هرطقات أبو النصر الساخرة في عيون المثقفين

القدس- رنا قفة- إن الهرطقات ذات الكلمات الصغيرة والأسطُر البسيطة، تحمل في طياتها سنوات المعانا،ة وتختزل ألماً كبيراً حمله الكاتب حسام أبو النصر من الشتات حتى الوطن، وهو يُعرف الهرطقات بعيداً عن التعريف التقليدي كوصفٍ كان يُطلق على كل من يخرج عن الكنيسة في العصور الوسطى، وغالباً ما تكون نهايته الموت، فتعتبر الهرطقات بالنسبة له مزيجاً بين الأبيض والأسود، والسماء والأرض، والبر والبحر، الحلو والمر، والمد والجزر، هي التناقضات بحقيقتها، والسياسة ببراغماتيتها، والثقافة بمخالبها.

ويعتبر أنه لم يكن يقصد أن يكون ساخراً، "لكن دُفعنا دفعاً من حجم الألم الوطني والعربي والهم الإنساني الذي لم يترك لنا خياراً سوى المواجهة بالسخرية"، رغم أنه كاتب ومؤرخ جاد، وله خمسة مؤلفات في التاريخ، لكن قاتل من أجل أن يفصل بين الشخصيتين الجادة والساخرة، ودفع ثمناً كبيراً من سنوات حياته، وظلت قناعاته راسخة لم تتزحزح، في وقت زادت فيه أزمات الشعب، والسياسيون لا يسمعون، والمؤامرات تحاك ضد القضية الفلسطينية بكل ما فيها من خصوصية، فجاءت الآراء المختلفة حول هرطقاته التي فرضت نفسها وحضورها على مدار سنوات لينتزع لقب أفضل كاتب ساخر في الوطن العربي من الجزائر.

فيقول الساخر الأردني جعفر طروانة: الكاتب حسام أبو النصر مبدع في هندسة كلماته وأفكاره وإسقاطاته الجميلة، لينعشنا يومياً بما يجود قلمه علينا من هرطقات ساخرة وهادفة، حيث تتناول هذه الهرطقات الشأن السياسي والاجتماعي بأسلوب ساخر، ما يُسهّل استيعابها، ويُسهّل على العقول استقبال مضمونها، كل الاحترام للمبدع حسام أبو النصر.

د.عاطف سلامة، الكاتب والكاريكاتوري المقيم في غزة، يعقب: قد تبدو هرطقات حسام أبو النصر ساذجة وعفوية، لكنها تنم عن وجع، وتخضع لبناء منطقي عقلاني، قائم على حسابات دقيقة، قادر من خلالها على إيصال الفكرة بطريقة استنتاجية ساخرة، وهذا القالب (الفيليتون) القائم على البساطة في التعبير يترك مساحة للمتلقي بأن يجتهد ضمنه كما يشاء ليقرأ ويفهم ما يشاء، لكن يبقى (اللغز)، وهو ما يمثل العقدة التي يريد إيصالها حسام، والتي تريد بكل تأكيد (حك المخ) لحلها.

حتى الروائي المقدسي إبراهيم جوهر يتابع "أبو النصر" في هرطقاته الساخرة، يخز ويعالج ويشير ويؤشّر إلى موطن الداء، وربما يقترح العلاج أو يتركه لاجتهاد القارئ. الهرطقات "الأبو نصرية" لون من الأدب الساخر الذي هو أدبٌ صعب الكتابة، يتطلب عيناً ذكية تلتقط ولساناً ساخراً يقول، وقلماً جريئاً يكتب. لا أجد حالةً أكثر سخريةً من حالتنا، لذا يجب أن تكثر الأقلام الساخرة.

الإعلامي العربي مروان الخطيب من بيروت يعتبر أن "هرطقات حسام أبو النصر هي هرطقات المثقف والباحث ومن يتقن فن السياسة، بضع كلمات تختزل خزي المشهد وتعيد صياغته بما يتناسب مع حجم الهزلية في تفاصيل المشهد السياسي الذي يتخبط بقصيتنا إن كان متعلقا بقضيتنا والبيت الفلسطيني.. أو المتعلق بالاحتلال.. وحتى المطبعين المتآمرين علينا".

ويضيف: "من الألم يضحكنا المشهد الذي يصوغه حسام ببساطة السهل الممتنع لتضاف كلماته إلى سجل الكوميديا السياسية السوداء إن صح التعبير.. نحن الفلسطينيين نضحك على طريقة الشيخ أمام.. مساكين بنضحك من البلوة.. ولسا جوا القلب أمل".

