الزَّجّاجُ الصُّوفيّ ومِصيدة الصّخبِ في "يَكتُبُ بِخَطٍ قَلِق" للمتوكل طه

بقلم: مهنّد ذويب

إنّ فِعْلَ الكِتابةِ يستوعِبُ كُلَّ أشكالِ الممارسات والتّجليّات النصّيّة؛ لذا فإنّ أيَّ محاولةٍ للتّصنيف أو التّجنيس ما هي إلّا استقراءٌ للخصائصِ البارزةِ في هذه "الكتابة". ولستُ أبالغُ إن قلتُ إنّ كلّ كتابةٍ سَردٌ، أو بتعبير د.سعيد يقطين: "السّرد فعلٌ لا حدود له"، وذلك كمحاولةٍ لتوسيعِ ما وسَّعَهُ رولان بارت أصلاً في مفهوم السَّرْد الذي حرَّرَهُ من النّظريّة الأدبيّة، وأدرَجَهُ ضمن نظرية سميوطيقية تشتغل على مجالاتٍ أوسع من الاهتمام بالشّكل والدّلالة، تضمُّ بالإضافة إلى الرواية والقصة؛ السينما والمسرح والتشكيل.. إلخ، وتهتمّ بمستوياتٍ أخرى أكثر عمقاً وتحليلاً؛ كدراسة تيار الوعي، والشّعرية، والتبئير، وتوظيف التراث مثلاً.

ما أقصده هنا، هو أنّني أتعامَلُ مع ما كُتِبَ في "يكتبُ بخطٍ قلِق"، (المتوكل طه، دار خطوط وظلال، عمّان، 2020) على أنّها نصوصٌ سرديّةٌ "خام"/ "غير مصنَّفَةٍ(Uncategorized)" يمكن بحثُها وقراءتُها بناءً على مظاهر الشّعريّة، أو القَصّ أو تداخُل الغرائبيّ بالواقع أو الأسطورة أو التاريخ أو الفلسفة.. وغيرها من "الظّواهر المؤسّسة" إن صحَّ التّوصيف، ثمّ محاولة فهم هذا "السّرد" وتحليل دلالاتِه من خِلال عدسة "الظاهرة المؤسّسة" بناءً على الحُمولات المعرفيّة والإيدولوجيّة.

هذه المقدّمة، لأشيرَ إلى أنّ تجربة د. المتوكل طه في هذا العمل استمدّت فرادتَها وتميُّزَها من تنوّع الأساليب والدّلالات والأشكال بين دفّتيها؛ فكلّ "قطعةٍ" أو "مقطوعةٍ" داخل العمل كيانٌ قائمٌ بذاتِهِ سرديّاً وإبداعيّاً ودلاليّاً غير أنّ خيطاً دقيقاً ليسَ مرئيّاً تماماً وحَّدَها لتُشَكِّلَ كتلةً واحدةً من الجمال والإبداع، لهذا فإنّني في هذا المقال أحاوِلُ فقط استقراءَ بعض الملامح السيميائيّة في الغلاف والعنوان، ثمَّ تسليط الضّوء على ملامح السّرد الصّوفيّ في بعض النّصوص، إضافةً إلى الإبداع في الإحالات السّياسيّة المفتوحة على التأويل.

والكتاب مقسَّمٌ إلى خمسة أبوابٍ أو أجزاء، أوّلها "نصوص الرّغبة" وجاءت تحت عنوان "تستَقْبِلُني بجسَدِها الجَرَس"، ثمّ "نصوص المريد" تحت عنوان "سعادة الماء"، وبعدها "نصوص الباب" تحت عنوان "ليلٌ نهاريّ"، ثمّ "نصوص الأنا" تحت عنوان "استدراكات"، وأخيرًا "نصوص سور الصّين العظيم" تحت عنوان "صورةٌ ملوّنةٌ للباندا".

مصيدَةُ الصّخب

العنوان عتبةُ النّص، فهو يعطي القارئ لمحةً عن محتوى العمل الأدبيّ، متضافراً مع الصّورة البصرية الموضوعة على الغلاف، وهو اللّحظة الأولى والبِكر لولوج القارئ للعمل ككُلّ. ف"يكتبُ" المضارِعةُ للاستمرار وعموم الفِعل، بفاعلها المستتر المحذوفِ جوازاً للعلمِ به، والكتابةُ فِعْلُ القلق، إعصارٌ تأمُّليّ، ومخاضٌ عسيرٌ مصحوبٌ بأوجاعٍ لا نهاية لها، والكتابة نبتةٌ بريَّةٌ متوحِشَةٌ تنمو بالضرورة خارج إيقاع المعتادِ والزَّمَن الخطّيّ، لكنّ د. طه يؤكّد أنّه يكتب بالخَط، والخطّ استقامة، وخامة الرّسم والأحرفِ الأولى، والخطّ الطريقة وأثرُ نعمة المطر في الأرض، لكنّه خطٌّ أفلَتَ من فعل الكتابةِ وانحازَ مضافاً إلى القلق، ليحيلَ ضمناً إلى عمّنا المتنبي "على قلقٍ كأنّ الريح تحتي"، وليؤكّد أنّ قلقَ الكتابة لا ينفكُّ يجدّد الأسئلة، ويرمّم الذات، ويعيد تركيب العالم بمشهديَّتِه وقضاياه من جديد، وبوجهةِ نظرِ/ قلَقِ صاحبِ النّص.

