النَّــزاهــةُ والشَّــفافيَّــةُ وعــدالــةُ التَّــقييــم ... حلقاتٌ مفقودةٌ في بعضِ المدارسِ الخاصَّة

بقلم: د. خالد التلاحمة

لا يخفى على أيّ مُطَّلعٍ أو مُتابعٍ لمُجريات العمليَّة التَّعليميَّة والتَّربوية في فلسطين، بأنَّ المدارس الخاصَّة وعلى الرَّغم ممَّا حقَّقته من إنجازاتٍ علميَّة عالية المُستوى، إلا أنَّ ممارسات أكاديمية وإدارية في جزء من هذه المدارس، ولا أقصد مدرسة بعينها، باتت تحتاجُ إلى وقفة حقيقيَّة وجدية تنطلق من المصلحة الوطنيَّة التي يمكن من خلالها تحرير البيئة المدرسية من البيروقراطيَّة وتوجهاتها النفعية الماليّة البحتة. في التوصيف لم تعد البيروقراطية معيقة فحسب، بل تطورت إلى بيروقراطية مميتة لطموحات الطلبة في الحصول على تعليم نوعي، حتى أنَّنا يمكن، بناء على ذلك، أنْ نصف هيئات الإدارة في بعض المدارس الخاصَّة بِـ "الهيئات الجنائزيَّة" التي تتولَّى تكفين الطَّاقات العلمية لطلبتها وتشييعها إلى مثواها الأخير!

لستُ متشائماً، إلا أنّ مُشكلات حقيقيَّة يمكن أنْ تَحُدَّ من تطلُّعاتنا من أجل تحسين مُنتجنا الوطني على صعيد التعليم الخاص؛ يمكن تَلمّس ذلك، بالنَّظر إلى اعتبارات متعلِّقة بالظُّروف التي تحكم بيئة العمل الأكاديمي والإداري، لاسيما تلك التي تحكم ظروف التَّقييم الأكاديمي للطَّلبة، ومُستوى التَّدريس في بعض المدارس الخاصَّة الفلسطينيَّة التي تعتمد مناهج أجنبية وبرامجَ دوليَّة.

قد تكونُ جائحة كورونا قد ألقت بظلالها الشَّاحبة على سير العملية التَّدريسية في كافة مدارس الوطن العامَّة منها والخاصَّة، لكنَّني أَودُّ مع بداية العام الدراسي الحالي تسليط الضَّوء على المدارس الخاصَّة التي لم نلحظ قيام بعضها بإجراءاتٍ فاعلةٍ للتَّغلُّب على الصُّعوبات التي أحدثتها جائحةُ كورونا، فضلاً عن افتقارِها لخطَّة إستراتيجية تسير عليها لتلافي نقاط الضَّعف والقُصور الموجودة وتَحسين مُستوى أدائِها، وأكتفي في هذا السِّياق بالإشارة إلى النُّقاط الآتية:

أولاً: نقصُ الشَّفافيَّة والوضوح في آلية اتخاذ القرارات وعلنية الإجراءات ومعايير تقييم علامات الطَّلبة النِّهائيَّة في بعض المدارس الخاصَّة، فالمُلاحَظ في السَّنة الماضية - التي كانت بالفعل صعبة جداً على الطَّلبة الخريجين من البرامجَ الدوليَّة التي تُعادل برنامج الثانويَّة العامَّة الفلسطيني- أنَّ بعض إدارات المدارس الخاصَّة لعبت دوراً كبيراً في وضعِ علامات الطَّلبة ضمن مُستويات مُعيَّنة بغضِّ النَّظر عن المُستوى الحقيقي للطَّلبة، وقد كان دور بعض المدارس سلبياً وضارَّاً بصورة أدَّت إلى إلقاءِ بعض الطَّلبة تحت الحافلة كضحايا، حتى لا يبدو أن هناك خللاً أو تضخُّماً في توزيع العلامات، فآليات احتساب العلامات كانت عبارة عن صندوقٍ أسودٍ مُقفل؛ إذ لم تكن مُعلَنة ولا مُحدَّدة بشكل واضح. مُستغلِّين بذلك إلغاء الامتحانات الدوليَّة الرسميَّة على ضوء جائحة كورونا، وهنا يطفو على السَّطح تساؤلات كثيرة برسم إجابة الإدارات المدرسيّة من مثل: أين دورُ وزارة التَّربية والتَّعليم من كُلِّ ذلك؟ وهل معاييرُ التَّقييم تتوافقُ والمرحلة التي يمرُّ بها العالمُ كُلُّه؟ وهل حصلَ تعديلٌ أو تغييرٌ على هذه المعايير بعد إعلان نتائج الطلبة؟ وهل تستندُ هذه المعايير وآليات تطبيقها على أنظمة دولية أكاديمية وتربوية راسخة؟ وهل تتحمَّلُ إداراتُ المدارسِ المسؤوليةَ القانونيَّة والأخلاقيَّة عن الإجحاف والظُّلم الذي تعرَّض له بعض الطَّلبة، لاسيما وأنها كانت شريكةً بشكلٍ أو بآخر في وضع علاماتهم؟

