28 أيلول ذكرى انتفاضة الأقصى.. المثقف أمام عقدين من الأسئلة الحارقة

المتوكل طه

من السّيئ أن تتذكّر الماضي أحياناً، خاصة إذا كان مُوجِعاً، لكنّ الدم الملعون لم يتخثّر، والكراهية ما فتئت تمدّ لسانَها المسموم، والعنف يتفشّى مثل كابوس مفزع، والاحتلال الإسرائيلي، صاحب ورشة الشيطان، ما فتئ يُعيد إنتاج الموت، بكلّ صوره، على حياتنا، حتى بات "السلام" المفقود الوهميّ.. استيطانيّاً وجنائزيّاً، ما يبرّر اندلاع الحرائق ورشْق الرصاص وشحذ السكاكين هنا وهناك، الأمر الذي يؤكّد أنّ هذه الأرض ستبقى مِنصّة للنعوش والفجائع وتصادم الأكتاف الدامية، ما دامت دولة الاحتلال سادرة في مشروعها العنصري وتقوم بدورها الوظيفي، في مصادرة مستقبلنا وتكريس المُغايَرة فينا، والعمل على تذويبنا واستلابنا.. وبهذا فإن الاحتلال هو المسؤول عن خلق المناخ المواتي لانفجار الانتفاضات السابقة واللاحقة، في ظلّ عجرفته وتربيته الفاشيّة وصمْت العالم ، وانشغال دول المحيط بالبيع المجانيّ وبالتطبيع المشبوه الرخيص، أو بمطحنة الدم الدائرة في الأنحاء.

وربّما من المفيد أن نؤرّخ لكل ما مرّ بنا من أحداث، بهدف تأصيل روايتنا وحفْظ حقوقنا، وحتى لا تظلّ ذاكرتنا عُرْضةً للفناء والعذريّة والعدم.

ولعل انتفاضة الأقصى هي واحدة من المحطات الصعبة التي ركبنا عرباتها المشتعلة ، وينبغي تسجيل تفاصيلها وأحداثها، وآن الأوان ليطّلع عليها التاريخُ الشاهدُ ، وتمتلئ بها مدارك الأجيال الفلسطينية الصاعدة.

إن انتفاضة الأقصى قد شهدت إعادة احتلال الأراضي الفلسطينية من إسرائيل، ما يعني انقلابها على الاتفاقيات السياسية والأمنية، مثلما شهدت أيام حصار الرئيس الشهيد الرمز ياسر عرفات القاسية، وأظْهرت فذاذة الرجل القائد، وأسّست لمرحلة أخرى جديدة لها ما لها وعليها ما عليها، وهو كثير كثير!

****

وثمة نقصٌ جارحٌ نعاني منه، نحن الفلسطينيين، يتعلق بتأصيل تاريخنا النضالي والثقافي وحتى الاجتماعي وغيره، الأمر الذي يستحيل معه جمع كلّ أو أهم ما يتّصل بالفلسطينيين في ظلّ وجود "مناطق" فلسطينية متعددة، في فلسطين التاريخية (فلسطين 1948، الضفة الغربية، القدس، قطاع غزة) وفي الشتات العربي، وعلى مستوى الجاليات المتناثرة في العالم. فمثلاً، لم تتوفر معلومات شافية حول المجازر التي اقتُرِفت بحقّ شعبنا ولا نعرف الكثير عن المعارك، التي خاضها مجاهدونا وثورتنا في العديد من المواقع، لم يتمّ جمع مُجمل الخسائر التي لحقتنا، وعلى كل الصّعد، ونجد صعوبة بالغة في التعرّف على نتاجنا الثقافي والفكري والفني، ولم نحفظ التي تمّ تبديدها، وإحلال جغرافيا مكانها، ليبقى الحق والحلم الفلسطينيان قائمين على أرضية راسخة.

ودون تأصيل تاريخي، فإننا لن نمتلك هويتنا، ولن نحفظ شخصيتنا، بكل مكوّناتها، ولن نشرف على المستقبل. غير أننا مطالبون، كذلك، بإعادة الأمور إلى نصابها، حتى لا نكون مبالغين، أو مُحابين أو نجدّف عكس التيار ، بل أمناء على الحقيقة كاملة، ومعلنين بكل وضوح أنه لن تثنينا وجهة نظر نقيضنا فينا، ولا تغيّر في قناعاتنا شيئاً، كما لا يهمّنا إلا إبداء رأينا فيما يجري دون قصد الإساءة أو التشهير، بقدر ما يدفعنا حرصنا الأكيد وانتماؤنا لقضايانا، إلى عَجْم الظواهر، وسبْرغور ما يحدث بهدف الترميم والإصلاح والمواجهة المتقدمة، حتى لا نكون من أولئك الذين يغطّون الهاوية بستارة مبهرجة.

