"نيويورك تايمز": مثلث الحب الذي ولّد اتفاقية ترامب للسلام في الشرق الأوسط

واشنطن-"القدس"دوت كوم- سعيد عريقات- نشر توماس فريدمان مقاله الأسبوعي في صحيفة نيويورك تايمز، اليوم الأربعاء، تحت عنوان "مثلث الحب الذي ولّد اتفاقية ترامب للسلام في الشرق الأوسط"، يستهله قائلاً "إن اتفاقيتي التطبيع الموقعتين يوم الثلاثاء بين إسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة، وإسرائيل والبحرين جاءتا بطريقة غير عادية -ولكنها كاشفة بشكل لا يصدق. إذ يبدو الأمر كما لو أن جاريد كوشنر كان محامياً شرع في ترتيب طلاق بين زوجين، إسرائيل وفلسطين، ولكنه اكتشف في خضم ذلك أن إسرائيل وفلسطين كانتا غير متوافقتين لدرجة أنه لا يمكنهما الجلوس في غرفة واحدة سوياً، ناهيك عن الاتفاق على خطته للانفصال".

ويمضي الكاتب " ولكن كوشنر وجد على طول الطريق شيئاً مثيراً للاهتمام: أن إسرائيل تقيم علاقة مع دولة الإمارات، التي كانت تفر من علاقة مسيئة مع إيران. ولذلك، توقف كوشنر عن محاولة ترتيب الطلاق بين فلسطين وإسرائيل واستغل بدلاً من ذلك المصلحة المشتركة لكل من إسرائيل والإمارات لترتيب زواج بينهما -ناهيك عن المصلحة الذاتية للرئيس الأميركي دونالد ترامب ليكون بمثابة "المأذون " الذي سيعقد هذا القران في حديقة البيت الأبيض في خضم حملة انتخابات رئاسية".

ويشير فريدمان إلى أن "الحقيقة هي أن تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودولة الإمارات، وإسرائيل والبحرين، قد بدأ في الواقع بسبب فشل الدبلوماسية الإسرائيلية-الفلسطينية لإدارة ترامب حتى الآن لا تقلل من أهميته، حتى لو أضافت بعضاً من السخرية إلى القصة. ففي الشرق الأوسط، يحدث تغيير كبير عندما تفعل القوى الكبرى الأشياء الصحيحة لأسباب خاطئة، وهذا هو الشيء الصحيح. فقد أبرمت كل من مصر والأردن اتفاقية سلام مع إسرائيل لإنهاء حالة الحرب بينهما، ولكن التجارة والسياحة والاستثمارات المتبادلة كانت محدودة، فيما تقوم إسرائيل والإمارات وإسرائيل والبحرين بتطبيع العلاقات بينهما لأنهم يريدون التجارة والسياحة والاستثمار، وكذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية ضد إيران".

ويقول "من الواضح أن المملكة العربية السعودية باركت كل ذلك من خلال السماح لشركة طيران العال الإسرائيلية بالتحليق عبر المجال الجوي السعودي ذهاباً وإياباً إلى البحرين والإمارات. ويرى الكاتب أن أي شيء يجعل الشرق الأوسط أكثر شبهاً بالاتحاد الأوروبي وأقل شبهاً بالحرب السورية هو أمر جيد، وينقل عن صديق له من دبي قوله إن بعض الناس يحيون بعضهم البعض مازحين بـ "شالوم عليكم" -مزيج من العبارات العبرية والعربية لكلمة "مرحباً".

ويوضح الكاتب أنه يصلي كل ليلة "لهزيمة ترامب في تشرين الثاني المقبل، ولكن إذا ساعد هو وكوشنر في رعاية هذه الاتفاقية وهما في طريقهما للخروج، فهذا أمر جيد بالنسبة لهما. ومن الصعب التكهن بكل ما سيحدث، ولكن عندما تقرر الإمارات العربية المتحدة، الدولة العربية الأكثر تقدماً وعولمة من الناحية التكنولوجية، التعاون مع أكثر الدول غير العربية تقدماً من الناحية التكنولوجية والعولمة في المنطقة، أي إسرائيل، قد تُفتح طاقات جديدة وشراكات جديدة ستكون جيدة لكل من العلاقات البشرية بين العرب والإسرائيليين واليهود والمسلمين. وإذا نجحت، فسوف تخلق نموذجاً بديلاً لمحاكاة نموذج المقاومة الإيرانية الدائمة، والذي ساعد فقط على ظهور دول فاشلة في لبنان وسورية وغزة والعراق وإيران".

