التعليم عن بُعد هو المستقبل فماذا نحن فاعلون؟

بقلم: الدكتور عبدالله العمادي

نازلة كورونا - رغم كل سلبياتها - لها إيجابيات عديدة أيضاً، والتي لن أتطرق إلا إلى واحدة منها، هي موضوع حديث اليوم عن التعليم الرقمي أو التعليم عن بُعد.

هذا النوع من التعليم الذي يعتبره كثير من المهتمين بالشأن التعليمي، أنه سيكون الأسلوب القادم للتعليم وبشكل لا يمكن الانعزال عنه، على اعتبار أنه الشكل الجديد المرغوب بل والمعتمد للتعليم في المستقبل القريب والقريب جداً.

وقد تعرف المجتمع القطري على هذا النوع بشكل أكثر وضوحاً خلال فترة إغلاق المدارس بسبب هذه النازلة.لكن كيف كان التعامل مع هذا النوع من التعليم وما هو المطلوب خلال الفترة القادمة ؟

نازلة كورونا دفعت بغالبية دول العالم إلى هذا النوع من التعليم، الذي كان طوق إنقاذ لأنظمة التعليم التقليدية في كافة أنحاء العالم.

وقد استفاد من هذا النوع ودون أدنى شك وبالشكل الأمثل، ذاك الذي أعد أساساته وبناه التحتية منذ وقت مبكر، ووضع إستراتيجيات واضحة له.

في حين تخبط في هذا البحر من تخبط، وتعثر من تعثر، والأسباب معروفة دون حاجة لكثير شروحات وتفصيلات.

التعليم الرقمي وعن بُعد، لم يعد ترفاً وتسلية يتم به تمضية أوقات الطلاب في بعض أيام العام الدراسي،لا، لم يعد هو كذلك، وإن كان هو كذلك في فترة ماضية.

أما اليوم ولاسيما بعد اضطراب الأنظمة التعليمية في غالبية دول العالم، فالأمر لم يعد ترفاً، بل لن يكون كذلك من اليوم وصاعدا.

ذلك أن التحول التدريجي نحو هذا النوع من التعليم صارت تفرضه معطيات الحاضر، تدعمها ثورتا الاتصالات والمعلومات الفاعلة منذ أكثر من عقدين من الزمن، وقد بلغتا مستوى تحولت الحياة على إثرهما إلى حياة شاشات، لا تكاد تنفك أيدينا وأعيننا عنها.

فأينما وليت وجهك، تجد نفسك منجذباً نحو شاشة ما، بدءاً من التواصل مع الآخرين، إلى شؤونك المالية والتثقيفية والتعليمية والترفيهية وغيرها من شؤون ومناحي الحياة المتنوعة، ما يفيد أن حياتنا صارت رقمية، شئنا أم أبينا، وستزداد الرقمنة كلما مضى بنا الوقت نحو مستقبل قريب جداً.

من هنا، وحين نرى التعليم يتجه نحو الرقمنة واستبدال السبورة بالشاشة، والأقلام بلوحة مفاتيح أو أصابع تلمس شاشات، مع إضافات أخرى تجذب الأنظار والألباب بالصوت والصورة والمؤثرات المتنوعة، فلا شك أن هذا مؤشر قوي على أن هذا الجيل ربما يكون الأخير الذي يتعلم بالطريقة التقليدية والجديدة الرقمية في آن واحد. إذ التوقعات تشير إلى أن الجيل القادم أو بعد عقد واحد من الزمن، سيجتاح التعليم الرقمي أولاً نظام التعليم في غالبية دول العالم المتحضرة، ومن ثم ثانياً سيكون هذا التعليم الرقمي عن بُعد، ما يعني أن كثيراً من الأصول التعليمية المادية الحالية بحاجة إلى إعادة نظر، كالمباني المدرسية وما يتعلق بها من أثاث أو ما شابه.

هذا الأمر يدعو إلى إعادة النظر في الاستثمارات الحالية الباهظة في التعليم، وبحثها من جديد.. إن النظر إلى أوجه الصرف على المباني والأثاث ووسائل النقل والكادر البشري الإداري والتعليمي وغير ذلك من مستلزمات بدء وتشغيل المدارس بالطريقة التقليدية، سيدعو للذهول حين يتم التحول للتعليم الرقمي وعن بُعد. هذا الذهول ناتج عن رقم سيكون ضئيلاً مقارنة بأرقام الصرف الحالية.

نحن في قطر جزء من هذا العالم، وما أصاب العالم جراء نازلة كورونا أصابنا وتحولنا بسببها إلى التعليم عن بُعد كغيرنا، إذ لم يكن هناك من بد للجوء إلى هذا النوع من التعليم، واستكمال ما تبقى من المنهج الدراسي للعام الأكاديمي الفائت.

لكن وجدنا بعد قليل من الوقت أن التعليم الرقمي وعن بُعد، كان ضمن النطاق شبه المهمش بسبب الاعتماد الكلي على التعليم التقليدي، بدليل أن البنى التحتية لهذا النوع من التعليم لم تكن مهيأة لظرف كالذي نزل بالعالم، وإنما كان نشاطاً جانبياً يقوم به من يقوم من الطلاب، دون تشديد أو رعاية أو حتى متابعة.

