المرأة في بيئة العمل.. تحدياتٌ يفرضها "عقل المجتمع"، ومقترحاتٌ للتغلب عليها

أبو ديس - "القدس" دوت كوم - روان الأسعد - ساحة العمل بمختلف مجالاتها فيها العديد من المشكلات، فكثيرٌ من الموظفين يجدون أنفسهم يعملون في بيئة عمل عدائية أو سلبية، لكن بشكلٍ خاصٍّ تواجه المرأة العاملة فى سبيل قيامها بدور فاعل في المشاركة المجتمعية عددًا من التحديات، قد تُصيبها بأضرار نفسية نتيجة وجودها في بيئةٍ تتخذ أشكالاً عدة، بدءاً من طبيعة مكان العمل، إضافة إلى مزيجٍ من الطباع والأفكار والشخصيات المختلفة التي قد يصعب التعامل معها، إلى جانب بعض الظروف والعوائق، الأمر الذي يزيد معاناتها، وقد يفضي بها إلى التخلي عن مستقبلها المهني والهروب، ولإيماننا بحق المرأة بأن تعلب دوراً قيادياً نطرح أهم هذه التحديات التى تُعيق دور المرأة العاملة في المشاركة، في محاولةٍ للتعرُّف على هذه التحديات وأبعادها، للتمكُّن من التعامل مع بيئة العمل غير الصحية، وتقديم النصائح لمواجهة هذه التحديات.

تقول الدكتورة نجاح الخطيب من خبرتها كأُستاذٍ مُشاركٍ في جامعة القدس وتحمل شهادة دكتوراه في الصحة النفسية للمرأة لـ"القدس": "لا غنى عن مشاكل العمل، كونها جزءاً من العمل نفسه مهما تميزت المرأة به وسلكت الطرق الصحيحة، فستجد العراقيل في طريقها، فهذه طبيعة الحياة، فعلى الرغم من كون المرأة نصف المجتمع ما زال الرجل يسيطر على مجريات أُمور حياتها، وحتى يومنا هذا ما زالت بعض النساء يجدن صعوبةً في الحصول على فرص عمل أفضل تناسب قدراتهن وإمكاناتهن".

وتضيف: " مع أن واقع التغير الاجتماعي والثقافي في القرن العشرين جاء لصالح المرأة، إذ فُتح المجال أمام الفتاة للتعليم والعمل، وأدى هذا التغيير إلى التخفيف من القيود أو التحديات الثقافية المتوارثة التي تمنع المرأة من الالتحاق بالعمل، فالتحولات الحادثة في هذه الظروف هي الأساس في تغيير أوضاع المرأة، ولقد اقتحمت المرأة دوائر الحياة بشتى أوجهها على جميع المستويات، التي كانت حكراً على عالم الرجال فقط".

وتتابع الخطيب: فالمرأة جزء لا يتجزأ من المجتمع الإنساني، وهي تؤدي دوراً أساسياً في تطويره وتنميته، حيث استحوذت قضايا المرأة ووضعها وموقعها من قضايا العمل والتنمية المستدامة على حيز كبير، وتنامت المنظمات والحركات النسائية المستقلة بهدف نهضة وتطوير دور المرأة في التنمية، وتبني خطاب تمكين المرأة بهدف مشاركة المرأة في التنمية والعمل والاستقلال والاعتماد على الذات، وخلال هذا العقد كان هناك تحوُّلٌ واضحٌ نحو الشراكة في النشاط الاقتصادي وفي عملية التنمية، ترمي إلى منح المرأة المساواة في فرص التعليم والتدريب والعمل.

وترى الخطيب أن "الحديث عن إشراك العنصر النسائي في جميع مجالات التنمية ومراحلها أصبح من الأمور الضرورية والملّحة للتطور المجتمعي، ومع هذا ما زالت المرأة ترزح تحت مجموعةٍ من العوائق، أولها الأُمية يليها المعوقات الثقافية والاجتماعية التي تواجه المرأة في العمل، والمعوقات الوظيفية، والتغير الاجتماعي والثقافي، والبناء النفسي للمرأة العاملة".

عقل المجتمع وعقاب المرأة

تؤكد الدكتورة نجاح أنه "عندما نتعرض للتحديات الاجتماعية، تبرز أمامنا عوامل عدة، هي نتاج فطرة واكتساب وخبرة تستند إلى ثقافةٍ وفكرٍ يتعلقان بعقل المجتمع، هذا الفكر المغروز في مجتمعنا الذي يتوشح بالثقافة مرة، والعادات مرةً أُخرى، ظلّ يعاقب المرأة اجتماعياً على وجودها في أي دور خارج هذا الإطار المحدد والخانق لها، وبالطبع فإن أكثر الأطراف التي تضغط على المرأة تحت تأثير هذا التهديد الأُسرة.