إن الإشارة إلى هوامش الخطأ فينا لا تعني إغماض العين عن اجتراح المعجزات التي تدبّ صباح مساء هنا وهناك، غير أن هدف الكتابة ليس المديح، بقدر ما هو كشف للواقع المعيش وتجاوز له.

وقد تهدف هذه الكلمات إلى إثارة النقاش والجدل، خصوصاً فيما يتعلق بالتحليل السياسي الدائر، وبفهمها ظاهرة الفساد أو الدعوة للإصلاح، وبالرغم من إدراكي للعلاقة الجدلية بين الإصلاح والتحرر والانعتاق، فإن الأولوية تكمن في أن يقوم المخلص بقيادة حوارييه لصدّ الهمج. وبعد ذلك نستطيع أن نقول له، أو يقول لنا، سرّ الخلاص لأن المواجهة لا تزال واجبة على الجميع.

ولعلنا بحاجة، من جديد، إلى العودة إلى المربع الأول من النقاش السياسي والفكري فيما يتعلّق بمفهوم "إسرائيل" والسلام المطروح والحقوق المشروعة.

بمعنى أنه علينا أن ننطلق من مفهوم أن "إسرائيل" قامت لتؤدي دوراً وظيفيّاً، وأنها من فصيلة الاستيطان الإحلالي الذي قام على إلغاء الشعوب الأصلية، من خلال القتل والإبادة والتهميش، وأنها ما زالت تتحالف مع شقيقاتها من الفصيلة الفاشية ذاتها، التي قامت على الأُسس نفسها فيما سُمّي بالعالم الجديد. وبمعنى أن السلام المطروح هو سلام ممكن أو هدنة ممكنة أو مفروضة، وليس سلاماً عادلاً، وأن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني يجب ألا تخضع لوجهات نظر أو اجتهادات شخصية مُفرّطة، تحت عنوان الواقعية أو حرية التعبير، وبمعنى أنه ينبغي على شعبنا حراسة حلمه وحفظه من التبديل أو الإنقاص، بحكْم ضواغط القوى الخارجية، وبمعنى أنه ينبغي عليه أن يحتضن حقوقه غير القابلة للتصرف، وأن يُبقي خطابه التربوي والإعلامي والثقافي في خدمة الحلم والثوابت.

إن مهمة المثقف ودورة يختلفان عن دور ومهمة السياسي المحكوم بموازين القوة، والممكن وغير الممكن، وتتحكّم فيه اللحظة التاريخية. أمّا المثقف، فهو حارس الحُلم، والمؤكد على الثوابت، بمعنى أنه الاستراتيجي، الذي لا يحكمه شيء. وبهذا المعنى، فإن السياسي الجيد هو الذي يقترب من المثقف. والمثقف ينبغي ألا يتبع السياسي أو يبرّر له. وعليه، لا يحق للمثقف الحقيقي أن يسقط ، بشكل ساذج أو مقصود، فيما يُسمى بالتفاوض أو التطبيع أو الحوار أو الإعلان عن قبول حلّ منقوص بدعوى الواقعية السياسية وما تُملية اللحظة التاريخية الراهنة. وهذا لا يمنع أن تكون للمثقف رؤيته السياسية أو انتماؤه الحرُّ غير الضيّق، غير أن على المثقف، الذي يساهم نتاجه وإبداعه في إنتاج وتكوين الفرد والمجتمع، عليه أن يدرك خطورة الهبوط إلى اليومي والآنّي على حساب النموذج الذي ينبغي العمل للوصول إليه. كما على المثقف أن يعمل داخل نسيج مجتمعه لتمتينه وصيانته، وخلق كوابح داخله تحول دون هرولة السياسي، بل تعمل على جذبه إلى ثوابته ومنطلقاته وروحه.

