الأسير محمد غوادرة.. "خطأ طبيّ!" يتهدد بصره، وشقيقه يعتبر ذلك جريمة مقصودة

جنين– "القدس" دوت كوم- علي سمودي– من خلال تجربته وحياته ومشاهداته خلف القضبان، يؤكد الأسير المحرر علاء توفيق غوادرة

أن ما يتعرض له شقيقه الأسير محمد المحكوم بالسجن المؤبد جريمة منظمة لاغتياله وتصفيته، رافضاً بشدة مزاعم الاحتلال أنّ ما حدث خطأ طبي.

المحرر علاء الذي أمضى عامين خلف القضبان، ويعتبر شاهداً حياً على انتهاكات الاحتلال الخطيرة لحقوق الأسرى، يقول: "شقيقي محمد تمتّع طوال حياته بصحة ممتازة ولياقة بدنية، لم يُعانِ من أي أمراض حتى خلال مطاردته ولدى اعتقاله، وبعد رحلة التحقيق القاسية التي تعرض لها، اشتكى من أوجاع في ضرسة بسبب التهاب".

ويضيف: "نقلوه لعيادة الإدارة في سجن هداريم للعلاج، لكنهم حقنوه بإبرة فيها فيروس ملوث ومجهول، وبعد العلاج تدهورت حالة محمد الصحية، وعانى من أوجاع مستمرة وتفاقمت حالته، وبعد احتجاج الأسرى نقلوه إلى عيادة سجن الرملة".

مضاعفات خطيرة..

بعد الفحوصات، زعمت الإدارة أن هناك خطأ طبياً دفع ثمنه غالياً بفقدان الروية بنسبة 60% بالعين اليمنى و20% بالعين اليسرى.

ويقول علاء: "رغم مرور فترة طويلة، لم يحظَ شقيقي بأدنى رعاية صحية، وبشكل مستمر يعاني من مضاعفات هذه الجريمة التي تستهدف الانتقام منه، وكأن حكمه التعسفي الظالم غير كافٍ للاحتلال الذي يرفض علاجه لكي يفقد بصره بالكامل".

ويضيق: "لا يوجد هناك خطأ طبي في العلاج، وإنما جريمة منظمة لاغتيال الأسرى وعقابهم على بطولاتهم ورفضهم ومقاومتهم للاحتلال، فالعيادات تنفذ سياسات المخابرات ومخابراته لإعدام المناضلين وتصفيتهم".

من حياة محمد..

قبل 39 عاماً، أبصر محمد النور في قرية بئر الباشا، جنوبيّ جنين، عاش وسط عائلةٍ مناضلةٍ وصابرةٍ فُجعت بوفاة رب الأسرة إثر جلطة حادة على القلب، فأكملت رفيقة دربه الوالدة فاطمة "أُم علام" المشوار برعاية وتربية وتعليم أبنائها رغم ما تعانيه من أمراض مزمنة.

ويقول شقيقه علام: "والدتنا ضحت وتحملت الكثير، وسط هذه الظروف نشأ وعاش محمد الذي تعلم بمدارس قريتنا حتى أنهى الثانوية العامة بنجاح، ثم انتسب إلى الوحدات الخاصة في الشرطة الفلسطينية".

ويضيف: "تميز محمد بالبر والأخلاق الحميدة، تمتع بالشجاعة والشهامة وسمات القيادة، تفانى دوماً في مساعدة الناس وعمل الخير، وغيابه ترك فراغاً في حياتنا وحياة الأحبة من حولنا".

انتفاضة الأقصى ..

محمد الذي انتمى لحركة "فتح" لم يتردد في تلبية النداء عندما اندلعت انتفاضة الأقصى، ويقول علام: "تمتع بروح نضالية وقتالية عالية، لم يتأخر عن معركة ومواجهة مع الاحتلال الذي أدرج اسمه على رأس قائمة المطلوبين، رفض الاستسلام وأكمل المشوار مقاتلاً صلباً".

ويضيف: "لم يتوقف الاحتلال عن ملاحقته ونصب الكمائن له، على مدار 4 سنوات متتالية عشنا كوابيس قلق ورعب على حياته في ظل التهديدات المستمرة".

