جنين تواجه تداعيات "كورونا" الاقتصادية والاجتماعية بعد إنتشاره وفرض العزل

جنين -"القدس" دوت كوم- تقرير : علي سمودي - حتى الصغار، أصبحوا يتذمرون ويشتكون من أثار فايروس " كورونا " على حياتهم بعدما فرض عليهم عزلة كاملة في منازلهم ببلدة جبع جنوب جنين ، التي أغلقت منذ أسبوع بقرار من المحافظ اللواء أكرم الرجوب اثر إرتفاع عدد الاصابات فيها . فالطفلة شام عرفات معالي ورغم كونها في "الروضة "، الا انها ترفض الالتزام، وكل صباح تفرض على والدتها "أم أدم" ، تجهيزها وتحضيرها ، ثم تجلس مع حقيبتها قرب البوابة تنتظر قدوم الباص لتذهب للروضة التي تعلقت بها كثيراً كما تعبر والدتها التي تخوض نقاشاً يومياً مع أطفالها لاقناعهم بخطورة الذهاب للمدارس على حياتهم .

قلق وتوتر ومعاناة .....

كباقي الأمهات ، تواجه المواطنة الثلاثينية صفاء محمد ، مصاعب كثيرة في التعامل مع الأطفال الذين سلبهم كما تقول " فايروس كورونا حياتهم وحريتهم وطفولتهم والسلوكيات التي اعتادوا عليها سواء في المنزل أو الشارع أو المدرسة ، فاذا كان الكبار لا يستوعبون الحجر والالتزام بالوقاية والحماية ، فكيف حالنا مع الصغار ؟" . وتضيف : " عودة الأطفال في المرحلة الاساسية للمدارس افرحتهم كثيراً ، ولمست تفاعل ورغبة أطفالي في الالتزام ، لكن اغلاق المدارس ، يثير تساؤلات لديهم لا تتوقف منها ، لماذا اغلقت ؟، ولماذا لا يمكننا الخروج والشراء من السوبرماركت ؟ " . وتكمل :" رغم الاجابات والشرح المبسط حول خطر كورونا خاصة على الاطفال ، تفاجئني اجاباتهم ، بانهم يريدون ارتداء الكمامة وتعقيم انفسهم حتى لا يصابوا بالفايروس الذي حول حياتنا الى قلق وتوتر مع ارتفاع نسبة الاصابات في البلدة بشكل سريع .

حياة مرعبة ....

منذ اعلان إغلاق جبع ، التزمت "أم آدم" مع أطفالها منزلها ، وتحرص بشكل دائم على حجرهم ورعايتهم وعزلهم عن العالم ، تفادياً لمخاطر العدوى التي كان سببها ، كما ترى" الجهل وعدم اقتناع البعض بكورونا والاهمال في الالتزام بالتدابير والاجراءات المعلنة والتي تشكل خير وقاية للجميع ." وتضيف : " حالياً ، نعيش حياة رعب حقيقية ، ولا اسمح لاطفالي بمغادرة المنزل ، كما اصبحت أعاني لكوني حامل في الشهر الرابع ، ولم أتمكن من مراجعة الطبيبة في الموعد المحدد للفحص ، تلاشياً للاختلاط مع أحد ، حفاظ على جنيني وحياة أسرتي ." وتوضح :" انتشار الفيروس ، أثر على التواصل بين العائلات ، فزوجي عرفات، الذي يعمل في الداخل، لم يتمكن من العودة بسبب الاصابات الكثيرة هناك ، ويعيش على أعصابه لخوفه على حياتنا ، لكننا نتمنى من رب العالمين السلامة والشفاء للجميع ."

الطفلة شام .....

وحول طفلتها "شام" البالغة من العمر" 5 سنوات" ، تقول "أم آدم" : " في اليوم الثاني من اغلاق المدارس ورياض الاطفال ، سألتني طفلتي ببراءة عن سبب عدم حضور الباص لنقلها للروضة ، كانت رغم صغر سنها حزينة وغاضبة وترفض البقاء في المنزل ." وتضيف :" استخدمت كل الطرق لاقناعها ، لكنها اصبحت كل يوم تكرر نفس السؤال ، تنهض قبلي من النوم وترتدي زي الروضة وتضع الكمامة وتحمل الحقيبة ، وما زالت تنتظر قدوم الباص .. فكورونا غير كافة مناحي حياتنا. "

بلدة عجة .....

