روز خليل.. 15 عاماً من العمل المجتمعي ولكلِّ مجتهدٍ نصيب

رام الله- "القدس" دوت كوم- روان الأسعد- من فتاة عادية إلى ريادية في الخدمة المجتمعية، بدأت رحلتها من الصفر، حتى وصلت إلى ما تصبو إليه، روز خليل شابةٌ طموحةٌ تغلبت بالفطنة والتفاني على الظروف والمعيقات حتى حققت النجاح، وتؤكد أنه "لا توجد أسباب تحُول دون تحقيق الهدف، فمهما كانت الظروف ومهما تنوعت، لا بد من أن تُسطَّر قصة نجاح لمن يُصر على عدم الاستسلام ويثابر حتى تحقيق طموحاته".

وتوضح روز في حديثٍ لـ"القدس" أن رحلتها المهنية كانت طريقاً مُتعرّجاً فيه الكثير من المطبات والعقبات، "ودائماً هناك أشخاص سلبيون وإيجابيون، لكن علينا الاستمرار في التركيز والتحلي بالتواضع حتى نبلغ النجاح ونتعلم من أخطائنا، ومع قوة الفكرة والإنجاز، وبراعة العلم والعمل الجاد، تنعكس روح المثابرة والجد والاجتهاد لنسير بخطى واثقة، ونتبوأ مكانةً مرموقةً في المجتمع".

قصة نجاح ملهمة

بدأت روز خليل، مواليد عام ١٩٨٤، مشوارها المهني وهي في "جامعة بير زيت الحب" كما تقول، كون الجامعة كانت في بداياتها وعدد طلابها لا يتجاوز ٣٥٠٠ طالب، تخصصت في إدارة الأعمال، وعن بداياتها تقول : كان عليّ اجتياز عدد من الساعات المقررة لي بالتدريب العملي، وهي أربعون ساعة عمل، وفي عام ٢٠٠٤/ ٢٠٠٥ كانت شركات القطاع الخاص المعروفة في ذاك الوقت: "بالتل" وجوال وعدد قليل من الشركات المميزة، وبالصدفة طلبتُ من الجامعة ورقة تدريب لهذه الشركات، وقالت لي الجامعة إنه من الممكن أن يتم رفض الطلب كون هذه الشركات تعد كبيرة، وليس من السهل أخذ طلاب متدربين لديها، وهو ما زاد إصراري على أن أُجرب التقديم وأُحاول جاهدة أن أُنجز تدريبي لدى إحدى هذه الشركات.

وتضيف: وبالفعل ذهبتُ إلى الفرع الرئيسي لشركة بالتل لأُقدم طلبي، وكنتُ معروفةً بين أصدقائي بأنني الفتاة الشقية الجريئة والذكية، فطلبت أن أقابل المدير، وبالفعل قابلته وطلبت منه أن أتدرب في شركته".

وتتابع روز: أنا أؤمن أن هناك إضاءات في حياة الإنسان، وكانت مقابلتي هذه بمثابة الإضاءة الأُولى لي، خاصةً عندما طلب مني أن أتدرب بين كادر الموظفين، وبالفعل نسقت ساعاتي الجامعية من أجل أن أتفرغ لهذا التدريب وأُثبت جدارتي، وكانت المصادفة وجود حملة جديدة يعملون عليها، وهذا كان تحدياً لأعمل بهذه الحملة بكل حب وعطاء، فقد كنت أُنهي محاضراتي وأنطلق بكل طاقتي وشغفي إلى مركز التدريب، وكنت أسأل وأُناقش وأهتم بكل التفاصيل كأنني موظفة ولست متدربة فقط، والتزمت التزاماً حديدياً من شدة حبي لهذا العمل، حتى إن الموظفين بدأوا يُعولون عليّ ويتركون لي مهام لأقوم بها.

وبعد أن أنهت أكثر من ساعات تدريبها، طلب منها المدير الاستمرار في العمل بنظام المياومة، "وبالفعل وافقت والسعادة تغمرني، فأنا طالبة جامعية أدرس وكنت أتدرب ليُطلَب العمل مني مقابل أجر أو مكافأة، وكنت أُفرغ نفسي للعمل لدرجة أن الزبائن كانوا يسألون عني بالاسم، أدركتُ وقتها أنني أُحب التعامل والتفاعل مع الناس، وهو أول ما اكتشفتُه في نفسي".