الكمين والاعتقال..

فجر تاريخ 26/ 1/ 2004، حاصر الاحتلال قرية بئر الباشا، وشن حملات دهم وتفتيش بمشاركة مئات الجنود والكلاب البوليسة حتى تمكّن من اعتقال محمد.

ويقول شقيقه علا:ء "اقتادوه إلى أقبية التحقيق في سجن الجلمة ليخوض رحلة ومعركة طويلة استمرت عدة أشهر وسط العزل ومنع الزيارات وانقطاع أخباره حتى بدأت محاكمته".

ويضيف: "عشنا معاناةً على مدار عامين بين المحاكم، حتى حوكم بالسجن المؤبد 3 مرات، إضافة إلى 35 عاماً، فشعرنا بصدمة كبيرة وقاسية، وحتى اليوم لم نصدق وما زلنا نعيش في متاهة ووجع وحزن".

استهداف العائلة..

استمر الاحتلال في استهداف عائلته حتى بعد حكم محمد، ويقول المحرر علاء: "لم يتركنا الاحتلال بحالنا، وأصبحنا نعيش في كابوس مستمر، فكل شهرين أو ثلاثة يتعرض منزلنا للدهم وتدمير محتوياته، ويُهددوننا بهدمه".

ويضيف: "أصبحوا يعتقلوننا الواحد تلو الآخر دون مراعاة لظروفنا وأوضاعنا وحياة عائلتنا التي أصبحت ترتبط بالسجون، فمرت فترات ونحن جميعاً خلف القضبان".

ويتابع علاء: "شقيقي عصام قضى عاماً ونصف العام، وصايل محكوم بالسجن 4 أعوام ونصف العام، ويوسف اعتُقل لمدة عامين ونصف العام، وعلي قضى 3 أعوام وتحرر وهو يعاني من مرض في الأعصاب بسبب التحقيق".

ويتابع: "لم تتوقف المداهمات والاعتقالات، فطالت شقيقيّ عمار وعاصم اللذين أمضيا عاماً ونصف العام في المعتقلات، ولم تكن تجف دموع والدتي التي حرمها الاحتلال أولادها واحداً تلو الآخر".

محمد والتعليم..

تنقّل محمد بين كافة السجون حتى استقر منذ فترة في سجن "نفحة" الصحراوي.

ويقول شقيقه علاء: "رغم المرض والألم، تحدى الاحتلال والسجن بالتعليم، فحقق النجاح في الثانوية العامة ثم انتسب لجامعة القدس المفتوحة وحصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية".

ويضيف: "حالياً يُكمل محمد دراسة الماجستير، كما يستثمر وقته في المطالعة والكتابة عن الأسرى ومعاناتهم في السجن وظلم السجان، ويركز على واقع المرضى والجرحى، ويوثق تجربة حياته وألمه ومرضه وصموده خلف القضبان".

صور أُخرى..

منذ اعتقال محمد، لم تتوقف والدته المريضة عن زيارته حتى حلت جائحة "كورونا"، فكل العائلة ممنوعة أمنياً ما عدا والدته.

ويقول علاء: "تسُود منزلنا وحياتنا مشاعر حزن تزداد في المناسبات والأفراح، فوالدتي تبكي بشكلٍ دائمٍ لغياب محمد، ولم تفرح كما يجب عندما تزوج أبناؤها وبناتها السبعة، والمؤلم أن إحدى شقيقاتي أصبحت جدة وشقيقي خلف القضبان".

ويضيف: "والدتي أصبحت حالياً جدةً لـ100 حفيد، لا يعرفون خالهم وعمهم محمد إلا عن طريق الصور، فالاحتلال لا يراعي قرابتهم ويمنعهم من زيارته، بذريعة أنهم ممنوعون أمنياً، وهناك من شقيقاتنا من تزوج أولادهن وأصبحن جدات أيضاً".

ويتابع علاء: "ندعو الله أن يُفرّج كرب محمد، وأن يكون معنا قريباً ومع شقيقنا وليد الذي لم يفرح بعقد قرانه، ورغم استهداف الاحتلال لنا، لكن الله معنا ولن يتركنا، وثقتنا كبيرة أن الفرج قريب لكافة الأسرى".