لقاء ثقافي يستعرض التسلسل الزمني لإنارة نابلس وربطها الجزئي ثم الكلي بالكهرباء الإسرائيلية

نابلس- "القدس" دوت كوم- عماد سعادة- سلّط المستشار والخبير المستقل في الطاقة، المهندس سلام الزاغة، الضوء على تاريخ ومسيرة انارة نابلس بالكهرباء، والعقبات التي مر بها هذا القطاع، وصولاً الى الارتباط الجزئي ثم الكامل بمصادر الكهرباء الاسرائيلية، وإصرار الاحتلال على اعاقة تحقيق اي انفكاك فلسطيني عنه في مجال الكهرباء.

جاء ذلك خلال اللقاء الثقافي الأسبوعي الذي يعقده في حديقة مكتبة بلدية نابلس العامة أسبوعياً عدد من المثقفين والتربويين والاكاديميين المتقاعدين.

وقال منسق اللقاء زهير الدبعي في بداية اللقاء بأن وصولنا الى مرحلة الاتكال الكلي على الكهرباء من مصادر اسرائيلية هي مشكلة قاسية سيكون لها نتائج وخيمة في الحاضر والمستقبل.

وفي سرده لتاريخ إنارة نابلس، أشار الزاغة بداية الى انه في الفترة العثمانية اعتمدت نابلس على قناديل الانارة والسرج الزجاجية لانارة المنازل والشوارع، ففي عام 1914 قررت البلدية ادخال نابلس في مشروع التنوير الكهربائي واتفقت مع متعهد من القدس (شركة كيششان) لتركيب قناديل كل منها بقوة 500 شمعة وتنار بالكاز، وعينت مراقبين اثنين لمتابعة نحو 200 قنديل تم تركيبها آنذاك.

مشروع روتنبيرغ

وفي عهد الانتداب البريطاني، اعطى الانتداب لرئيس المجلس الوطني اليهودي في فلسطين بنحاس روتنبرغ (يهودي روسي الاصل) عام 1921 حق امتيازاقامة محطات توليد الكهرباء في منطقة الباقورة الاردنية جنوب بحيرة طبريا لانارة المدن الاردنية والفلسطينية الواقعة تحت الانتداب. وقام روتنبيرغ فعلا بتأسيس هذا المشروع "مشروع روتنبيرغ"، والذي اصبح لاحقا يعرف باسم "شركة كهرباء فلسطين"، علما ان هذا المشروع استمر بعد النكبة عام 1948 واصبح يسمى منذ عام 1961 "شركة كهرباء اسرائيل".

وأشار الزاغة الى انه جرى في ظل الانتداب محاولة الزام بلدية نابلس بالتعامل مع مشروع روتينبرغ، لكن البلدية رفضت ذلك من منطلق وطني كونه مشروع الاحتلال البريطاني. وفي عام 1936 طلبت بلدية نابلس من الحاكم العسكري البريطاني انارة المدينة من شركة كهرباء فلسطين (روتنبرغ) الا ان اندلاع الثورة الفلسطينية في تلك الفترة أجل الموضوع. ولحل مشكلة الكهرباء في المدينة انتشرت في تلك الفترة المولدات الخاصة التي تعمل بالديزل، حيث قام بتشغيلها عدد من اصحاب رأس المال. وقد ظلت نابلس حتى عام 1956 تزود بالتيار الكهربائي من قبل 3 شركات اهلية صغيرة ومحدودة الامكانيات الفنية والمالية.

المجلس البلدي يقرر استلام زمام الامور فيما يخص الكهرباء

ويوضح الزاغة أنه في عام 1954 شعر المجلس البلدي بضرورة توفير الكهرباء للمواطنين بصورة افضل، وبناء على ذلك تم تكليف شركة استشارية بدراسة انشاء مشروع كهربائي يزود مدينة نابلس وضواحيها بالكهرباء، وتم تحضير مناقصة في عام 1955 بقرض قيمته 100 الف دينار اردني لتركيب وحدات توليد الكهرباء. وتم فعلا تزويد الشبكة الكهربائية بالتيار بتاريخ 25 /5 /1957 عن طريق تشغيل محطة التوليد بالقرب من بلاطة البلد وبقدرة 900 كيلوواط، وكانت مؤلفة من 4 وحدات عملت عن طريق الديزل. واصبح هذا المشروع يحمل اسم (نظام مشروع كهرباء نابلس لسنة 1957) ومهمته توليد الكهرباء وتوزيعها، وتم الاستناد بتاسيسه الى قانون البلديات الاردني رقم 29 لعام 1955. وقـد كان لاقامة مثل هذا المشروع الفائدة الكبرى على المدينة من جميع النواحي الاجتماعية والاقتصادية، وكان مــن المتوقع لهــا أن تخــدم لمدة 10 سـنوات بالقــدرة المذكورة، إلا أن الطلــب علــى خدمـة الكهربـاء فـاق التصـور والتوقعـات، ممـا أدى إلـى قيـام البلديـة برفـع قدرة المحطة لاحقا.

