كيف نشفى من حب الجزائر؟

بقلم:محمد أمين

فلسطين لدى الجزائريين شعبا وقيادة، هي قضية جزائرية بامتياز، هي قضية عابرة للخلافات السياسية والحزبية، عابرة للانتماءات القبلية أو الجهوية، ثابتة في زمن الثورات وعصر الجنرالات، وزمن الحراك وما بعده، باختصار هي بالفعل كما عبر عنها الرئيس الجزائري بطلاقة لسان ووضح ودون تردد هي "أم القضايا وقضية مقدسة" لأن الشعب الجزائري ثائر وحر، والحر يقدس المقدسات، فهي مقدسة لدى الشعب الجزائري وخط أحمر في قلب ووجدان الجزائريين والجزائريات، هم مع فلسطين ظالمة أو مظلومة، رحم الله بومدين.

في زمن التيه العربي، وغياب الدول العربية الكبرى، تبقى الجزائر الكبرى بوصلة، تذكر العرب بأنهم يسيرون عكس التيار، تذكر الجزائر الثورة والحراك والكرامة بأن أم القضايا العربية هي فلسطين، ولا يمكن أن يكون للعرب عز دونها، ولا يمكن أن تكون الهرولة نحو إسرائيل إلا انحرافا وشذوذا، بميزان العروبة والدين، بميزان الوطن، بميزان الإنسانية وأخلاقياتها، بميزان السياسة وبراغماتيتها.

لم اتشرف بالعيش في الجزائر لكني سمعت قصصا كثيرة من فلسطينيين درسوا وعاشوا فيها عن الكرم والنبل وحب الشعب الجزائرين الحقيقي لفلسطين، هم الشعب الوحيد الذي وقف جمهوره الكروي ليشجع الفريق الفلسطيني ضد فريق بلاده، هم شعب كريم وابن ثوار كرام، تشربوا الحرية والأنفة جيلا عن جيل.

كم سمعت قصصا عن إيواء الفلسطينيين من برد، وعن تبرع الجزائريات بحليهم الذهبية لفلسطين، سمعت ممن عاشوا في الجزائر عن أخلاق هذا الشعب، علّمت الجزائر العرب الثورة ضد الاحتلال، وعلمتهم التضحية من أجل الديمقراطية، وعلمتهم الحراك السلمي المدني، وهي اليوم تعيد تعليمهم أن فلسطين قضية الأمة المركزية وبوصلتها، وأن الجبن يكمن في الانحناء للمحتل وأن الشجاعة تتجلى في الصمود في مواجهته، وأن التطبيع عار لا يمحى، وأن النضال شيمة لا تنسى، وأن القدس هي أولي القبلتين وثالث الحرمين، وأن الصهيونية هي سرطان يستهدف الانتشار في جسم الأمة، وأن المقاومين الفلسطينيين وثورتهم المتواصلة ضد الاحتلال هي امتداد للثورة الجزائرية المجيدة، وأن هذا هو السبيل، فلا تتبّعن سبيل المطبعين.

فلسطين والجزائر رصاصتان في بندقية، يرى الشعب الفلسطيني في الثورة الجزائرية ملهما لثورته، الثورة الجزائرية التي انطلت عام 1954 ب 400 قطعة سلاح وألف ونيف من المناضلين واجهت ذات التحديات والتثبيط والتشكيك، لكنها واصلت طريقها المبارك إلى أن كنست الاحتلال الفرنسي، الذي كان ساديا حاله حال الاحتلال الصهيوني، وفي الوقت الذي كان فيه عملاء الاستعمار يصدرون الفتاوى المناهضة للثورة، كان الجزائريون يواصلون نضالهم دون الالتفات للخونة سبع سنوات ومليون شهيد، وثلاثة وسبعين عاما من النكبة الفلسطينية والثورة مستمرة، صمودا ومقاومة ورفضا.

عندما قال الرئيس الراحل هواري بومدين كلمته الشهيرة " مع فلسطين ظالمة أو مظلومة" فقد عبر بامتياز عن ضمير الشعب الجزائري، وليس من المفارقة أن الجزائريين مهما اختلوا بينهم إلا أن القضية الوحيدة التي لا يختلفون عليها أو حولها هي القضية الفلسطينية.

الغريب أن الدول التي لم تخض يوما حربا مع إسرائيل ولا غيرها، ولم تقم يوما بثورة مسلحة ولا سليمة هي التي تقول أنها ملت من الحروب!! فيما من خبر الثورات وقدم فيها الشهداء والجرحى هو الذي يدعو لمواصلة النضال؟ فمن نصدق إذا؟ من يتحدث عن شيء لم يمارسه أم من يتحدث عن تجربة نضالية، وليست فقط نضالية بل نضالية ناجحة انتهت بطرد المستعمر، فيما الطرف الآخر ما زال مُستعمرا ولو سحب من استعمره جيشه، من تُستعمر إرادته يرضخ دون مقاومة.

تحية فلسطينية للجزائريين، فشاعر الثورة الفلسطينية الكبير محمود درويش، تمنى أن يكون ماسح أحذية في الجزائر، وكان أول خروج له من بيروت للجزائر وبجواز جزائري، وفيها كتب نص إعلان استقلال الدولة الفلسطينية عام1988م، وعنها قال في آخر زيارة عام 2005 أن “هذا الشعب الذي قام بثورة لردع أعتى قوة استعمارية يستحيل أن يستقيل من الحياة".

عن "الجزيرة نت"