الانتخابات خطوة أولى نحو تحقيق إصلاح ديموقراطي شامل!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

جاء في الأنباء أن اتفاقا جرى بين حركتي فتح وحماس وبمباركة من الفصائل الفلسطينية، على إجراء انتخابات فلسطينية قريبة للمجلس التشريعي، والمجمدة منذ أكثر من عقد من الزمان، وأن الرئيس سيصدر مرسوم الانتخابات القائم على التمثيل النسبي لكل فلسطين باعتبارها دائرة واحدة، في القريب العاجل.

وكانت الإنتخابات الأخيرة قد جرت في عام 2006. وبعدها حدثت الفاجعة المتمثلة بالإنفصال وما تلاها من مصائب سياسية ترامبية وعربية وكوارث اقتصادية.

الوصول لسدة الحكم في التاريخ الإنساني أتى من خلال طرق عدة ووسائل مختلفة. فالبعض اختار القوة اسلوباً، وآخرون اختاروا المال طريقاً، ومنهم من اختار الدهاء والمكر منهجاً، وبعضهم وصل إرثا، وآخرون نسبوه للعناية الإلهية دربا. لكن الإنتخاب سواء على إطار المجلس التشريعي أو الرئاسة أو البلديات أو الجمعيات أو النقابات أو الأندية كان هو السباق والمفضل والحاسم.

دعونا نقرر ابتداء أن الانتخاب هي الوسيلة الديموقراطية الوحيدة لإسناد السلطة السياسية في العصر الحديث، وما عداه وسائل أوتوقراطية غير ديموقراطية. ولم تستطع اية وسيلة الحلول محله من حيث الشرعية والقانون. ومهما قيل من مديح في وسائل أخرى فهي لن ترتقي لقوة الانتخاب وشرعيته وقوته الإسنادية لأية سلطة. ولا يستطيع أحد إنكار شرعية أية جهة إذا ما كانت منتخبة من قبل الشعب، من هنا تأتي أهمية الإنتخابات في وقتها ومكانها. فالتعيين وسيلة غير ديموقراطية بل أوتوقراطية، فمن يعين يدين في تعيينه لمن عينه، بينما من انتخب يدين لمن انتخبه ويعمل لصالحه أملا في إعادة انتخابه في الدورة الإنتخابية الجديدة.

غني عن البيان أن الانتخاب دوري وسري وله أشكال عدة لن نخوض بها في هذه العجالة. ولعل نظرة على الانتخابات القادمة القريبة في الولايات المتحدة تشير إلى تلك الطريقة البائدة، فليس هناك انتخاب يجري بهذه الطريقة في العالم أجمع ولكنها ما زالت تستعمل في أمريكا. بينما تستعمل فرنسا نظام الأغلبية المطلقة وتعتمد بريطانيا نظام الأغلبية البسيطة وإيطاليا التمثيل النسبي. فكل نظام له مزايا وعيوب وطرأت عليه تطورات جمة.

الزعم بالانتخاب مدى الحياة ، أو لفترة طويلة ، بدون تجديد دورة الإنتخاب مهما كانت الظروف والأوضاع هو انتقاص للشرعية ونفي لها. وتتوقف شرعية الشخص المنتخب أو المجلس المتخب بنهاية المدة المرسومة له قانونا. فليس شرعيا وغير مقبول أن يقال أن المجلس المركزي أو اللجنة التنفيذية مددت زمن المجلس التشريعي المنتخب. فهذا كلام غير قانوني وهو كلام سياسي، مهما سيقت له المبررات وجملت له الألفاظ مدحا وثناء.

يجب أن نقرر أن الانتخاب وسيلة وليست غاية. فهو وسيلة لإفراز أناس منتخبين يمثلون الشعب أو الأمة في مصالحها وتقرير الأمور الجوهرية بالنيابة عنها. لذا يجب الابتعاد عن الظن بأن الإنتخاب هو آخر المشوار، وكفى الله المؤمنين القتال. مثله الإعتقاد أن الإنتخاب لجولة واحدة وينتهي الأمر. كلا الأمرين خاطئان، فالانتخاب هي بداية الطريق وهي وكالة عن الأمة من أجل تحقيق أمانيها وآمالها.

الخطوة الشرعية الأولى تبدأ بالانتخاب الحر المباشر السري النزيه القائم على مبدأ المساواة بدون اي تمييز على أساس العرق أو اللغة أو الدين أو الرأي أو المال أو الجغرافيا أو اي اعتبار آخر. ويعد الانتخاب قبولا للآخر وإقراراً للتعددية مهما كان هذا الآخر. فلا سبيل لإنكار الآخر تحت أية ذريعة أو حجة. وليس مقبولا قانونيا أن تقوم اية حركة أو فصيل باعتماد قواعد برلمانية خاصة بها من حيث قانونية الجلسات والإجتماعات والتمثيل.