فيما القاص والروائي الكبير محمد نصار يشير إلى أن حسام أبو النصر كاتب معروف كمؤرخ وباحث جاد، له العديد من الأبحاث والدراسات القيمة في هذا المجال، لكنه على النقيض من ذلك تماماً في هرطقاته التي تحمل طابعاً ساخراً يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ هذا الواقع بكل ما فيه من سخرية وغرائبية تفوق الخيال أحياناً. طبعاً، هذا اللون الأدبي ليس جديداً، فهو موجود شعراً ونثراً من قبل، وإن كان سببه غائباً في كتاباتنا، من هنا كان حسام رائداً في التعاطي مع هذا اللون المميز الذي يعبر لنا عن واقعنا المؤلم بهذه الطريقة الساخرة التي تمكنه من الوصول إلى القارئ بشكل أسرع وأكثر أثراً.

حتى الإعلامية في وكالة "معاً" رنا أبو فرحة المقيمة في بيت لحم اعتبرت أنّ لكل حادث هرطقة، كما أنه لكل حادث حديث.. كما أتابع تعليقات كبار المحللين على أحداث المنطقة، أُتابع بل أنتظر هرطقة الأستاذ حسام، كونه يلامس تفكيرنا الباطني بطريقة تستخرج الضحك المكبوت.

الكاتب الصحفي والمحاضر المصري د.خالد سعيد يقول: إنه لا يمكن إطلاق مصطلح "علَّامة" على أبو النصر من فراغ، إذ ليس متابعاً عادياً للأحداث فحسب، إنما منتقدٌ لها أيضاً، وبشكل ساخر ومُسلٍّ. تمكن حسام من الخروج عن المألوف بـ"هرطقات" محمودة، ترغب في المزيد منها، خاصة أنه قارئ نَهِم وكاتب ساخر، ينتقد دون تجريح، ويلِّوح دون إشارة، ويضرب دون ألم، ومع ذلك فهو مقرب من الجميع. أبو النصر كاتب وصحفي وباحث وناقد ومؤرخ وفيسبوكي.

الروائية السورية يمامة خيو من دمشق تقول: إن حسام أبو النصر أول صديق لي من فلسطين.. ملامح فلسطين اليومية عرفتها من خلاله عن نظرة الفلسطينيين للأحداث اليومية والاجتماعية والسياسية الكبرى، تعرفت عليه من خلال (هرطقاته)، كانت المرة اﻷولى التي ينكسر فيها جدار التقارير اﻹخبارية.. وأرى فلسطين بشكلها اليومي الحي.

الإعلامية ميسون كحيل، محررة في دنيا الوطن بغزة، تقول: هرطقات الصديق حسام أبو النصر ومضات ذكية تقتنص الحدث بأسلوب ساخر ولاذع، وتصل إلى القارئ بكل سهولة، فهي كالسهل الممتنع.

الكاتب القدير زعل أبو رقطي، رام الله، يصف حسام أبو النصر بأنه "ذلك الفلسطيني المشاكس، والقادم من صخب بحر غزه ولياليها الدافئة.. قاوم الوحدة بنسج علاقات مع معظم سكان رام الله وضواحيها، معتمداً على وجع غربته وروح الفكاهة لديه.. وشغفه بنسج علاقات متينة.. ومشاركته بكل المناسبات الوطنية والثقافية والفكرية.. حتى في مجال لعبة ورق في مقهى الانشراح رغم خسارته الدائمة، والتي كثيراً ما تكون مقصودة ليعطي للجو نكهة فرح..

تستمتع وأنت تقرأ هرطقاته الصباحية.. وتستغرب من هرطقاته الليلة التي تشبه الكوابيس والتي تحتاج لمترجم كي يفك رموزها، وكثيراً ما تكون سخرية ممزوجة بوجعٍ أحياناً تراه وجعاً خاصاً، لكنه بالغالب هو وجعنا جميعاً.. حسام لوحة فنية جميلة بروحٍ عذبةٍ وقدرةٍ على التحمل وتجاوز المحن وما أكثرها بحياته".