ثانياً: التَّباين الشَّديد في معايير التَّقييم بين مدرسة خاصَّة وأخرى، ندرك تماماً أن قطاع المدارس الخاصَّة مختلف عن تلك الحكومية، وأن هناك فروقات بينية داخل سياق المدارس الخاصَّة نفسها في قضايا متعددة من ضمنها التَّقييم، لكنّها اختلافات لا ينبغي أن تُصبح تباينات بفجوات متسعة دون إيضاح لأسباب الاختلاف الجوهري. وهو ما قاد بشكلٍ أو بآخر إلى تراجع مُستوى التَّعليم دافع الأهالي الأكبر لإلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصَّة، يتداخل مع هذا التباين، الحدِّ من استمراريَّة عمل الهيئة التدريسية الكفؤ في بعض المدارس الخاصَّة، إذ أن مدارس عديدة، قامت بتغيير مدرسين فيها عدة مرات خلال فترات قصيرة من العام الدراسي، ما يمكن اعتباره مؤشرا كافيا على غياب الاهتمام والرؤية بتكوين خبرات تراكميَّة لدى الهيئة التَّدريسيَّة تنعكس على مُخرجات العمليّة التَّعليميَّة.

ثالثاً: يتعلَّقُ الأمرُ هنا بإشكاليَّة قيام بعضِ المُدرسين في المدارس الخاصَّة بإعطاء دروس خصوصيَّة مدفوعة الأجرِ للطَّلبة الذين يُدرِّسونهم في المدرسة نفسها، وهنا لا بُدّ أَنْ نَقِفَ لنتساءل: ما الدَّاعي والمُبرِّر لهذه الدروس إذا كان المُدرِّس يعملُ بأمانةٍ وإخلاصٍ، ويُقدِّمُ كُلَّ ما لديه لطلبته أثناء الدَّوام المدرسي؟ ثُمَّ أين دورُ المدرسة في الإشراف والرَّقابة والمُتابعة على هذه السُّلوكيَّات؟! وهل التَّركيز في بعض المدارس الخاصَّة بات منصبَّاً على جني المال أكثر؟ أم على تقديمِ تعليمٍ نوعيٍّ يكون في مصاف ما تُقدِّمُه المدارس الدَّولية ذات المكانة؟ ثم ماذا عن التَّوازن بين ما تحصل عليه هذه المدارس من رسوم دراسيَّة مُرتفعة وبين ما تُقدِّمه من خدماتٍ تعليميَّة ينبغي أن تكونُ جودة مُخرجاتها مُطابقة لرسالتها وأهدافها التَّعليميَّة المُعلنة؟

في الواقع، لا يمكن تَقبل تفسير وتبرير أسباب الدروس الخاصَّة بأنها مُوجَّهة في الأَصل لتمكين الطَّلبة ذوي المُستوى الأكاديمي المُتدنٍّي في المهارات الأساسيَّة في التَّعلُّم والتَّعليم، كما أن إدارات المدارس الخاصَّة غير معفيّة من مسؤوليتها في اتِّخاذ إجراءات إدارية داخلية بحقِّ كُلِّ مُدرِّسٍ يستغلُّ طلبتهُ في جني الأموال من وراء هذه الدُّروس، بما أنَّ ذلك لا يتوافق مع رؤيتها ورسالتها المُعلنة، ونعتقد أن المأخذ الأكبر على الدُّروس الخصوصيَّة هو أن المدارس الخاصَّة تتلقى مبالغ ماليّة كبيرة بحجة جودة مُخرجاتها، وعليه يُعد هذا التوجه من الطلبة دليل فشل للمدارس في تحقيق رؤيتها القائمة على كفاية التعليم الصفّي.

