فتح.... وسجن الماضي

بقلم:نبيل عمرو

لم يحدث في تاريخ الثورات ان حظيت حركة طليعية مؤسسة بما حظيت فيه حركة فتح عند الفلسطينيين والعرب والعالم.

ذلك لم يكن بفعل الوفرة المالية ولا الدعم الخارجي ولا حتى الطروحات المعتدلة التي تقدمت بها الحركة منذ تأسيسها وعلى مدى كل مراحل نموها وانتشارها.

حركة فتح تبوأت موقعها القيادي المركزي خصوصا في زمن المنفى من خلال تبني شعبها أولا لها، ومن خلال نجاحها في تقديم رد مقنع على هزيمة الخامس من حزيران 1967، قدمته بالقول والفعل وتوجته بمعركة الكرامة المجيدة، التي قالت في الوقت المناسب ان الهزيمة ليست قدرا لا راد له، وان كسر شوكة إسرائيل المعتدية والمحتلة امر ممكن حتى لو لم تتوفر الأسلحة الموازية لما هو متوفر لدى إسرائيل.

لست في هذه المقالة مضطرا على ان اسرد تاريخ فتح المعاصر فهو في اشد حالات الاختصار يحتاج الى مجلدات الا انني قصدت بهذه المقدمة التي لا يخالفني فيها احد ان اقارن بين الامس البعيد والامس القريب والحاضر الراهن.

اذا كانت معركة الكرامة المشتركة مع الأردن الشقيق رسالة نجاح ورهان تستحق ان يحتذى بها، فإن بالأمس القريب مآثر جعلت حركة فتح ليست ملكا لاعضائها او لقواتها المسلحة او لمؤسساتها التي كانت اقوى من مؤسسات دول بل تطورت لتصبح تنظيم من لا تنظيم له وملاذا حتى للتنظيمات الأصغر منها فمدت يد الشراكة للجميع في كل المؤسسات واذا كانت انتجت اغنية "انا ابن فتح ما هتفت لغيرها" فقد مارست هذه الاغنية مع كل من أراد الاستيلاء على قرارها وتجييرها كتابع في محاور الاجندات والنفوذ الا انها هتفت كثيرا لغيرها من الفلسطينيين ولم تتخلى يوما عن شراكتها لهم دون الالتفات الى الحجم والثقل والامكانيات.

هذا باختصار ما كانت عليه فتح في الزمن الصعب، زمن المنافي والمعارك التي لا تتوقف ، ومعظمها كان دفاعا عن قيادتها للفلسطينيين وتمثيل منظمة التحرير لها ولهم.

والان وانا من الذين عاشوا القديم والمتوسط والراهن في حركة فتح وشاركوا قدر ما استطاعوا في جهدها على جميع الاتجاهات والمستويات، لن اسكن في بيوت الماضي مهما كانت واسعة ومريحة فالماضي ان ظل هو الرصيد الوحيد فالنتيجة افلاس في الحاضر والمستقبل لأن الماضي في التجارب الحية يجب ان يكون درسا لا مؤهلا وحيدا لاثبات الجدارة بالقيادة، والماضي يصلح بأن نقارنه بالحاضر كي نضع أيدينا على الاسباب الحقيقية للتراجع وفقدان المقومات الراسخة للقيادة وإنجاز الأهداف.

لم يكن مُتخيلا ان تنتج فتح مشروعا سياسيا وتقدمه للجمهور على انه الخطوة قبل الأخيرة لتحقيق الاستقلال الوطني، وبعد سنوات قليلة تقع الحركة العظيمة المؤسسة وصانعة كل الإنجازات الوطنية في فشل انتخابي حير العالم في حينه واربك الحياة السياسية الفلسطينية على نحو متواصل نرى تداعياته السلبية قائمة حتى الان، قد لا نتخيل امرا ونحسبه مستحيل الحدوث لتكشف لنا قوانين الحياة ان ما لم نتخيل تحقق بالفعل، وهنا اود ان اعالج الامر بصيغة الأسئلة ولدي ثقة بأن كل من عرف فتح وانتمى اليها وراهن عليها سيجد الجواب دون عناء يذكر.

لماذا ضعفت فتح الى هذا الحد؟

لماذا قوي منافسوها الى ما هم عليه الان؟

لماذا غادر إطارات فتح من الكوادر والقيادات وصناع التجربة المجيدة بما هو اكبر بكثير نوعا وعددا من اللذين بقوا في الإطارات؟

هذه أسئلة كبيرة وتحتها مئات الأسئلة الفرعية والحيوية، وانا لا اطرح هذه الأسئلة من موقع التعصب لحركة عشت فيها كل عمري وانا لست ممن يرفعون شعار مع فتح ظالمة او مظلومة، لأنني اربط مكانة هذه الحركة وتاريخها وانجازاتها ووعودها بآمال الفلسطينيين جميعا في الحرية والاستقلال، وهذا اسمى ما سعت اليه فتح وقدمت جهدها ودمها وعرقها من اجل بلوغه مع كل الفلسطينيين و من اجل كل الفلسطينيين.

ان هذه الحركة مطالبة بوقفة مع الذات وتلمّس شجاع للاخفاقات قبل الإنجازات، ليس من اجل ان تفوز بالسلطة وانما من اجل ما هو اكبر من ذلك واعمق.... ان تحقق مع كل الوطنيين الفلسطينيين هدفها الكبير في الحرية والاستقلال لكل الوطن والشعب.

أخيرا... ان الماضي يكون سجنا اذا ما كان كل شيء في حياتنا، ويكون انتاجا لفضاء رحب اذا ما تمت الاستفادة من تجاربه وخصوصا السلبية منها.