جنوب مدينة جنين ، تقع بلدة عجة ، وقد أدى انتشار فيروس "كورونا" ، كما يفيد رئيس المجلس المحلي أمجد معالي ، الى تغيير كبير في حياة سكانها الذين يتجاوز عددهم 12 ألف نسمة، يعتمدون في معيشتهم على الزراعة والوظائف الحكومية والعمالة في الداخل الفلسطيني .

ويوضح معالي، أن انتشار الفيروس وارتفاع عدد الاصابات خلال يومين ، دفع المحافظ الرجوب ،لاتخاذ كافة التدابير والاجراءات ، بالتعاون مع مديرية الصحة وطواقم الطب الوقائي لحصر وتحديد الخارطة الوبائية للحد من انتشاره في البلدة وانتقال العدوى للتجمعات المجاورة خاصة التي ترتبط بعلاقة مباشرة مع جبع التي تعتبر ممرا للوصول اليها كفحمة والرامة .

اغلاق واجراءات وقائية ....

سارعت أجهزة الأمن والشرطة بالتعاون مع المجلس البلدي وحركة "فتح" ولجنة الطواريء المحلية ، لاغلاق كافة مداخل عجة ، وانطلقت عبر مكبرات الصوت ووسائل التواصل ، حملات توعية وارشاد للتخفيف من أثار الخوف والهلع التي خيمت في أوساط المواطنين . ويقول معالي :" سارعنا لاعداد خطة طواريء لمساعدة الصحة والفرق الطبية على حصر الخارطة الوبائية ، والزام المصابين والمخالطين بالحجر المنزلي ومنع أي تواصل مع الناس والحيلولة دون خرق التدابير، وتابعنا ليلاً ونهاراً أوضاع الناس للوصول لالتزام يجنبنا الويلات ." ويضيف :" تمكنت الفرق الطبية من الوصول الى كافة المواقع واخذ عينات الفحص المطلوبة بتعاون كبير من الأهالي للحفاظ على صحتهم وحمايتهم ، وبينما ركزت لجان الطواريء على تأمين احتياجات الناس الطبية والمعيشية ، فان الشرطة منعت الخروج والدخول للبلدة باستثناء الحالات الطارئة وباتخاذ كافة التدابير اللازمة ."

اثار كورونا .....

أثر انتشار الفيروس ، على المعنويات والحالة النفسية للمواطنين في ظل انقطاع العلاقات الاجتماعية والعزل والحجر المنزلي ، وتقول المواطنة الاربعينية إعتزاز عمرية :" منذ أيام لم نغادر المنزل ، لا يوجد لدينا اصابات والحمد لله ، لكن لدينا خوف وقلق مستمر رغم التزامنا بكافة وسائل الوقاية والمعقمات ." وتضيف : " العامل المهم لدينا ، معاناة زوجي من أمراض مزمنة وانعدام المناعة لديه ، نحرص على توفير الحماية له ومنع الاختلاط معه وتعقيم كل شيء ، لان حالته الصحية صعبة أصلا ولا تحتمل ." وتكمل :" بسبب كورونا ، لم تتمكن ابنتي من الوصول للجامعة ولدينا خوف كبير بعد قرار تقديم الامتحانات في الجامعات ، فاستمرار الاغلاق يشكل خطراً على مستقبلها ."

منطقة صناعية زراعية .....

تشتهر أراضي عجة التي تبلغ مساحتها 12 ألف دونم ، بزراعة الحبوب مثل القمح والشعير والفريكة ، اضافة للخضروات والاشجار المثمرة كالزيتون واللوز والمشمش ، وفي ظل الاغلاق ، فان القطاع الزراعي مهدد بخسائر فادحة . ويوضح رئيس المجلس المحلي ، أن عجة تعتبر اهم القرى المنتجة لمحصول الفريكة والقمح والشعير ، كما يوجد فيها العديد من المشاريع الصناعية ، لذلك ، فانها تعد منطقة زراعية وصناعية ، وقد تأثرت كثيراً بسبب "كورونا" ، حيث اصبح المزارعون لا يمكنهم الوصول الى اراضيهم ما دام هناك حصار واغلاق .