وتقول روز: من هنا بدأت أُحب هذا العمل التفاعلي، وأُدرك أن الإخلاص والتفاني هما جزء أساسي يجب أن أُقدمه.

رنَّ الهاتف.. توقيع عقدٍ قبل تسلُّم الشهادة الجامعية

بعد أن تركتُ العمل مع الشركة بنظام المياومة، وأنهيت جامعتي، وحتى قبل تسلم الشهادات الجامعية، رنّ هاتفي، وإذ به مديري في العمل يسألني لماذا لم أذهب للدوام، فأخبرته بأنني أنهيتُ عملي وودعتُ زملائي.

وتضيف: لا أنسى جملته حين قال لي أن أذهب وأُوقع عقداً للعمل مع شركته، وهنا كان الفرح يملأني، فليس أي طالب تكون له فرصة ليجد الوظيفة حتى قبل أن يتسلم شهادته الجامعية، ولا أي طالب يجد مَن يكتشف فيه المهارات المهنية والشفافية ويحتويه ويكتشف مميزاته وقدراته، وبالفعل وقعت العقد وبدأت العمل.

وعن بداية هذا العمل، تقول روز: بدأتُ بطاقةٍ وشغفٍ وفرح، عملت مدة ثلاث سنوات ونصف السنة، اكتشفت خلالها قدرتي على التشبيك بين الجهات المختلفة والتفاوض وقدرتي على الإقناع، ففي بداية المشوار يكون الإنسان هشاً، يكتسب ويتعلم من المحيط، ويكتشف نفسه وشخصه ومهاراته، ثم يبدأ بالتطور، وقد تدرجت من موظف إداري في الخدمات والمبيعات، إلى مشرف خلال أقل من سنة ونصف، وهنا بدأتُ أكتشف أنّ بيئة المهنة مختلفة، وأنّ المنافسة بحاجةٍ إلى تحدٍّ مع نفسي أولاً -التحدي الإيجابي- لتكون حافزاً للعطاء والاجتهاد والمثابرة.

وتستدرك: لكن المشكلة التي كانت تواجهني هي النظام الجاهز، كوني أُحب التحليل والتفكير، ولا أستطيع التقيد بالأنظمة الجامدة، وهنا كانت الفجوة والهوة؛ أن النظام جاهز ولا يوجد تحليل وتفكير.

العقبات نقطة انطلاق للنجاح

وترى روز أن العقبات هي دائماً نقطة انطلاق للنجاح، فالتغلب على العقبات هو اختبار للشخصية، وأنا بطبيعتي منذ الطفولة أُحب القراءة والألعاب التي تحتاج للتحليل والتفكير، وأُحب أن أتعلم وأعرف كل شيء، فشغف القراءة الكبير وحب المعرفة لديّ ولّدا بداخلي طاقات كبيرة جداً لأن أُحلل وأنظر إلى الأُمور العادية من زوايا مختلفة، وأن أطرح العديد من التساؤلات: لماذا؟ وكيف؟ وماذا؟ هذه هي ميزة التحليل، بالرغم من أنني لم أُدرك في ذلك الوقت أنّ ميزة التحليل هذه هي نعمة كبيرة، فأنا كالعادة عندما يُطلَب مني تقرير للعمل لا أُسلّمه كما هو مطلوب، لا بد من أن أُضيف وجهة نظري وتحليلاتي، كوني أُحب الاطلاع كثيراً.

وتقول روز: وهذا كان سبب الفجوة الأساسي الذي دفعني إلى أخذ قرار صعب هو ترك العمل، كون هذه الشركة هي الحاضنة الأُولى لي، ولأنها البذرة الأساسية التي بدأتُ أكتشفُ من خلالها مواهبي وقدراتي، وكانت بدايةً موفقةً لي، لكنني لا أستطيع العمل ضمن نظامٍ لا يحتاج إلا أن أملأ المعلومات والبيانات بشكلٍ جاهز.