ويضيف أبو رقطي: "هو صديق الجميع.. ورجل مشاكس من الطراز الفريد.. وأحيانا تصل مشاكسته حد الخلاف مع الجميع.. ولو كنت مسؤولاً عن كتابات السخرية أو كما يحلو له تسميتها بالهرطقة، لاعتقلتُه في مكان محايد وتركته يُدون كل ما في ذاكرته من هرطقات جميلة وجارحة ومعبرة وساخرة حد الحقيقة!".

الفنانة القديرة ميساء الخطيب رام الله، ترى الهرطقات "السخرية اللاذعة، ربما تلدغ بعض الأرواح هنا، ولكنها تشفي أرواحاً كثيرة بالرغم من مرارتها، لدغات أحياناً تكون قاسية بقساوة حياة حسام أبو النصر، وأحياناً تكون حنونة وتعكس روحه، لدغات تُضحكني أحياناً وتُبكيني كثيراً، لدغات جريئة حتى لو لم أتفق مع بعضها، لكنها حرية قلم وقلب فلسطيني".

أما الروائية المصرية منى الشيمي، فتقول: بكامل الوعي يأخذنا حسام أبو النصر إلى جلسةٍ على أطلال الأطلال. كلمات قليلة عن السباق المحموم للتطبيع مع العدو، لكن وقعها كالكرباج. تضحك كثيراً على ما آلت إليه الأوضاع، لكنه مثلما قال المتنبي: ضحك كالبكاء.

الكاتب والباحث عبد الغني سلامة، رام الله، يقول: استطاع الصديق حسام أبو النصر أن يطرح قضيته الشخصية (وهي قضية عادلة) وأن يفرض نفسه في الفضاء الأزرق بذكاء وخفة دم، وبأسلوب جديد ومتميز، عبر منشوراته المتكررة بتوقيع "هرطقات".. وهي زاوية خفيفة الظل، تسخر بوعيٍ وبشكلٍ لاذعٍ أحياناً، وتلفت انتباهنا لما غفلنا عنه، وأعتقد أنّ المئات مثلي (وربما الآلاف) يتابعون هرطقات أبو النصر باهتمام ومتعة. وفي حالات نادرة، نلحظ قدراً من النرجسية في الهرطقات.. ومع ذلك، أنا شخصياً أُحبها وأستمتع بها، وأحياناً تضحكني بشدة، وغالباً ما أُعلق عليها، أو أكتفي بإشارة لايك.

الروائي ناجي الناجي، المستشار الثقافي في القاهرة، يعتبر السخرية سلاحاً أشد إيلاماً من كافة البيانات المباشرة، وهي مهارة تتطلب كتابة مختلفة وكاتباً منغمساً في المعاناة لا في الرفاهية أو الترف، وهذا ما تقوم به هرطقات حسام أبو النصر التي باتت متابعتها جزءاً رئيساً من البرنامج اليومي للكثيرين، يُشرّح كل ما يأتي أمامه بطريقته الخاصة، يقسو قليلاً في بعض الأحيان، أو كثيراً، وهذا هو دور المثقف الحر.

رانيا الحسيني مديرة مكتبة رام الله تعتبر صاحب الهرطقات: لسان جريء ومواقف حرة تحملنا إلى الحقيقة دون خوف أو تردد. كلماته رشيقة مغلفة بالكثير من الجدّ والهزل في آنٍ واحد.

رُبا مسروجي، رئيس مجلس إدارة دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، تشير إلى أنّ هجاء أُسلوب الكتابة بالهرطقات أو تناول المواضيع الساخنة بأُسلوبٍ ساخرٍ كأحد أشكال النقد والتعرض للتابوهات برمزيةٍ ذكيةٍ وساخرة، وربما هي طريقةٌ من طرق المقاومة والرفض في ظل عصرٍ يسوده الاستبداد والهيمنة، لذلك إذا أردنا تصنيف أُسلوب الهرطقات تحت صنوف الأدب فهي تأتي تحت صنف النقد، بكل صوره؛ النقد الأدبي أو الاجتماعي أو السياسي وغيرها.

وتضيف: من هنا تهمس لنا هرطقات حسام أبو النصر، بالمواضيع التي ينتقدها ويسلط الضوء عليها بأُسلوبه الساخر، فهو يكثّف ويختزل الموضوع الذي يتناوله بسطر أو سطرين بأُسلوبٍ يجذب الناس ويدعوهم إلى تناقله، فاذا أخذنا مثالاً من الهرطقات المكتوبه سنعرف أنها تتناول موضوعاً آنياً، لذلك فهي أيضاً تقوم بدور توثيقي للأحداث اليومية التي تأتي الهرطقات من وحيها وناقدة لها.