العنوان هادئٌ منسابٌ، يَشي بصخبٍ قليلٍ في الدّاخل، لكنّه حقيقةً هدوءُ ما قبل عاصِفة النّص، وحفاظاً على صدمةٍ أو مصيدةٍ كهذِه، أخَّرَ المتوكل تبريرَ صخبِ كلماتِه ووقعها الرّنان/ الجَرَس إلى النّهايات، يقول: "القلقُ وصمْتُ الأيقونةِ وعيدُ الرّبيع وسخرية الوحدة.. مفرداتٌ تختبئُ وراء الصّخب"، وصخبَ فنِّهِ السّرديّ المميّز والمتنوّع، فيقول: "الكتابةُ مثل صناعة الزّجاج، لن تنتِجَ منها قطعةً متشابهةً.. وفي كلّ مرّةٍ تَلُفّ الحروفُ السماءَ حول جسدِها.. وتصعَدُ.. لتجلِسَ على كوكبٍ جديد". والصّخب ليسَ في الكثافة والمعنى فقط، بل هو صخبٌ في المفردات ووقعِها على السّمع والنّفس، وفي التّراكيب والصّور الفنيّة، فقد ورد مثلاً: "الصّهد، أسدافُ الغبار، راقاتُ الزّمن، أغلال الخيبة، القيعان الرّانِخة، المطر الملتهب، بيته المذبوح"، وغيرها من الألفاظ والتّراكيب ذات الأثر العميق في النّفس، والتّعبير الدّقيق عن مرحلةٍ يُعايشها الكاتب ونعيشها جميعاً.

أمّا الصّورة البصريّة فانحازَت إلى صخبِ النّص، فلا يُمْكِنُ لها أن تكون محايدةً أو لا تخدم هدفَ تشييدِ المعنى أو مستوى توقُّعات القارئ فيما يُمْكِنُ إدراجُهُ في باب سوسيولوجيا الثقافة، فجاءت متَّشِحَةً بالأسوَد، بلا ملامِحَ واضِحةٍ أو بارزةٍ، فقد تَشي بحالة صَلبٍ مشوَّهَةٍ برأسٍ إلى اليسار، وكتفٍ إلى الأعلى، أو قد تكون صرخةً "لا" مشوّهةً أيضاً ترتبطُ بخطوطٍ وكتابةٍ غير واضِحةٍ تدرَّجَتْ بين الأسود والرّماديّ وظلّ الأبيض، تحيلُ إلى النّص بصورةٍ مباشرةٍ، في قضاياهُ، وتنوّع أشكاله السّرديّة، واختلافِ موضوعاتِه، وعلى الغلافِ الخلفيّ جاءت اللّوحة مصغّرةً مكرّرة إلى جانب تقديم د. راشِد عيسى، الذي قال فيه: "تنهض الكتابة الخلّاقة في هذا السِّفْر على تقانةِ النثر المقدَّس من حيث جَلال المجاز، ومَكْر الكتابة، وانفتاح التأويل، فيتجوَّل المتوكل طه في نصوصٍ خارجةٍ على أجناسها: من الإبيجراما، والومضة المستقلة، والكبسولة القصصية، والمشهد الفانتازي، والمرايا الغرائبية، وذلك بحِنْكَةِ خزّافٍ لُغَويٍّ شوّافٍ عرّاف، وبتخييلٍ شاعريٍّ باسقٍ مثقَّفٍ..."