وتعتبر شركة "سنابل النصر" للصناعة والتسويق ومقرها الرئيس في عجة ، من أهم واقدم الشركات الوطنية العريقة على مستوى فلسطين في انتاج وتسويق الزعتر والفريكة والبهارات ، وقد تأثرت أوضاعها كثيراً منذ انتشار فيروس كورونا . ويوضح المدير الإداري للشركة محمد فضل سليمان ، أنها اتبعت العديد من السياسات لتجاوز الازمات الاقتصادية التي تفاقمت بسرعة في ظل انتشار "كورونا" ، وسعت للحفاظ على موظفيها وعمالها . ويضيف :" لكن عمليات الاغلاق والعزل الكبيرة ، ادت الى تداعيات كبيرة وخسائر مستمرة على كافة الشركات ، كما أدت لتقليص العمال لدينا من 80 عاملا الى النصف ، وسط محاولات حثيثة للحفاظ على هذه الحالة ، لكن الوضع الاقتصادي السيء جداً وتدني الطاقة الانتاجية والقدرة الشرائية كان له نتائج سلبية يوميا . "

يشار الى انه يوجد في البلدة ، خمس مدارس لكافة المراحل، يتلقى التعليم فيها 1500 طالب وطالبة ، لا تختلف مشاعرهم وحالتهم عن أبناء بلدتهم . وتقول المواطنة فاطمة خليل :" لدي ثلاثة أطفال في المرحلة الاساسية ، ما كادوا يداومون حتى حلت مأساة اغلاق المدارس ، لا يوجد حل بالنسبة لهم ، ولا يمكننا مساعدتهم وتأسيسهم واستمرار الاغلاق يؤثر على تعليمهم ."

أما الطالبة في الثانوية العامة "بثينة" ، فعبرت عن قلقها لاصابة عدد من الطالبات ب"كورونا" ، وتقول :" اعيش على أعصابي فدخول الوباء للمدارس يعني كارثة ، لم اعد قادرة على التركيز في دراستي التي تحدد مستقبلي واحلامي .. فرحنا بعودتنا للمدارس ، لكني اليوم ، قلقة خاصة ان التعليم الالكتروني فاشل ." من وجهة نظرها . ويؤيد الطالب معمر عبد الله رأيها ، مضيفا :" كل لحظة نخسرها لها تأثير كثير علينا كطلاب ثانوية عامة ، يجب البحث عن حلول لمسألة التعليم ، فقد تأثرت نفسيتي ، وكيف سأعود لمقاعد الدراسة والرعب يلازمنا ؟"

استثناءات من الاغلاق ....

وبموجب تعليمات المحافظ ، استثنيت المحلات التجارية والمدارس من اجراءات الاغلاق ، لكن ذلك ، لم يجد نفعاَ بالنسبة للحركة التجارية ، كما يؤكد المواطن الستيني أحمد بشير ، صاحب محل سوبر ماركت ، ويقول :" حالة الخوف والتوتر التي تسود الاهالي ، فرضت عليهم عزل اسرهم وعدم مغادرة منازلهم ، والقليل القليل من الناس من يدخل محلي لشراء اللازم من احتياجاته فقط خوفاً من العدوى ." ويضيف :" منذ اسبوع ، نسبة البيع متدنية ، ولدينا بضائع وخاصة الخضروات يمكن ان تتلف ونخسرها ، اضافة للخسائر الكبيرة التي سنتكبدها اذا استمر الاغلاق ." ويكمل :" على مستوى عائلتي ، لايوجد خروج من المنزل وهناك عزلة تامة ونتمنى الشفاء للمصابين وان يحمي الله الجميع ."

ومنذ الاغلاق ، لم يتمكن المواطن شوقي خليل الحاج ، من سكان قرية الجديدة والذي يملك محلا للحلويات في بلدة عجة من الوصول اليه ، ويقول :" المحل يعتبر مصدر معيشتنا أنا واخواني الاثنين ، وهو مغلق حتى اشعار أخر مما يسبب لنا الخسائر وتلف الحلويات الجاهزة ." ويضيف :" منذ انتشار كورونا قبل شهور ، نعاني من تدهور الاوضاع الاقتصادية ، فنسبة المبيعات 30 % ، بسبب توقف الاعراس والمناسبات التي كنا نعتمد عليها ، واليوم أصبحت الاعراس في زمن كورونا صامتة ." ويكمل :" كل يوم ، نشعر بقلق وتوتر أكثر لان الوباء ادى الى توقف الحياة بشكل كامل ."