ويتساءل الكاتب عن سبب حدوث هذا الآن، ويجيب أنه: " أولاً، لأن الولايات المتحدة تقلص بشكل حاد وجودها العسكري في الشرق الأوسط، ونتيجة لذلك، تتشكل تحالفات جديدة لملء الفراغ. فهناك المحور الشيعي بين إيران وحزب الله في لبنان وسورية وأجزاء من العراق واليمن؛ وهناك تحالف تركي-قطري؛ ويواجه كلاهما هذا المحور الضمني الجديد بين إسرائيل والإمارات والبحرين والسعودية، إلى جانب المحور السني المعتدل العراقي والمصري والأردني".

أما ثانيا "يتمثل التوجه الثاني في أنه منذ الربيع العربي وانهيار أسعار النفط والارتفاع المفاجئ في أعداد الشباب العربي، أدركت الدول العربية السنية المعتدلة أنها لم تعد قادرة على الاحتفاظ بشرعيتها من خلال المزايدة على بعضها البعض بشأن القضية الفلسطينية وتقديم وظائف وإعانات حكومية. إذ يعتمد استقرارها المستقبلي على تزويد شبابها بالأدوات التعليمية والعلاقات التجارية والترابط العالمي -والتعددية الدينية والجنسية والتعليمية- التي يحتاجون إليها لتحقيق الازدهار. ورغم أنها ترفض تضمين التعددية السياسية أو المعارضة في هذا المزيج، فسيتعين عليها ذلك في الوقت المناسب".

ولكن يشرح الكاتب "في الوقت الحالي، يُعد نموذجها للتحديث نموذجاً صينياً وليس أميركياً. ويجادل ديفيد ماكوفسكي، الخبير في العلاقات العربية الإسرائيلية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (المقرب من إسرائيل)، بأنه كانت هناك أيضاً اعتبارات تكتيكية هامة بالنسبة للإمارات. ويقول إنه "من جهة، شعرت دولة الإمارات أن نفوذها مع إدارة ترامب لن يكون أبداً أعلى مما هو عليه الآن – بينما يواجه ترامب رحلة شاقة نحو إعادة انتخابه ويبحث عن إنجاز دبلوماسي في الشرق الأوسط... ولذا، إذا كان هناك وقت مناسب لتبيع فيه الولايات المتحدة لدولة الإمارات طائرات الشبح المتقدمة من طراز F-35، بعد رفضها ذلك لثماني سنوات، فهذا الوقت هو الآن". ويضيف ناسبا لماكوفسكي قوله "أن صنع السلام مع إسرائيل كان أيضاً "تأميناً جيداً ضد المخاطر السياسية" لدولة الإمارات في حالة فوز جو بايدن بالرئاسة، لأن ذلك "يمكن أن يعوض التوترات مع الديمقراطيين في الكونغرس بشأن عداء الإمارات لاتفاق أوباما النووي مع إيران وتدخلها في اليمن".

ويستنتج الكاتب :"لكن ربما كانت أهم نتيجة غير مقصودة لمساعي كوشنر للسلام هي الطريقة التي كشفت بها حقيقة أن الحكومة الإسرائيلية اليوم غير قادرة تماماً على قبول أي نوع من حل الدولتين مع الفلسطينيين. فقد تخلت خطة كوشنر عن الحياد التقليدي للولايات المتحدة وقدمت خارطة لدولتين تم تصميمها لتلبية كل الاحتياجات الأمنية -والسياسية- لرئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني بنيامين نتانياهو وقاعدته من المستوطنين اليهود في الضفة الغربية. وساعد نتانياهو وسفيره في واشنطن، رون ديرمر، في صياغة خطة كوشنر، ثم رفض قبولها". ولذلك، يخلص الكاتب في نهاية مقاله :"من المرجح أن تصبح القضية الفلسطينية قضية إسرائيلية داخلية أكثر فأكثر -قضية تمتلكها إسرائيل وحدها. وسيطالب الـ3 مليون فلسطيني في الضفة الغربية، الذين يواجهون احتمال السيطرة الإسرائيلية مع عدم وجود بديل في الأفق، بحقوق متساوية وجنسية إسرائيلية في النهاية. وسيشكل ذلك تهديداً مباشراً لطابع إسرائيل اليهودي والديمقراطي بطريقة لم يشهدها أي جيش عربي على الإطلاق، وهذا هو إرث نتانياهو الحقيقي. ولهذا السبب، قد تكون خطة ترامب وكوشنر للسلام هي أهم خطة سلام مطروحة على الطاولة -ليس لما حققته بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولكن لما كشفت عنه".