وتقول: عموماً، إن واقع النهوض بالمرأة هو في تعزيز قدراتها وتمكينها وتشاركيتها واتخاذ اتجاهٍ جادٍّ في المجتمع، والمساهمة في توعيتها لطمر الهوة الجندرية بينها وبين الرجل، وتغيير الأوضاع بجعلها تبحث عن ذاتها، وإبراز مكانتها بعونٍ من هنا واهتمامٍ من هناك لتنمية كيانها باتجاه النهوض والتأييد.

وهنا تجدر الإشارة، بحسب الدكتوره نجاح الخطيب، إلى أن الواقع المجتمعي والثقافة السائدة فيما يتعلق بالمرأة يلعبان دوراً أساسياً في قضية المشاركة وحدودها المتاحة والممكنة، التي وجب التعامل معها لكي يتم وضع استراتيجيات تقوي النساء في مكان العمل، وفي الأدوار التي تخرجهنّ عن الأدوار التقليدية.

المشاركة الاقتصادية للمرأة ركيزةٌ أساسية

كما ترى الخطيب أن الوضع الاقتصادى الهش للمرأة العاملة يكون له تأثير سلبيٌّ على مشاركتها.

وتعتبر أن "اندماج المرأة في النشاط الاقتصادي وارتفاع نسبة مشاركتها في سوق العمل يؤديان إلى تحقيق العديد من المكاسب الاقتصادية، منها الحصول على فرص التوظيف التي تؤمن لها مصدراً دائماً للدخل، وكذلك تحقيق الاستغلال الأمثل للموارد البشرية المتاحة على المستوى القومي، ما يؤدي إلى الوصول إلى معدلات النمو الاقتصادي المستهدفة، ورفع القدرة التنافسية للمرأة في سوق العمل في ظل اقتصادات السوق والخصخصة والعولمة وتخفيض معدلات البطالة.

وتضيف: كما تُعدّ المشاركة الاقتصادية للمرأة ركيزةً أساسيةً لتحقيق التنمية المستدامة.

التغير الاجتماعي والتحديات الثقافية

تقول الدكتورة نجاح الخطيب لـ"القدس": إنه مع تغيُّر الأدوار بكل مضمونها بين أفراد الأُسرة وخروج المرأة للعمل واستقلالها الاقتصادي عن الرجل، والآثار الناجمة عن الانفتاح، أصبحت المرأة تقوم بأدوارٍ عدة، إضافةً إلى الأدوار الأساسية التى تقوم بها.

وتضيف: ظهرت عوامل أُخرى للمساندة الاجتماعية للمرأة فى المنزل، ومن جهةٍ أُخرى تطلعات الأبناء واختلاف أنماط تفكيرهم، واكتساح التكنولوجيا صميم حياتهم الاجتماعية والثقافية، فكانت هناك سلسلة من التغيرات ناجمة عن ذلك الانفتاح، شملت كافة الجوانب الثقافية والاجتماعية والتربوية، ولم تترك هذه التحولات جانباً من جوانب الأسرة والمجتمع إلا شملتها رياح التغيير من كافة الأبواب، وأحدثت بداخلها العديد من التغيرات.

البناء النفسي للمرأة العاملة

كما تعتبر الدكتورة نجاح الخطيب المناخ خارج الأُسرة، وأحياناً كثيرة داخلها، مناخاً مُعادياً للمرأة، جعل المرأة العاملة تواجه العديد من التحديات التي تحُول دون قيامها بدورٍ فاعٍل في المجتمع، وفي مقدمتها التحديات النفسية، كونها امرأة، ما يجعل مشاركتها محدودة، سواء في العمل أو الأُسرة.

