إلى منظمات المجتمع المدني... النظام الانتخابي أهم من الانتخابات

بقلم: حمادة جبر

أسست منظمة التحرير الفلسطينية جهاز السلطة الفلسطينية عام 1994 ليكون نواة الدولة الفلسطينية المنشودة على حدود 1967. اليوم، وبعد أكثر من 25 عاما من تأسيس السلطة، فقدت هذه السلطة مبررات وجودها بتلاشي الحل القائم على حل الدولتين لأسباب عديدة لا مجال لذكرها في هذا المقال. ولمعرفة المزيد بالإمكان الرجوع إلى ورقتي بعنوان "الفلسطينيون في موقع المبادرة: حل السلطة وتبني استراتيجية حل الدولة الواحدة... الآن" الصادرة عن وحدة التحليل الاستراتيجي في المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية .

ولكن، إن كان لا بد من بقاء السلطة وإجراء انتخابات عامة، يجب مراجعة المرحلة السابقة ومراعاة التغيرات الكبيرة التي جرت خلالها وذلك لإختيار النظام الانتخابي المناسب لإجراء الانتخابات على أساسه.

بعيداً عن مدى جدية وإمكانية أجراء الانتخابات التي تأخرت أو أُخّرت لمدة أكثر من عشر سنوات، والتي لم تُجر أيضاً رغم قرار "المحكمة الدستورية" في كانون أول 2018 بحل المجلس التشريعي المُنتخب عام 2006 والذي عطّل عن عمله منذ الانقسام عام 2007، حيث أن ذات القرار قد قضى بضرورة إجراء انتخابات خلال ستة أشهر، أي في النصف الأول من عام 2019.

الجديد، يبدو أن حركتي فتح وحماس الحاكمتين قد توصلتا لاتفاق لإجراء الانتخابات مع الاستمرار بنهج المحاصصة وتقاسم "السلطة" خاصة أن هناك اقتراحاً بأن تخوضا الانتخابات التشريعية بقائمة واحدة.

إذا تم اجراء انتخابات تشريعية جديدة فستكون الانتخاباث الثالثة بعد انتخابات 1996 و2006 خلال 25 عاماً من تأسيس السلطة. والملاحظ أن كل واحدة من هذه الانتخابات جرت وستجري حسب نظام انتخابي مختلف عن الأخرى. ففي انتخابات عام 1996 جرى انتخاب الأعضاء ال88 حسب نظام الأغلبية في 16 دائرة انتخابية. أما في انتخابات عام 2006 فقد جرى انتخاب 132 عضواً حسب النظام الانتخابي المختلط مناصفة بين نظام الأغلبية النسبية (الدوائر) و نظام التمثيل النسبي (القوائم). أما الانتخابات الثالثة (إن جرت)، فستكون على الأغلب بنظام مختلف عن الانتخابات السابقة وذلك إما بنظام التمثيل النسبي الكامل (القوائم) حسب القرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 وحسب ما قيل بأن حركة حماس قد وافقت في آخر اجتماع مع حركة فتح في تركيا الأسبوع الماضي على إجراء الانتخابات التشريعية القادمة على أساس النظام النسبي الكامل.

وأعتقد جازماً بأنه لم يحدث في تاريخ أي من الدول أن تقوم بتغيير نظام انتخاباتها في كل دورة، وهذا دليل على إرتجال خال من أي مسؤولية ودليل على هيمنة الأحزاب الحاكمة على القوانين والأنظمة.

ما أود قوله في هذا المقال أن الأحزاب والفصائل يجب أن لا تكون هي من يُحدد النظام الانتخابي. وهذا أيضاً ينطبق على القرار بقانون المذكور سابقاً الذي جاء ليخدم مصلحة فصيل مُصدِر القانون وليس لمصلحة وطنية. وعليه، إن إجراء انتخابات جديدة قائمة على أساس الفصائل الموجودة -التي أثبتت فشلاً ذريعاً في تمثيل ناخبيها وتنفيذ برامجها- لن يأتي بجديد والأهم أنه إن جرت هذه الانتخابات، فإنها لن تنهي الإنقسام ولن تجيب عن السؤال الأكبر حول البرنامج السياسي وأدوات تحقيقه.