أزمات نقص القدرة الكهربائية

ويتحدث الزاغة عن أزمات نقص في القدرة الكهربائية شهدتها نابلس في تلك المرحلة، وتحديدا في الفترات ما بين 1961- 1963، و1972 – 1974، و1997 – 1981، وقد اجبرت بلدية نابلس على قطع التيار الكهربائي عن انارة الشوارع وعن احياء المدينة بشكل دوري، والذي ادى بالتالي الى معاناة المواطنين وتكبدهم خسائر كبيرة.

ويشير الى ان محطة توليد كهرباء نابلس شهدت تطورا على 3 مراحل، فهناك المحطة القديمة التي بنيت في خمسينيات القرن الماضي بقدرة 3.5 ميغاواط، والمبنى الثاني واطلق عليه المحطة الوسطى وبني اوائل سبعينيات القرن الماضي بقدرة 6.5 ميغاواط، والمبنى الثالث واطلق عليه المحطة الجديدة وبني عام 1997 بقدرة 13.5 ميغاواط. واصبحت تستفيد من هذا المشروع اضافة الى مدينة نابلس اكثر من 20 قرية مجاورة.

وتطرق الزاغة الى أدور المجالس البلدية المتعاقبة في تطوير قطاع الكهرباء، ففي عهد المجلس البلدي المنتخب برئاسة بسام الشكعة في الفترة ما بين 1976 – 1982 تم تعزيز الاعتماد على الذات ورفض الارتباط بشركة كهرباء اسرائيل، وتم الحصول على التمويل المالي من الدعم الذي تبرعت به بعض الدول العربية وفي مقدمتها ليبيا لانشاء محطة توليد بقدرة 14ميغاواط وبلغت التكاليف انذاك اكثر من 2.7 مليون دينار اردني.

بدايات ربط نابلس بالكهرباء الاسرائيلية

بعد سيطرة الاحتلال على بلدية نابلس وتعيين الضابط جبر الهنو رئيسا للبلدية بدأت الخطوات الاولى لربط نابلس بالكهرباء الاسرائيلية، ففي عام 1984 تم ربط مشروع كهرباء نابلس مع شركة كهرباء اسرائيل عبر نقطة ربط عنبتا، لتتبعها عام 1985 نقطة ربط عسكر. وقد كانت عملية الربط هذه جزءا من سياسة الربط الاقتصادي مع اسرائيل. ولكن وعلى الرغم من ذلك فقد حافظت محطة توليد كهرباء نابلس على تزويد نابلس بالكهرباء وبكفاءة، حيث واصل الموظفون والعمال عملهم كما يجب رغم اضراب كافة موظفي البلدية عن العمل. ولم تستطع اللجنة المعينة من الاحتلال السيطرة على المحطة، ووصفت وسائل اعلام اسرائيلية محطة توليد كهرباء نابلس بانها قلعة منظمة التحرير الفلسطينية. ويمكن القول انه في عام 1986 اصبحت محطة التوليد الرئيسية في المدينة تغطي 40% من الاحمال، في حين ان الشركة الاسرائيلية تغطي ما نسبته 60% من هذه الاحمال.

وتابع الزاغة انه بعد ان تولى الشهيد ظافر المصري رئاسة البلدية عام 1985، ركز اهتمامه على تحسين وضع مشروع الكهرباء ومعالجة ضعف التيار الكهربائي، وتم تحرير البلدية من خدمات شركة "الكو" الاسرائيلية من خلال تزويد الكادر الفني بالمعدات اللازمة لفحص وتحديد مكان ونوع الاعطال الفنية في الكوابل الارضية.

أما المجلس البلدي برئاسة المرحوم حافظ طوقان في الفترة ما بين 1986 – 1987 عمد الى سياسة جديدة في انارة الشوارع الرئيسية وكذلك تم تحسين تزويد ابار المياه بالتيار الكهربائي.