حين يكتب الشّيخُ "نصوص المُريد"

في الرّحلة المتأمِّلة بين النّصوص نلمحُ رحلةً أخرى سَلكَها الكاتب متجرِّداً من كلّ ما يربط ذاتَهُ السّالكة بالدّنيا وملذاتِها، فسَمَتْ روحُهُ ولُغَتُهُ نَحو المَعارج، صوفيّاً يرحَلُ إلى ذاتِه المطلقة، و"الصّوفيُّ مَن صَفَت سريرته"، والمعراج "سلوكُ الرّوح إلى بارئِها عبر مقاماتٍ مخصوصةٍ"، والكاتِب الشّيخ أكَّدَ بلسان المريد على هذا، يقول: "ولا بد من عطشٍ ورغبةٍ لدورة ولاداتٍ متجدِّدَةٍ هي "الفيض الكرميّ" طالما بقي الألم، بمعنى أن إفناء الرغبات وأسبابها هو الغاية الكبرى للوصول إلى النيرفانا"، وأشار إلى ضرورة هذه الرّحلة، فقال: "لا بُدَّ من العبور إلى عالم الخلاص من عالم الألم، أو التأمُّل والتبصُّر، من قلب الشيخ إلى قلب المريد، بعد أن نرمي قفطان الرغبات ونتجرَّد من الوردة الصفراء، ونشْهَقُ مُعْجَبينَ بالعُلُوّ".

لذلك يُمْكِنُني أن أعتبِرَ "سعادة الماء" سرداً صوفيّاً استنهَضَ فيه الكاتِب حواسّاً جديدةً خاصّةً سَبَرَ من خلالها غورَ نفسه، وارتَحَلَ من الخارج للداخِل نحو رُوحِهِ، وتقصَّى أعماق الوُجودِ الإنسانيّ للوصول إلى الإثارة والمفارقة، بلغةٍ خاصَّةٍ كثيفةٍ وعميقةٍ، مقتَرِباً من "أدب العروج"، وحكمة الشّيخ، ورِقّة المريد وإلحاحِه في طلب المعرفة.

توسَّعَ الصُّوفيّون في معنى المعراج إلى كلّ ما يحتوي دلالةَ التّرقي سواءً أكان معنوياً أو حسيّاً، يقول ابن عربي: "يعرجُ الصّوفيّ بهِمَّتِهِ وبصيرَتِهِ على بُراقِ عَمَلِه"، ولابن عربي عروجه الشّهير "الإسرا في مقام الأسرى"، وللمتوكّل طه عروجه إلى حكمة عالم الخلاص، يقول:

"ثم ألِجُ خلوةَ الأربعين (الظُلمةُ قَبْرٌ، والخِرْقة كفَنٌ)، ودربي سُلَّمٌ وأنا السالك إلى السماء، بالجذبةِ أو صدمة الكشف، وعيوني كؤوسُ دَمٍ. أصبر وأرضى وأرجو، وثمَّةَ سبعون ألف حجاب من النور والظلمة، تلك التي تفصل الإنسانَ عن الله سبحانه وتعالى".

ويُضيف:

"كتبوا شغفَهُم على قمصان السماء، ونقَشوا انتصاراتِهم على حيطان الهواء، وثَملوا من النّحل الذي أخذهم طيوراً إلى الشمس، وكان مجراهم سماويّاً اندفَعَ بجموحٍ حتى طبّق الآفاق.. كأن "المحبّة أعلى من المعرفة".

ويقول أيضاً:

"سأصعدُ إلى ذاك القصر الصخري في غبش الغمام، فأرى المتبتِّلَ في تأمُّلِهِ ومجاهداته، يرقَى ويصعَدُ ويذوبُ. وثمَّةَ مَن يكرز بعصاه ويدير خدَّهُ الأيمن بعد الأيسر ويُحِبّ عدوه! و"أغْرَبُ الغرباء مَن صار غريباً في وطنه.. سِرُّه عَلَن، وخوفهُ وَطَن".

هذا التّميّز في اللّغة، والسّرد الصّوفيّ المباشر المرتبط بالنّفس معراجها، رصَّعَهُ الكاتب بروحٍ صوفيّةٍ حاضّةٍ على البِرّ والخُلق، بحكمةٍ فريدةٍ تُضافُ بكلّ الأحوال إلى خلاصاتِ "نصوص الأنا"، يقول: فلا تركَنْ إلى أنَّ حَبْلكَ ممدودٌ مع السماء، ذلك أنَ النجوى لا خير فيها إن لم تتبعُها صدقةٌ أو إصلاح. فاركبْ عصا الخدمة لله وفي الله وبالله ، واحرِصْ على أن تبيتَ وتصحُو وما مِن شحناءَ في صدرك على إخوتك وأهل بلدتك. وانظُرْ إلى موقع قدَمِك إلى أين تمضي بك، إلى ما يُرضي الله سبحانه أم إلى ما يُغضِبُ صاحب الأكوان. وانتبه إلى لسانك واحرصْ على هدوئه ونقائه وأناقة مفرداته، حتى تنطق بما يُرضي علاّم الغيوب المُتجلّي على عرشه العظيم".