الكاتب والإعلامي الكبير د.حسن عبد الله، رام الله، يقول: "أعددتُ وقدمتُ نشرات إخبارية ساخرة، وأنا طالب في الجامعة، كنت أُسلط الضوء من خلالها على مظاهر معينة في الجامعة. وكان أُسلوب كتابة النشرة فكاهياً وبالأسماء الحقيقية، لتحظى التجربة في تلك الفترة باستحسان الطلبة والأساتذة. لم أكن أعلم أنّ نشرتي الفكاهية هي إعداد وتمرين لي لكي أكون إعلامياً في المستقبل، حيث لم يكن تخصص الإعلام مدرجاً ضمن التخصصات في الجامعات الفلسطينية، وأقصد في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ولأحرر على مدى سنوات طوال في تجربتي الإعلامية العملية نشرات أخبار لا أعرف عددها، فقد عملت محرراً ورئيس تحرير في محطة تلفزية واحدة أكثر من خمسة عشر عاماً.

ويتابع: أتذكّر نشراتي الفكاهية في الجامعة وليس نشراتي التراجيدية في حياتي العملية، وأنا أُتابع "هرطقات فيسبوكية" للصديق الباحث حسام أبو النصر، فهو يكتب بطريقةٍ لافتة، شديدة التكثيف، وناقدةٍ بشكلٍ لاذع، لكنها من فرط مفارقاتها وذكائها لا تثير حفيظة أحد، حتى الذين قصدهم وتعرضوا للسع. هرطقات حسام تعكس ثقافة عامة واسعة، ومعرفة دقيقة بالمجتمع، وجرأة في الطرح، والأهم الاقتصاد في اللغة، فلا تتعدى "الهرطقة الواحدة" جملتين أو ثلاث جُمَل".

أُستاذ التاريخ في جامعات غزة د.عبد الناصر سرور يقول: "من خلال متابعاتي شبه المستمرة للهرطقات الساخرة التي يعرضها الأستاذ حسام أبو النصر (هرطقات ليلية) تعكس مدى الوعي والإدراك وعمق التفكير للأُستاذ حسام، وتدلل على قدرته في توظيف تجربته الغزيرة التي ساهم في إثرائها التاريخ النضالي لوالده الشهيد ووالدته الأُم الفلسطينية المناضلة، ومسيرة حياته ما بين الهجرة واللجوء، فالشتات ومن ثم العودة..".

ويضيف: "حسام أبو النصر بأسلوبه الساخر عكس الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي والمعيشي للحالة الفلسطينية بكل تجلياتها وتفاصيلها.. باعتقادي إنه جسد صورةً أُخرى من صور النضال الفلسطيني عبر الكلمة الساخرة و الهادفة، التي تعكس الحالة الحقيقية والشعور الصادق لما يجول في خاطر كاتبها الملتزم حسام أبو النصر، وهرطقاته الساخرة نموذج لوجه آخر من وجوه الفن الفلسطيني، لا يقل أهميةً عن فن الكاريكاتير والفنون التشكيلية التي عكست الحالة الفلسطينية بكل تفاصيلها وتطوراتها وتجلياتها".

الناشطة نرمين خرما المقيمة في سويسرا تقول: "هرطقات حسام بتذكرني بجلال عامر ومحمود السعدني، الكوميديا الساخرة المعبرة بضحكةٍ وألمٍ عن شعور كل واحدٍ منا".

أما الروائي الكبير ربعي المدهون، فيقول: "أُتابع هرطقات حسام أبو النصر الجميلة باستمرار، وأعتبره كاتب مقال من جملة واحدة: ومضة خاطفة تفضح بسخرية لاذعة، قضية ما، أو تتصدى لظاهرة أو حدث، وتتأسس على مفارقاتها. هو، في هذا السياق، رسام كاريكاتور كلام، ذو نبضٍ شعبيٍّ وحسٍّ مُرهَف، صنع عالمه الخاص واختار أُسلوبه، واستعار تقنيات الكاريكاتور، ولم يستخدم خطوطه. لا تعكس هرطقات أبو النصر معناها المباشر ولا تستدعي دلالاته. فهي قناعٌ أشبه بتنويهٍ يخلي مسؤولية الكاتب عن "كلام رصاص" موجع قد يطلقه، أبو النصر كاتب ساخر بجدية، وجاد بسخرية".