ماراثون "السلام" مع إسرائيل.. كيف انقلبت المعايير فجأة؟!

بقلم: ناهد العجب القحطاني

تهافتت بعض الدول الخليجية نحو السلام مع إسرائيل، والذي كان برعاية الولايات المتحدة الامريكية ممثلة بدونالد ترامب ومستشاره وصهره جاريد كوشنر، وتمخضت المبادرة عن موافقة دولتين خليجيتين على اعلان الاتفاق مع إسرائيل دون قيد أو شرط، وتم التوقيع في 15ايلول الجاري على اتفاقية السلام بين الامارات والبحرين وإسرائيل، كما أبدت بعض الدول الخليجية تحفظها وتمسكها بمبدأ "لا سلام بدون حل جذري للقضية الفلسطينية وقيام الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية"، ويبدى الناشطون الإسرائيليون تأكيدهم أن باقي دول الخليج في طريقها للتطبيع ولكنها مسألة وقت لا غير!

الغريب في الموضوع هو الاستعداد المسبق لدى دولة الامارات للبروباغاندا الإعلامية المصاحبة للاتفاق، فقد فوجئنا بطفلة إماراتية تقوم بتحية الشعب الإسرائيلي باللغة العبرية ومباركتها للسلام، وشخص اخر يتكلم اللغة العبرية بطلاقة تامة كان مترجما لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء زيارته للإمارات، والذي شكره لدوره في الترجمة كما دعاه لزيارة إسرائيل، وما يثير الدهشة هو جواب هذا الشخص الاماراتي عندما سأله نتنياهو: كيف لك أن تتكلم باللغة العبرية بهذه الطلاقة؟ فكان جوابه غير مقنع وبأنه تعلمها عبر الانترنت!

كما شاهدنا أطفالا يحتفلون بالاتفاق مع إسرائيل، وقد طُبعت على الكعك صورة العلمين الاماراتي والإسرائيلي، وهم يغنون النشيدين الوطنيين للبلدين ويلوحون بالعلمين بأيديهم!

كما شاهدنا الحاخام اليهودي وهو ينفخ البوق اليهودي (الشوفار) في دبي بمناسبة حلول رأس السنة العبرية.

فما هذا التحول الجذري الذي لا يستوعبه عقل من عدو الى حبيب؟! من مغتصب أراض وقاتل الى ابن عم؟! من إخواننا الفلسطينيين الى الفلسطينيين الحاقدين الناكرين لمواقفنا الذين لا يتمنون لنا الا الموت والهلاك؟! من فلسطين قضية العرب الى فلسطين ليست قضيتنا؟! من القدس مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم، الى القدس ليست بتلك الأهمية الدينية؟! من المنابر التي كانت تدعو بالنصر لإخواننا الفلسطينيين الى المنابر التي تصدح بالسلام وتدعو له بدون قيد أو شرط وتنعت الصهاينة بالجيران؟!

إنني أتفهم أن إسرائيل تتمنى أن يكون لها علاقات مع دول الخليج، خاصة وكما ذكر الدكتور عبدالله النفيسي أن إسرائيل ستكسب الكثير من التطبيع الخليجي ابتداء من سهولة وصول موارد الطاقة لها من نفط وغاز، وبتكلفة أقل بكثير من السابق مما سيعزز اقتصادها، وكذلك ستستفيد من السوق الخليجية المنتعشة بسبب التفكير الاستهلاكي المتفشي فيها، مما سيزيد أيضا في مواردها الاقتصادية وأيضا سيكون لها دور رئيسي في تحريك المشاهد السياسية، كما ترغب وحسب مصالحها والخوف من مطالبة اليهود بأراضيهم في الجزيرة العربية، فكما شاهدت في صفحة الإعلامي الإسرائيلي إيدي كوهين وهو يستعرض القلاع اليهودية في مدينة الطائف بالسعودية!

إذا ستكسب إسرائيل الكثير من وجود تطبيع مع الدول الخليجية، ولكن ما الذي ستكسبه الدول الخليجية والعرب في المقابل؟ هل ضغطت على إسرائيل المتعطشة للتطبيع لحل الخلاف الفلسطيني الإسرائيلي مقابل ذلك؟ ولماذا قدم التطبيع مع إسرائيل بشكل مجاني؟

إنني شخصيا لا أعرف السرعة التي انقلبت بها كل المعايير، والتي اتبعت منهجية عرف سببها الآن بدأت بإثارة الحنق على الشعب الفلسطيني، بسبب تصرفات فردية بدون قصد أو بسبب إيعاز ممن يريدون استغلال المواقف، والتذمر من استنزاف مال التبرعات الخليجية للقضية الفلسطينية بدون فائدة تذكر، وقيام إسرائيليين ممن يجيدون اللغة العربية بعرض الأخبار العربية بشكل مسبق، ويصدق الخبر كل مرة لتزيد الثقة من المصدر وليجذب المتابع العربي، وبعد ذلك يخلط السم بالعسل ويقوم بالتسويق للديمقراطية الإسرائيلية وإظهار إسرائيل كأنها مثال للديمقراطية في المنطقة، ويقارن بينها وبين أنظمة الحكم، كما يظهر نماذج من العرب الذين يعملون في إسرائيل وكيف أنه لهم حرية ممارسة عباداتهم حسب معتقداتهم الدينية وغيرها من الأمور حتى يغيروا الفكرة عن إسرائيل، ومثال على هؤلاء المغردين إيدي كوهين وافيخاي أدرعي وغيرهما، وأجزم بأنهم يعملون لصالح الموساد الإسرائيلي فهم يعملون بمنهجية مدروسة وفعالة لغسل العقول والقدرة على التأثير.

وبداية الغيث وجدنا الأغاني والرسومات والكاريكاتير والصور التي تستهزئ بالسلام المجاني لبعض دول الخليج، فهل هذا السلام الذي ترغبون به؟ وهل هذا سلام القوي؟ ولكن من أين ستأتيكم القوة وقلوبكم شتى؟ فلولا الفرقة بين الدول الخليجية لما صارت بهذا الوهن والضعف، ليسهل على الجميع ابتزازها واستغلالها والسيطرة على قراراتها.

وفي الختام، عندما يتم الاتفاق مع اسرائيل هل سيستطيع الصهاينة الأثرياء شراء وتملك الأراضي العربية في الدول التي اتفقت معها؟!

عن "الشرق" القطرية