العقبة الكأداء التي ستعترض الانتخابات الفلسطينية والتي تحتاج إلى تذليل هي الانتخابات في القدس، والإجابة على سؤال شرعية إجرائها في ظل الاحتلال الإسرائيلي. ويجب ان لا تعطل هذه القضية موضوع الانتخابات برمته رغم أهميتها. فهناك من وسائل التقنية الحديثة ما يكفل بتخطيها وإجرائها بشكل شرعي. وحتى لو بدا الأمر مستحيلا، فهناك من الوسائل الشرعية لإفراز مجموعة من النواب عن القدس.

بعد أن تتم الانتخابات ويفوز من يفوز، فإن المجلس التشريعي المنتخب هو الذي يمثل الشعب الفلسطيني على الأقل داخليا. فهو الذي يسن التشريعات كافة وليس له أن يفوض أحدا بسن هذه التشريعات، ويتوقف العمل بالمادة 43 سيئة الصيت من القانون الأساس الفلسطيني . وكان الله في عونه على دراسة هذه القوانين المؤقتة وإصلاح ما فيها من عيوب. وهو الذي يمنح الثقة ويسحبها لأية حكومة فلسطينية تشكل. وهو من يراقب عمل الحكومة بإجازة الموازنة من عدمها، وله توجيه الأسئلة والاستجوابات والتحقيقات للحكومة الماثلة أمامه.

وهذا أمر في منتهى الأهمية لتمرير اية سياسة حكومية. فلا يستطيع الرئيس أو رئيس الوزراء أو أي محافظ سن اي قانون أو تشريع إلا بموافقة المجلس التشريعي. وقد يقول قائل أن النواب ذوي الاتجاه الواحد سرعان ما يصطفون لنصرة بعضهم. هذا الكلام صحيح إلى حد كبير، ولكن العقل والمنطق والعلم سرعان ما سيسود رغم الاختلافات الحزبية. فلا أظن أن الخلافات الحزبية ستكون مدعاة للفرقة البرلمانية في قضية كالقتل على خلفية شرف العائلة. وعلى ذلك قس، وبالتالي عمل المجلس التشريعي الجماعي وسنه التشريعات فيه أفضلية كبيرة على الفردية.

بعد التشريع يجب أن يخضع المجلس التشريعي حقوق الإنسان الفلسطيني إلى التطوير والتقدم والمراقبة. فيجب أن تهدف الانتخابات إلى الأخذ بيد مجمل حقوق الإنسان الفلسطيني. وحتى أكون واضحا ومحددا فأقصد بحقوق الإنسان كل الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية حتى لا يكون هناك اي لبس في مفهومها.

بكلام آخر يجب أن تسعى الانتخابات لتقديم الأمن الجمعي والفردي في المجتمع الفلسطيني، وإرساء الحرية الدينية، وتقديم العدالة بشكل شبه مجاني، وإقامة المدارس والمستشفيات بما يحقق العدالة الاجتماعية، وتخفيف العبء الضريبي، وتقليل الرسوم والجمارك، وتشجيع النشاطات الرياضية والاجتماعية.

ويجب على المجلس المنتخب ان يضع نصب عينيه تحقيق مبدأ المساواة بين أبناء الشعب الواحد، فلا نقيم تفرقة تحكمية استبدادية لا تستند إلى اي اساس منطقي أو إنساني بين العسكريين والمدنيين. وعليه ملاحقة الفاسدين وعدم التهاون في هذه الوظيفة التي هي من الأهمية بمكان كبير. فالشعب يراوده هذا الحلم الكبير، ويعتقد أن مجلسا تشريعيا منتخبا هو الكفيل بملاحقة الفاسدين وتقديمهم لمحاكمة عادلة ومحاربة ظاهرة الفساد المستشرية. فضلا عن دعوة الحكومة لوضع سياسة إدارية سليمة وتقنين الوظيفة المدنية والعسكرية، وإخضاع موازنات جميع الدوائر العسكرية والمدنية والرئاسية للرقابة التشريعية.

ولا بد للمجلس التشريعي من إعمال وتطبيق القانون الأساس واحترام أحكامه وعدم خرقها. ولعل أهمها مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومبدأ سيادة القانون والدولة القانونية وبخاصة ان عقدا ونصف مضى بدون أدنى درجات الرقابة.

مارست الشعوب عبر التاريخ وعلى اختلاف مللها وأجناسها وعروقها إدارة الشؤون العامة في بلادها، ونجحت في الوصول لذلك بشكل متفاوت أو متدرج. واعتبرت هذه المشاركة شأنا سياديا داخليا، وتبناه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وغدا الانتخاب حقا من حقوق الإنسان الأساسية في كل مناطق العالم والوسيلة الديموقراطية الوحيدة لإقامة مجتمع ديموقراطي.

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا.. وإذا تفرقت تكسرت آحادا!