ما بعد التوقيع على إتفاقيتي الإذعان في واشطن اليوم... نظرة استشرافية

بقلم: محمد ألنوباني

بداية لا شك بأن التوقيع في حديقة البيت الابيض بواشنطن على اتفاقيتي إلإذعان بين دولتين عربيتبن هما الإمارات العربية المتحدة والبحرين من جهة واسرائيل من جهة ثانية، برعاية، دونالد ترامب، الرئيس، الاكثر تصهيناً في التاريخ الامريكي، هو تطور في غاية الخطورة يرتقي إلى ذرى الكارثة القومية لانه في الاساس عبارة عن تحالف عسكري بين تلك الدول ومن ينضم إليها قريباً مع إسرائيل مما قد يورط تلك الدول في حروب إضافية ربما مع ايران تحديداً، وتحالف اقتصادي سيؤدي الى اشتراك حكومات الدول الموقعة في تهويد و استيطان الاراضي الفلسطينية المحتلة من باب الاستثمار الاقتصادي.

وكما كتبت في مقال سابق فليس مستبعداً البتة بعد هذه التحالفات الاقتصادية والعسكرية الجديدة التي لاسرائيل اليد العليا والكلمة الفصل فيها ان نرى جنوداً من تلك الدول يقاتلون مع الجيش الاسرائيلي ضد سوريا وأيران وأطراف محور المقاومة، فحاجز السادات النفسي قد زال بالنسبة لهؤلاء المتصهينين.

والشيء المؤكد ايضاُ انه بعد توقيع هذه الإتفاقات التي تهدف في الاساس إلى تصفية القضية الفلسطينية فإن الجماهير العربية التي حاولت الرجعية العربية في العقود الماضية تشويه وعيها و الايحاء لها بان فلسطين ليست قضيتها القومية الاولى من خلال متلازمة الغنى الفاحش في دول الخليج و الاذلال والتجويع والفقر المدقع سوف تدرك أن من فرط بفلسطين التي هي القضية المركزية الآولى للشعوب العربية هو بالضرورة مفرط بقضاياها الاجتماعية والاقتصادية مما سيؤدي الى عودة تلك القضية محركاً رئسياً للأحداث الجارية في المنطقة العربية وينهي بالتالي محاولات استبدال الخطر الاسرائيلي على الامة بخطر ايراني مزعوم او خلافة.

وكما فشلت أوهام تحويل البلدان العربية الموقعة على إتفاقات سلام مع اسرائبل من مصر مرورا بالضفة الغربية ووصولا إلى الأردن الى فترينات رأسمالية متطورة على غرار سنغافورة ومجموعة النمور الآسيوية السبع وولدت المزيد من الفقر والتبعية فإن اتفاقات الإذعان الجديدة ستؤدي إلى إفقار شعوب البلدان الخليجية المطبعة مع إسرائيل لأن اموال وثروات هذه الدول ستذهب إلى المدينتين الامريكية والإسرائيلية مما سيؤدي الى زيادة حدة الأستقطاب الإجتماعي وبالتالي الصراع الطبقي.

وطالما ان المرحلة التي ستلي توقيع اتفاقات الإذعان سوف تظهر للشعوب بوضوح اكثر من ذي قبل ان السعودية نحو التطبيع العلني مع إسرائيل ومعها عاصمة تبييض وغسل الأموال في العالم الإمارات تشنان الحرب على الشعب اليمني الشقيق لحساب امريكا واسرائيل في المقام الاول فإن هذا التطور سوف يؤدي الى زيادة منسوب التضامن الشعبي العربي مع الشعب اليمني ويؤدي إلى تقريب لحظة انتصاره الحتمي على قوى العدوان.

وعود على بدء فإن ما سيحدث االيوم من كرنفال سياسي رخيص في حديقة البيت الابيض، بقيادة ترامب، لا يجب على الإطلاق أن يكون مدعاة للبكاء والعويل وندب الحظ بقدر ما يجب ان يكون مناسبة لاستخلاص الدروس والعبر وفي مقدمها الانفصال عن الانظمة العربية العميلة والمفرطة والعودة الى الجماهير وبناء علاقة سليمة معها وشحذ هممها لاشراكها في الجهد الوطني والجهد القومي العام لتحقيق التحرر الاقتصادي والاجتماعي وتحرير الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة.

فمن الآن فصاعداً لن يعود مقبولاً الحديث عن التضامن العربي بشكله المهترئ السابق ولا عن جامعة عربية تم تحت لوائها شرعنة تدمير العراق وليبيا وسوريا واليمن ولتمكين الصهاينة من الانفراد بالشعب الفلسطيني، كما لم يعد مسموحاً لاحد الحديث عما يسمى بمبادرة السلام العربية كأساس لحل القضية الفلسطينية وهي التي في ظلالها وعلى أساسها تمت الهرولة التطبيعية الحالية نحو الكيان الاسرائيلي والانتقال للتحالف معه اقتصاديا وسياسيا وعسكرياً على حساب القضية الفلسطينية.

ولأننا سنكون اليوم شهوداً بالصوت والصورة على جريمة مكتملة الأركان وخيانة عظمى يرتكبها نظامان رسميان عربيان قذران هما الإمارات والبحرين،والحبل على الجرار، بحق شعبيهما وبحق القضية الفلسطينية وقضايا الشعوب العربية والاسلامية وأحرار العالم فإن ما سيحدث البوم يجب ان يؤسس موضوعياً للدخول في مرحلة جديدة تمهد بدورها للنهوض العربي اللاحق، بما يؤدي ألى استكمال عملية فرز الدول والناس والقوى السياسية العربية بين اتجاهين او محورين لا ثالث لهما، محور الخير ومحور الشر، محور المقاومة والممانعة ومحور التحالف الصهيو-امريكي-الرجعي.

العربي على هدي نفس القاعدة التي وضعها ذات يوم المحافظون الجدد في أمريكا ، قاعدة من ليس معنا فهو بالضرورة ضدنا طبعاً مع الفرق في التوجهات والمنطلقات والأهداف.

وهذا يعني بانه يجب ان توضع الرجعية العربية في مكانها الطبيعي مع معسكر الاعداء باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الثالوث الدنس و غير المقدس الإمبريالي الصهيوني الرجعي العربي المعادي لأبسط أماني وتطلعات الشعوب العربية في استكمال التحرر الوطني وتحقيق التقدم الاجتماعي وتحرير الأرض المغتصبة في فلسطين والجولان.

وعليه فإن هذا اليوم المشؤوم يجب ان يدخل التاريخ على انه البداية لميلاد حركة تحرر فلسطينية وعربية من طراز جديد تؤسس للإطاحة بكل ما هو قائم من بنى وهياكل و أحزاب ومؤسسات مهترئة وافكار غيبية بالية عفى عليها الزمن واصبحت عائقاً امام لحاق العرب بركب التطور والحداثة.