اتجاهٌ مختلف في العملٍ

تقول روز: لفترةٍ طويلة، أثار العمل ضيقي جداً، وأخيراً أخذتُ القرار لعدم راحتي فكرياً، فأنا أؤمن أن الأشخاص الذين يريدون أن يكونوا قادة ومفكرين عليهم المثابرة، وكلما كبر الطموح، زادت المخاطر، وهنا توجهت اتجاهاً آخر مختلفاً تماماً عن ما كنتُ أعمل فيه، وبدأتُ أقرأ عن موضوع إدارة المشاريع، لأن التكتيك هو بعدم التنازل أبداً عن هدفك وزيادة مستوى طموحاتك، وبالفعل بدأتُ أتطلّع أكثر وأكثر على موضوع إدارة المشاريع ومهاراته، فالخبرة عندي في هذا المجال ضئيلة، بدأتُ بنفسي في الاستعانة بالكتب ومختلف مصادر المعلومات، ثم بمحيطي ممن لديهم الخبرة، وكنت أكتب وأدرس وأُراجع المعلومات، وواصلتُ في الوقت ذاته

البحث عن مهن والتقدم لها، كانت هذه هي البداية التي جعلتني أصل لأبدأ بتحقيق ما تصبو إليه نفسي.

وتتابع: بالفعل، خلال أقل من شهر ونصف الشهر التحقتُ بالعمل مع المؤسسة الألمانية للتعاون الدولي "giz" التي يصب تركيزها في صلب العمل المجتمعي مع الناس والبرامج والمشاريع، وفي الوقت نفسه هي مؤسسة عريقة مهاراتها عالية في إدارة المشاريع، وهي مؤسسة قائمة بحد ذاتها مدعومة من الحكومة الألمانية مباشرة للشعب الفلسطيني.

كانت روز في ذلك الوقت مسؤولة الوعي والتواصل المجتمعي مع الناس لمشروع النفايات الصلبة في رام الله والبيرة، وشغلت منصب مسؤولة التوعية المجتمعية، ثم مديرة تطوير الأعمال وبناء الشراكات، وهذا كان آخر منصب تقلدته.

وتقول: هذا يعني أن أتواصل مع الناس، وأُدرب وأكتب محتوى، وأعمل مع مواد توعوية، إضافة إلى التنسيق مع الإعلام والشركاء، والتشبيك مع البلديات والمجالس القروية، وكانت فرصةً لي لأتعرّف على كثيرٍ من البلدات والقرى، ويكون لديَّ مزيج من المعرفة والاحتكاك بأنماطٍ وبيئاتٍ متعددةٍ ومتنوعة.

وتعتبر روز أن ذلك كان نقطة تحول في حياتها، واعتبرتها الإضاءة الثانية التي حصلت لها.

تطوُّرٌ وآفاقٌ جديدة

حصلت روز على منحة إلى دبي للحصول على شهادة متقدمة في استراتيجيات العلاقات العامة، وكانت هذه نقلة كبيرة لها، حسب ما تقول.

وتضيف: بعد هذه المنحة تطورتُ من كوني جزءاً في قطاع خاص بفكرٍ معين، وبدأت أُساعد نفسي، إلى أن وصلتُ لهذا العمل الذي يحتاج لتفكير وتطوير واطلاع لأُنتج محتوى كاملاً متكاملاً من تدريب ونشرات توعوية، فأنا أُحب العمل المجتمعي، وهذا العمل غيّرني كثيراً في حياتي بشكل عام، لأن العطاء مهم جداً، ويترك أثراً وبصمة واضحين في الإنسان.

وتقول: كما أنّ هذا العمل فتح لي آفاقاً كثيرة وفرصاً متعددة للعمل المجتمعي والتدريب، وهنا بدأت أُطور نفسي أكثر، واليوم أتممت ١٥ عاماً من العمل المجتمعي والتدريب وإنتاج المحتوى، فقد أعددتُ ٢٨ دليلاً للتوعية المجتمعية في العديد من المشاريع، ودربت ١١ ألف طالب جامعة حتى اللحظة، ودربت ذوي إعاقة، وكنت أُعلم وأتعلم، فالتفاعل المجتمعي ليس فقط مادةً أو كتاباً أو محاضرة، على العكس تماماً هو أن تتفاعل مع الناس كإنسان لتشبههم ويشبهوك، ولتكون قادراً على أن تعطيهم وتأخذ منهم، فنحن دائماً نتعلم.

