت بسبب نجاحها في تقديم النموذج الأمثل للنجاح الاقتصادي والجيوبوليتيكي.

واليوم أصبحت الديمقراطية أكثر سوءاً في تحسين مستويات المعيشة. ولقد تغيرت معايير التقييم والأداء بعد كورونا، لتظهر منافسات قوية لها. وبقدر الانتصار على الشعبوية والعنصرية واستعادة بريق القيم الديمقراطية، بقدر نجاح أو خسارة الديمقراطية في معركة البقاء السياسي.

*استاذ علوم سياسية - غزة