الانتفاضة الاولى

وبعد اندلاع الانتفاضة الاولى وتولي رؤساء الاقسام ادارة مهام البلدية، تم تطوير القدرة الكهربائية الخاصة بنقطتي ربط (عنبتا) و(عسكر)، وشراء العديد من المعدات والمواد اللازمة لتطوير وصيانة الشبكات.

وفي فترة المجلس البلدي برئاسة المحامي غسان الشكعة في الفترة ما بين 1994 – 2004، شهدت هذه الفترة تطوير قطاع توزيع الكهرباء بانشاء 4 محطات قدرة مركزية. كما تم رفع قدرة الربط مع الشركة القطرية الاسرائيلية الى 45 ميغافولت امبير عبر 4 نقاط رئيسية وهي (عنبتا) و(عسكر) و(قوصين) و(اودلا).

الاجتياح الاسرائيلي

يشير الزاغة الى انه كان للاجتياحات الاسرائيلية عام 2002 الاثر الكبير في احداث اضرار وتدمير لمشروع وشبكة الكهرباء الذي تطلب فيما بعد جهودا محلية وعربية ودولية لانقاذ البنية التحتية لهذه الخدمة وتطويرها، وقد شملت الاضرار محطات تحويل وشبكات وكوابل ضغط عالي وآليات. وبلغت الاضرار نتيجة العدوان الاسرائيلي اكثر من 2.5 مليون دولار.

لجنة من الحكومة لادارة البلدية

في الفترة ما بين 2004 – 2006 تولى العمل لجنة من وزارات السلطة الفلسطينية برئاسة الدكتور حسين الاعرج وبعد ذلك برئاسة الدكتور غسان الهموز، وكان من ابرز اعمالها استكمال تنفيذ اعمال منحة الاتحاد الاوروبي ولجنة الاغاثة الاسلامية بواسطة الـ UNDP والخاصة باعادة تأهيل الشبكات والاضرار الناجمة عن الاجتياحات الاسرائيلية.

وتابع الزاغة انه في فترة المجلس البلدي برئاسة الحاج عدلي يعيش في الفترة من 2006 – 2012، تم رفع القدرة الكهربائية من الشبكة القطرية الاسرائيية من 45 ميغافولت الى 88 ميغافولت. كما تم انشاء شبكة الضغط العالي لاحياء المنطقة الصناعية الشرقية، الى جانب اعادة تاهيل شبكات الضغط العالي الهوائي القديمة في منطقة شارع طولكرم – نابلس، وكذلك اقامة محطة تحويل القدرة 5 لتزويد مباني جامعة النجاح (الحرم الجديد) وبعض المناطق الغربية من المدينة. وتم كذلك الشروع بمشروع عدادات الدفع المسبق من اجل تحسين كفاية الجباية.

تأسيس شركة كهرباء الشمال

وتطرق الى محاولة سلطة الطاقة الفلسطينية تنظيم قطاع الكهرباء، ومن افرازات ذلك انشاء شركة توزيع كهرباء الشمال، موضحا ان تشكيل الشركة جاء كخطوة إستراتيجية لتنظيم تزويد الخدمة الكهربائية في محافظات الشمال، وليتلاءم مع ما نص عليه قانون الكهرباء العام من أن تزويد الخدمة الكهربائية يجب أن يتلاءم من خلال أجسام مرخصة لضمان أن أداء قطاع الكهرباء يتم وفقاً للمعايير والمواصفات الدولية.

واشار الزاعة الى ان تأسيس هذه الشركة كان مقلقا للاحتلال لأنه رأى في هذا المشروع محاولة فلسطينية للعمل بشكل مستقل في موضوع الكهرباء، في الوقت الذي يسعى هو فيه لابقائنا مجرد زبائن لديه. ومن هنا فان الاحتلال نراه يقاوم اية برامج تطويرية للشركة وهو يصر على ان اي عملية نقل للكهرباء بين المدن الفلسطينية يجب ان تتم عبر شبكاته وفي الوقت ذاته يحرم الجانب الفلسطيني من تاسيس شبكة نقل وطنية ما يعني بقاء سيطرته وتحكمه في هذا القطاع.

هذا وقد دار خلال اللقاء نقاش مستفيض اسهم فيه الحضور وتم طرح العديد من التساؤلات حول مشاكل الكهرباء السابقة والحالية في نابلس.