إن الانتفاضة .. فلسطينية الموقع، لكنها في جوهرها ثورة تُحسب لكل الأمّة العربية والإسلامية، وإنْ لم تُعلن ذلك ضمن أهدافها، وإن ما ستسفر عنه الانتفاضة سيؤثر بالضرورة والفعل على سائر أبناء الأمّة، مثلما يؤثر فيها كل ما يدور في أروقة أمّتنا وساحاتها. وربما، أوكد أن الانتفاضة هي إحدى إشارات الثورة القادمة، ومبشّرة لها، وحافز يراكم عوامل غليانها وانفجارها. كما أن الانتفاضة الفلسطينية ثورة على مُجمل السياسات والأهداف، التي تحاول ابتلاع العالم والسيطرة عليه والتحكّم فيه. أي أن الانتفاضة، كحركة شعب، وحركة احتجاج، تنزع لمواجهة ما يُسمى "العولمة"، وإن لم تُفصح عن ذلك مباشرة أو تباشر إليه، لأن العولمة، في جوهرها وسلوكها، أيديولوجيا تسعى عبر آليات عسكرية واقتصادية وسياسية ومنظومات كاملة إلى السيطرة، وإخضاع شعوب العالم لصالح أصحاب العولمة. وبهذا المعنى لن يُسمح لثورة شعبية أن تنتصر، كما لا يحق لأمّة ما أن تستجمع قواها وأمرها بيدها. ونعتقد أن أصحاب العولمة الذين تمثّلهم الولايات المتحدة –الآن– لا يرعوون في ممارسة أقسى وأبشع أشكال الإرهاب ضد مَنْ تتهمهم بالإرهاب، في الوقت الذي تعمل على تدمير النزعات الاستقلالية، في الاقتصاد كما في السياسية، لدى الشعوب المقهورة والفقيرة، من أجل جعلها سوقاً ومرتعاً، وهذا ما يفسر مواقف الولايات المتحدة من قضيتنا وقضايا العرب والمسلمين، ويوضح أسباب دعمها المطلق لوكيلتها في المنطقة إسرائيل، وحربها الضروس على شعبنا ومواقفة الحريصة على الاستقلال ونيل الحقوق. أي أن استباحة المدن الفلسطينية، وقتل الآلاف من المدنيين بالطائرات والأسلحة الثقيلة الأمريكية، وتخريب كل ما هو فلسطيني، ما هو إلا حرب أمريكية بأيدٍ إسرائيلية، وما زالت هذه الأيدي ملوّثة بدم الصغار والأشجار والبيوت.

والغريب أننا لا نردّ التُهم التي توجّهها لنا أمريكا وإسرائيل بشكل استراتيجي ، بقدر ما نقع في ردّة الفعل، بمعنى ليس المطلوب منّا تبرئة ساحتنا من تُهم "الإرهاب" و"الأصولية" و "الفساد".. إلخ، التي يكيلها لنا أعداؤنا، بل نحن بحاجة إلى إعادة الأمور إلى عواملها الأوّلية ، فإذا أرادوا إلغاءنا فينبغي إلغاؤهم، وليس الوقوع في شرك لعبتهم القاتلة، دون أن ننسى إصلاح ذاتنا كشرط أساس لاستقلالنا وقوتنا.

وبالرغم من أننا متورطون في اللحظة السياسة التي تحمل معها الأزمة الحضارية والفكرية والشخصية، فإننا مضطرون للاعتناء ببعض التفاصيل، وبسرد بعض ما حدث، لنعيد رؤية ما حصل، حتى لا يعاد إنتاجه على جلودنا، مرة أخرى . مع اعتقادنا أن الأساس هو التعمّق في هذه اللحظة التاريخية وتأصيلها، لأن الكثير من التفاصيل سيذهب أدراج النسيان.

وربما نجد أنفسنا مضطرين للمباشرة والوضوح، فالدم واضح، والمجنزرة مباشرة جداً، وتصريحات قادة الاحتلال والإدارة الأمريكية واضحة ومباشرة إلى حدّ الموت، والفجيعة أمضّ من الصراخ ، والألم والغضب أحدّ من برق القاذفات ووميض الرصاص الذي يفتت الجماجم والضلوع. والقهر والحاجة أقطع من جنازير الدبابات، وهنا لا بدّ من تصوير الثاكل أمّ الشهيد في جنازته، ودمعة أبيه العميقة .. المتضوّرة.

وحداثتنا، هنا، تختلف كلياً عن حداثة البعيدين عن وطنهم وشعبهم، لأن حداثتنا مليئة ب "الدم ، والحجارة ، والعذاب"، وليست مُغرقة في تهويمات فردية مَرَضيّة قبيحة، بل هي حداثة مغموسة ، من أخمصها حتى رأسها، بأوجاع الواقع وكوابيس الضحايا والدموع القانية، بفنيّة ونضجٍ، وهي حداثة مسؤولة ومنتمية إلى شعبها الذي يرى السفّاحَ الُمستَخِفّ بالعالم يمشي عارياً ، عورته بائنة، دون خجل، وأصابعه تقطر من دماء أمّهاتنا وصغارنا.

ولا يطيب لنا أن نعكس الحقيقة الساطعة، حتى نتبرّأ من المسؤولية، ونقول إن القاتل ليس أكثر من جنيّةٍ تعيد الأطفال الضالّين في الغابة إلى عائلاتهم!

ولا مجال أمام أولئك التغريبين "الحداثيين" إلاّ أن يثوبوا إلى رشدهم الوطني والقومي والإنساني، فلم يعد ينفعهم تشويه مَنْ تواجد في حمأة المجابهة أو عين النار، لأن أولئك، هناك، في حضن القاتل وحضن اللامبالاة المُريح المربح، هذا إذا كان مُريحاً أصلاً!