رابعاً: هل تلتزمُ المدارسُ الخاصَّةُ بالإطار الفلسفي الذي وضعتهُ لنفسها؟ وإذا كان جميعُ الطَّلبة مُتساويين في عدم منحهم فرصة القفز فوق مقياسٍ أكاديميٍّ نُصِبَ مُسبقاً مُراعاةً لمصالح لا تقوم على أسس موضوعية، فهل هُناك ثَمَّة مُبرِّرٍ لتميُّز هذه المدارس وإعطائها نُقاط قوَّة أكثر من غيرها؟

وفي تقديري فإنّ المُشكلة لا تتوقَّفُ عند هذا الحدِّ، وإنَّما تتجاوزها إلى طبيعة الفكر الذي يُدير جزء من هذه المدارس بأسلوبٍ لا يتماشى ووتيرة التَّغيُّرات المُتسارعة في أساليب وطرق التَّعليم المدرسي على المستوى الإقليمي والدولي، فالتَّعليم في هذه المدارس وفق هذه المُمارسات ما هو إِلَّا سِلْعة مُفضَّلة لا يتحدَّدُ ثمنُها على أساس قيمةٍ علميَّة أصيلةٍ في الطَّالب، وإِنَّما وفقَ معايير أبعد ما تكون عن النَّزاهةِ والعدالة والفروق الفرديَّة بين الطَّلبة.

ولنا أن نتخيَّل مِقدار التَّراجع الملحوظ في الالتزام بمنظومة قيم النَّزاهة المتعلقة بالصدق والإخلاص وحُسن الأداء في عمل هذه المدارس، وهي تُسهمُ في تكريس "الهدر الأكاديمي" في طاقات أبنائنا الطلبة و"الهدر المالي" لجيوب الأهالي، وإنَّني إذْ أكتبُ هذه السُّطور مُتطلعاً من صنَاع القرار وفي مقدمتهم وزارة التَّربية والتَّعليم بصفتها الجهة الرسمية المسؤولة عن رسم السياسات المتعلقة بالتعليم العام والخاص، إلى عمل ما يأتي:

1. إجراءِ مُراجعةٍ للأُطرِ القانونيَّة الحاليَّة والسَّابقة للمدارس الخاصَّة، لاسيما وأنَّ تعليمات ترخيص المُؤسَّسات التَّعليميَّة الخاصَّة لسنة 2019م، جاءت مُخالفةً للمادَّة (15) من القرار بقانون رقم (8) لسنة 2017م بشأن التَّربية والتَّعليم، التي نصَّت صراحةً على إصدار إجراءاتِ ترخيصها بموجب نظامٍ يصدُر عن مجلس الوزراء وليس تعليماتٍ تصدر عن وزير التَّربية والتَّعليم.

2. وضعِ الإطار التَّشريعي المُناسب المُنظِّم لأنواع الُمخالفات المُتوقَّع ارتِكابِها من قِبَل المؤسَّسات التَّعليمية الخاصَّة، مقترنةً بالعقوبات المفروضةِ على كُلِّ مُخالفة، مع بيانِ الجهة المنوط بها إِيقاع هذه العقوبات.

3. وجودَ لجانٍ مُتخصِّصةٍ في وزارة التَّربية والتَّعليم من كافَّة التَّخصُّصات، تكون لديها إلمام بمعايير ومستوى البرامج الدولية ومناهجها وسيرورة عملها، لاسيما وأنَّ بعض المدارس الخاصَّة ترى نفسها في مَعزلٍ عن المُساءلةِ من وزارة التَّربية والتَّعليم؛ بحُجَّة عدم وجود طواقم مُتخصِّصة تُشرف عليها وتستوعب برامجها، وتمتلكُ المعرفة والقُدرة الكافية لتحديد التجاوزات التَّربويَّة والأكاديميَّة حال وقوعها.

4. تفعيلِ دور وزارة التَّربية والتَّعليم في الرَّقابة والإِشراف المُتواصل على المدارس الخاصَّة على غرار رقابتها على المدارس الحكوميَّة، وهذا يستدعي زيادة عدد الموظفين المختصين بالرقابة والإشراف في وزارة التَّربية والتَّعليم، إلى جانب وضع الآليات المُناسبة لضمان مُراعاة قِيَمِ العدالة الأكاديميَّة، تلك القِيَم التي يُمكنني أن أجزمَ أنَّها ستُسهم إذا ما عززناها في خدمة تطلُّعاتِنا نحوَ الارتقاء بالمُستوى الأكاديمي الفلسطيني في إطار منظومة التَّقييم الدَّولي للمدارس في العالَمِ كُلِّه.