وتقول: مازالت بعض النساء يجدن صعوبةً في الحصول على فرص عمل أفضل تناسب قدراتهن وإمكاناتهن، هذا في مقابل ضعف المؤسسات المدنية، سواء أكانت مؤسسات حكومية أم مؤسسات مجتمع مدنى، ما كثف من خطاب الخنوع لدى المرأة، فإذا كان لا بد من أن تعمل المرأة فلا بد أن تعمل وهى خانعة، ولتكسر الصمت المفروض عليها وتتحدى ثقافةَ السكوت لا تملك المرأة، بعد، أدوات دفاع قوية تجاه ذلك، ويتم وضع المرأة منذ اللحظة الأُولى أمام ضرورة إثباتٍ لكل الأطراف أنها قادرةٌ على تلبية وأداء كافة الأدوار بكفاءة، أي أنّ المرأة لكي تلعب أي دور آخر تفعل هذا بجانب الدور الأُسري، وليس بديلاً عنه أو بمشاركة أُسرتها، الذي إن أهملت فيه شيء فستكون مدانة ليس فقط من المجتمع، لكن من أُسرتها، فالعبء بكامله يقع على المرأة، ما يؤثر في قدرتها على العطاء، خاصةً بعد الزواج، ويضع هذا الوضع المرأة دائماً في وضع الطرف الضعيف الذي من السهل هزيمته، ما يجعل كثيراً من النساء تفضل عدم المشاركة والانزواء بعيداً عن الأضواء، والسبب عدم كفاية التطور الذاتي.

المعوقات الوظيفية

وفي المقابل، ترى الدكتورة نجاح الخطيب أن هناك تمییزاً بین النساء والرجال في الترقيات الوظيفية في بیئة العمل المختلطة، فالمرأة تتعرض لعراقيل وصعاب تعترض تقدمها الوظيفي أكثر من الرجل بحكم العادة، فعدم حصول المرأة على عملٍ یناسب قدراتها واختصاصها من شأنه أن یؤثر سلباً في حياتها، مشيرة إلى "الفكرة النمطية التي كانت سائدةً عن الطبيعة الأُنثوية بأنها لا تصلح إلا لوظائف معينة، إلا أن هذه الفكرة قد تغيرت في الوقت الحاضر بعد أن استطاعت المرأة أن تُثبت ذاتها في مجالاتٍ عدة كانت مقتصرةً على الرجال فقط".

وتضيف الخطيب: "من التحديات التي تواجهها المرأة في عملها أن النظرة إليها ما زالت قاصرة، حيث لا تستطيع المرأة الحصول في بعض الأحيان على مميزات كما الرجل، على الرغم من أنها تتساوى معه في المسمى الوظيفي وساعات الدوام، وطبيعة العمل وحتى الأداء نفسه، لكن يبقى التقدير في كثيرٍ من الأحيان مختلفاً، سواء أكان بالراتب أم الترقيات أم المكافآت السنوية".

وتشير الخطيب إلى أن هذه النظرة والتحديات جعلت البعض من النساء العاملات لا يطمحن في الوصول إلى مراكز قيادية، ويكتفين بالوظيفة التي لا تتطلب المسؤولية، إضافة إلى أنّ النظرة للمرأة مبنية على أساس أنها موظف محفوف بالمخاطر، خاصة إذا كان لديها أطفال.

مقترحات للتغلب على المعيقات أمام المرأة العاملة

ولدى سؤالها عن مقترحاتها للتغلب على التحديات التي تواجه المرأة العاملة في سوق العمل أجابت الدكتورة نجاح الخطيب أنه "يجب على المرأة انتقاء المسلك المهني الذي يتفق مع مؤهلاتها وطموحاتها، والأهم من ذلك عليها اختيار المسلك الذي يعجبها، الأمر الذي سيفتح مجالاً أكبر أمامها حتى تتقدم فيه".

وأكدت أهمية أن تتمتع المرأة وتتحلى بالعديد من الصفات والمهارات كي تستطيع تحقيق النجاح والسعي نحو تطوير الذات ومواجهة العقبات والمحبطات، وأهمها التحلي بالشغف والتعلم المستمر والعمل بروح الفريق، إضافة إلى التوازن والتأمل والإخلاص في العمل، ومعرفة مهارات المفاوضة، إذ يجب أن تكون واثقةً من نفسها ومؤمنةً بقدراتها عند دخولها في أي جلسة مفاوضات، حيث يجب عليها تقديم المهارات التي تمتلكها والإنجازات التي قامت بها في السابق وذكر ما ستقوم به في المستقبل بكل وضوح.

وأضافت الخطيب: كما يتوجب أن تكون على درايةٍ تامةٍ بكل ما يخص قوانين العمل وما لها وما عليها، وعليها إظهار قدرتها على تحمُّل المزيد من المسؤوليات، وإظهار نفسها بأكثر الصور إيجابيةً، وأن تشارك زملاءها في العمل بأفكارها، وتعمل على تأهيل بيئةٍ يعمها الولاء والدعم المتبادل لإحداث توازنٍ بين قطبي المجتمع.