حسب إستطلاع الرأي العام رقم 95 لمركز القدس للإعلام والاتصال (JMCC) في شهر أيلول 2019، يقول 44.7% من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة بأنهم لا يثقون بأي فصيل أو حزب سياسي وترتفع هذه النسبة إلى 52.9% في الضفة الغربية مقارنة ب32.6% في قطاع غزة. وأجاب 35.5% (41.7% في الضفة الغربية مقابل 23.9% في قطاع غزة) أنهم لن يصوتوا في حال إجراء انتخابات جديدة، وهذا الفرق الكبير في النسب بين الضفة الغربية وقطاع غزة يعبر عن أزمة المشروع القائم على حل الدولتين والذي أقيمت السلطة على أساسه حيث أن هذه الأزمة ملموسة في الضفة الغربية أكثر منها في قطاع غزة.

الحجج المعبر عنها بأفضلية نظام التمثيل النسبي (القوائم) بضمان تمثيل نسبي حقيقي يخدم الأحزاب والفصائل الصغيرة أو بأنه يقلل من سلطة العائلات/العشائر، حجج لم تعد النسبة الأكبر من الشعب تريد سماعها.

نظام القوائم يعزز من سلطة الأحزاب التي باتت غير مرغوبة وكذلك أن الأحزاب هي التي تستعين بالعشائر والعائلات وتعزز من حضورها. ولم نر حضوراً ملموساً للعشائر والعائلات في نظام الدوائر عامي 1996 و2006 وهذا يرجع لحقيقة أنه في فلسطين لا يوجد نظام عشائري/عائلي قوي عدا عن أنه لا يمكن لعائلة أو عشيرة ما أن تحسم في نظام الأغلبية في أي من الدوائر.

لمحاولة الوصول إلى نتائج تعبر عن إرادة المواطنين وتغيير الثنائية المقيتة بين فتح وحماس بحكم الأمر الواقع وتلاشي الأحزاب الأخرى، أو أصبحث في أحسن أحوالها أحزابا مشلولة وتابعة، ولمحاولة إجبارها على الائتلاف، على منظمات المجتمع المدني التحرك الفوري للدفاع عن حق المواطن الفلسطيني باختيار ممثليه في المجلس التشريعي على أساس نظام انتخابي يُعزز من كفاءة المُنتخبين والشفافية والمساءلة، ضد المحاصصة الفتحاوية الحمساوية من خلال الاتفاق على نظام التمثيل النسبي الكامل الذي لا يُتوقع منه بأن يأتي بحلول لأي من الأزمات المتعددة التي نعيشها اليوم، وعلى رأسها أزمة الانقسام وأزمة مشروع السلطة القائمة على حل الدولتين.

لذلك، على منظمات المجتمع المدني إثبات فاعليتها بالمبادرة بالضغط باتجاه اختيار نظام انتخابي من الأنظمة التالية أو، إن فشلت، الدعوة إلى تنظيم استفتاء عام لاختيار النظام الانتخابي:

1- العودة إلى نظام الانتخابات لعام 1996 القائم على أساس نظام الأغلبية في الدوائر. وذلك لاتاحة المجال إلى التنافس العادل للمستقلين وإجبار الفصائل على اختيار أفضل المرشحين بين صفوفها في كل دائرة. كذلك لإتاحة الرقابة والمحاسبة المباشرتين من الناخِب للمُنتخَب.

2- الإبقاء على النظام المختلط (50% قوائم، 50% دوائر) كما جرى في انتخابات (2006) مع دراسة خيار اعتماد نظام القوائم المفتوحة بحيث يتيح للناخب إختيار مرشحيه المفضلين في القائمة بدلاً من الرضوخ إلى سلطة الحزب في ترتييب المرشحين التي أثبتت التجربة بأنه ترتيب قائم على المصالح الضيقة. وكذلك إعادة النظر في نسبة الحسم في نظام القوائم برفعها إلى 5% لإجبار بقايا الأحزاب الصغيرة على الائتلاف فيما بينها أوالاندثار والخروج من المشهد السياسي غير مأسوفٍ عليها.

3- اعتماد نظام القوائم (المغلقة أو المفتوحة) على مستوى الدوائر وليس على مستوى الوطن، لتحقيق الأهداف المذكورة في الخيارين السابقين.