وتتابع روز لـ"القدس": وقد تعلمت مهارات التخطيط الاستراتيجي ومهارات التشبيك وبناء الشراكات، وكانت آخر شهادة حصلت عليها من جامعة لايدن في هولندا في حزيران ٢٠١٩ في الحوكَمة في مكافحة الفساد لتحقيق التنمية المستدامة، وكيفية ربطها في محاور التنمية المستدامة، فنحن في عصر التنمية المستدامة ومحاربة الفقر والبطالة وتوفير الماء والغذاء والصحة والتعليم والأرض والاستقلال للشعب، وهذا محورنا في فلسطين، فنحن لدينا مشكلة في الصحة والتعليم وكذلك البطالة، فنحن من النسب الأعلى عالمياً بالبطالة بين الشباب، فحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فإن نسبة البطالة بين الفئة ما بين ١٩-٢٩ عاماً ما يقارب ٥١٪.

التحرر من قيود الوظيفة والسعي للاستقلالية

وتدعو روز الشباب إلى التحرر من قيود الوظيفة، "وهذه الفكرة التي توصلت إليها بعد سنوات عملي وخبرتي الطويلة، فأنا الآن أعمل مستشارة، بعد أن أخذتُ قرار التحرر من قيود الوظيفة، بعد أن طورتُ نفسي، وبالرغم من كل المعيقات والمتاعب لاحقتُ طموحي وثابرت لأصل إلى ما أنا عليه الآن، وحققتُ حلمي بأن أتخلى عن القيود الوظيفية التي تكبلني، ومازلتُ أحلم بتحقيق المزيد".

وتقول روز: بالرغم من محدودية الأُفق وضيق المساحات، لكنني مُصرة على أن أعمل لتكون لي شركتي الخاصة وتكون نافذة للتطوع لأُساعد من يحتاجني فكرياً ومجتمعياً، خاصة التطوع، فأنا منذ عمر ١٢ عاماً وأنا بالعمل التطوعي، لم أنفصل عنه أبداً؛ من الإغاثة الطبية والهلال الأحمر، إضافةً إلى العمل التطوعي المجتمعي بمختلف المؤسسات إلى جانب الوظيفة، لأن هذا العمل يثريني كثيراً، ويغذي روحي، فليس كل شيء بمقابل، فنعمة العطاء تُدخل إلى حياتنا الفرح، وهذا أجمل ما في الحياة.

وتضيف: أنا حالياً أعمل تطوعاً نائب رئيس مجلس إدارة في الهيئة الوطنية لاستقلال القضاء وسيادة القانون، وكذلك مستشارة علاقات عامة مع إحدى النقابات للإداريين والعاملين في محافظة رام الله والبيرة.

كما تقدم روز دورات في معاهد تدريبية لمنطقة الشمال، وبدأت تأسيس عمل خاص بهويتها وحلمها لتكون مستقلة ومتحررة مهنياً، "فالقيود المؤسسية دائماً تحدد الأُفق وتحده بإطار، وأنا ما زال باستطاعتي أن أُقدم وأُعطي أكثر، فأنا أشكر الله على ما وصلتُ إليه في عمر ٣٦ عاماً، وكله يصب في العمل المجتمعي، وبالرغم من كل التعب فإنني سعيدة، فأنا أُعطي بلا حدود كوني أعمل باسمي وأُمثل نفسي، وهنا أقول إني على سلم تحقيق حلمي، وهذا ما يدفعني لأجتهد أكثر"، تقول روز.

تحمل روز خليل شهادة البكالوريوس في إدارة الأعمال، إضافة إلى العديد من الشهادات المنوعة بين شهادة مدرب معتمد من المعهد الفرنسي، وشهادة في التوعية المجتمعية من خلال وسائل الإعلام، وشهادة هورايزون وعلاقتها في البيئة، وشهادة بروتوكول التواصل والتشبيك المتقدم، وشهادة في مهارات الاتصال والتواصل، وشهادة في مهارات الإدارة، وشهادة متقدمة في علاقات العملاء، وشهادة متقدمة في تطوير الأعمال، وشهادة في بناء الفريق.

ويبقى المجتمع غنياً بنماذج لنساءٍ ناجحاتٍ في مختلف المجالات، روز خليل هي إحداهن، فأمضت سنواتٍ في التطوع والإبداع والتميّز، وتستحق تجربتها الاستفادة من بعض ما فيها من دروس وأفكار. هذه الحكاية هي نموذجٌ نسلط فيه الضوء على ريادية المرأة في العمل المجتمعي لتلعب دوراً كبيراً ومؤثراً في مجتمعها.