والغريب الجميل، أنّ ثمّة مسحة صوفيّة أخرى في مكانٍ مختلفٍ تماماً، نلمَحُها في "تستقبلني بجسدها الجَرس"، عبر الغزل العذريّ وغير العذريّ في آنٍ واحدٍ، فهو وإن استمتع بالجمال الضّاجّ والمتفجّر في الكائِن المبهر: المرأة، إلّا أنّه لم "يظفر بليلةٍ كاملةٍ"، وكانت أكبر جرأةٍ لديه "هَرَبُه من بيتها حين استقبلَتْهُ بجسدها الجرس"، يقول:

" إنني سِرُّ معراجِها

حين تعلو

والجناحان والهوا والسماءُ.

أعتليها، على شهوة النارِ، ثلجاً

فتدور الأمواهُ والأنواءُ .

أعتليها، كما يشاءُ جنوني،

أو كما ترتضي،

ويبغي الإناءُ".

ويقول أيضاً:

"تتثاءب، وتمُطُّ ذراعيها، وتعتَدِلُ في مِشْيَتِها، وتخرجُ مبلولةً بالمشمش، وتستعيدُ ما جرى! كانا اثنين؛ واحدٌ معها، وآخرُ جاءت به لتحتَمِلَ اللعبة. وكانت تتخيّلُ الغائب حاضراً برضابه وأعمِدَتِه ومُعابثاته.. وتسقط دمعةٌ على الرّخام، لقد ارتفعت شآبيب النّار، واحتَرَقَ اللّيلُ تماماً".

لا "نعرفُ" المدينة!

لا يشغل الفِلسطينيَّ شيءٌ أكثرَ من فلسطينيَّتِه، فهي الحاضرة في كيانِه وكلامِه وخطابِه وسياقاتِ إبداعِه، ويؤلِمُه ما آلت إليه قضيَّتُها بعد ثوراتٍ متلاحِقة قدَّمَ فيها خِيرةَ ما عنده، والمتوكل طه من جيلٍ عايَشَ عنفوان الثّورة في الأرض المحتلّة بشخوصِها ووَهَجِ شعاراتها، لكنّه وبعد الخيبة ظلّ "مع القلائل الذين يحفظون الأغنية ويُعلّقون الخنجر الأرضي في رقابهم"، ورغم أيّامه خارج الزّمن، التي قرأتُها من وقتٍ غير بعيد، إلّا أنّه لا يستطيع استيعابَ أيامِ المدينة الجديدة، فكأنه لم يَعُدْ يَعْرِفُها ويُحِسُّ بالغربة والاغتراب عنها، يقول:

"وصلتُها البارحة، ولم أجزِمْ بعدُ؛

هل هي بيتٌ للمُسنّين الذين فقدوا الحكمة،

أم مرقصٌ لحفلةٍ تنكريةٍ دائمةٍ،

أم محفلٌ للقراصنةِ الذين يتاجرون بالأقنعة والدم،

لا أعرف المدينة!

فمنذ ربع قرن، وهي تضيقُ.. مثل أرخبيلٍ مالح".

وفي بعضِ النّصوص المفتوحة على الإحالة والتأويل، نجِدُهُ يقول:

"عضو الجسد السادر في الميوعةِ

أو الجعجعةِ أو الهدوء المشبوه.. واحد!

يتعدّد بالمركبات والحسابات والقصور،

ويحرص على وجبات الشيطان،

ويدعو شعبَهُ إلى الصّيام".

لكنّه، وهو الذي يُحِبُّ أن نُعَرِّفَهُ بالشّاعر؛ لأنّ الشاعر يُضْمِرُ الرّائي في داخِله، لا يفقد الأمل، وينْشُرُ نبوءَتَهُ بالخلاص الحتميّ، فيقول:

"الغابة مُشرَعَةٌ، والحطّابُ لديه الكبريت.

والشتاءُ يدعو إلى وليمةِ الدرّاق.

والمشهدُ على حاله؛

مَن لديه اشتعال الوقت.

وللنار طقوسٌ،

ولِجَنْيِ الكرز المخفيّ في الجذع لهفةُ الخلاص".

ختاماً، فهذه محاولةٌ بسيطةٌ لاستقراء بعضِ الملامِح المميّزة في هذا العمل الذي يزخر بالإبداع والتّفرُّد، فما زال في الإمكان الحديث عن الشّعريّة العالية، ومقاربة بعض النّصوص بقصيدة الكتلة الفرنسيّة، وعن القصّ، والغرائبي، وحضور الأسطورة، وغيرها من الملامِح الإبداعيّة التي خطَّها الزّجّاجُ المُتقِنُ، والنّحاتُ المُصوِّرُ، والصّوفيُّ المتبصِّرُ العاشقُ، والشاعر الرائي د. المتوكل طه الذي يقول: "إذا أعجَبَتْكَ هذه الكلمات! فقد حقَّقَتْ هدفَها، وإذا كَرِهْتَها.. فيكفي أنها حرَّكَتْ فيك شيئاً تعرِفُ عكْسَهُ".