منصة التعليم السابقة قبل التحول للجديدة " مايكروسوفت تيمز " لم تصمد أياماً مع بدء التعليم عن بُعد، لأنها أساساً كانت مصممة لدخول محدود من المستخدمين، ولم يكن بالحسبان أبداً أن يدخلها أكثر من مائتي ألف مستخدم في يوم واحد ! دلالة على أن التعليم الرقمي لم توضع له إستراتيجية بمعنى الكلمة، وبالتالي لم تكن هناك أهداف مأمولة منه سوى أن وجوده هو جزء من معايير مطلوب تنفيذها لتحقيق رصيد معين في التقييم العالمي للتعليم حول العالم، وليس عن قناعة راسخة بأهميته وأنه هو المستقبل القريب للتعليم، الذي يحتاج لكثير من التخطيط والتنفيذ والمتابعة والتعزيز.

الفوضى التي حدثت في الأيام الأولى من بدء التعليم عن بُعد، وتذمرات الطلاب والأهالي على حد سواء، لم تكن سوى نتاج عدم تهيئة الأرضية والبيئة المناسبة لمثل هذا النوع من التعليم بوقت مبكر، إضافة إلى عدم توقع حدوث ما يمكن أن يؤدي إلى تعطيل النظام التقليدي بالشكل الذي حصل، وهذا دليل على شيء من التقصير أو عدم وضوح الرؤية لدى من هم مكلفون بوضع إستراتيجيات التعليم في الوزارة. تلك الإستراتيجية التي لابد أن تضع في الحسبان كافة الظروف القاسية غير الاعتيادية التي يمكن أن تؤثر سلباً على التعليم بشكل عام، كالأزمات الاقتصادية الجائحة أو الحروب أو النوازل الصحية وما شابهها، وكيفية التحول سريعاً نحو أسلوب تعليمي آخر بديل يحافظ على النظام التعليمي بشكل عام بحيث لا يتعرض للتعطيل والتوقف.

شكوى البعض مما حدث، أو تذمر البعض الآخر من هذا النوع من التعليم، سواء من بعض الأطراف التعليمية كالقائمين على أمر التعليم في المدارس من مديرين أو معلمين أو حتى الطلاب والأهالي، ليس دليلاً على عدم جودة التعليم عن بُعد أو عدم ملاءمته لمجتمعاتنا، وإنما دليل على أن الجميع تقريباً لم يكن قد هيأ نفسه لهذا التحول.

تلك التهيئة التي عادة لا تتم بين ليلة وضحاها، إنما تكون على مدى سنوات من التخطيط والإعداد ثم التنفيذ التدريجي، مع خطط للتدريب والمتابعة وأخرى للرعاية وثالثة للتقييم والتقويم، ورابعة أخرى للتعزيز والتحفيز..

لكن حدث ما حدث، فكان هو الدرس الأول.

يمكن القول – إن صح وجاز لنا التعبير والوصف - بأن الدرس الثاني من حادثة تجسيد مفهوم التعليم عن بُعد على أرض الواقع، ربما يتمثل في أهمية المشاركة المجتمعية في قرارات إستراتيجية يتأثر كل المجتمع بها، وأقصد هاهنا مثال التحول إلى التعليم عن بُعد بسبب الظرف الذي أقفل العالم كله، وبالتالي كان لابد لوزارة التعليم من إيلاء أهمية لمشاركة الأهالي في أغلب ما يتعلق بهذا التحول في نظام التعليم.

بل لم يكن ما يمنع كذلك من استمزاج رأي الطلاب أيضاً، بحيث تتكون بعد ذلك صورة شاملة واضحة للوضع التعليمي الجديد لصاحب القرار، وعلى إثرها تتمكن الوزارة من اتخاذ القرارات المناسبة المتوافقة مع امكانيات وقدرات ورغبات المستفيدين من التعليم، وهم الطلاب في المقام الأول ومن لهم صلة مباشرة بهم، وهم هاهنا أولياء الأمور ثانياً، ثم ثالثاً وأخيراً، القائمون على أمر العملية التعليمية من أعضاء الهيئتين الإدارية والتعليمية بالمدارس.

لكن لم يحدث ذلك، بل كان غالب المجتمع في جهة وقرارات الوازرة في جهة أخرى. وكان أوضح الأمثلة على ذلك ما حدث في امتحانات الثانوية العامة.

ويتكرر الأمر تارة أخرى الآن مع مسألة إعادة فتح المدارس وقرار الوزارة جعل التعليم حضورياً بعد أقل من شهر من الآن، على رغم أن الإصابات لم تصل إلى الحالة الصفرية التي تجعل الأهالي وأبناءهم مطمئنين على سلامتهم للعودة إلى مدارسهم، حيث الإصابات ما زالت بين مد وجزر، وقد ارتفعت كرّة أخرى في الأيام الأربع الماضية، ما يبعث قلقاً في النفوس من جديد.. فأين اعتبار وتقدير الوزارة للآراء المجتمعية في هذا الشأن ؟

التعليم عن بُعد لا بد أن يكون هو الهدف القادم القريب لواضعي إستراتيجيات التعليم عندنا. العالم يتقدم في هذا المجال بشكل سريع، وأي إخفاقات سابقة لنا في هذا المجال، لا يعني التوقف أو إهمال الفكرة، بل لابد من أن يجد هذا النوع من التعليم مساحة مناسبة يشعر المستفيدون أنه هو النوع المطلوب والمرغوب لتعليم المستقبل، وخاصة أن قدرات وإمكانيات هذا الجيل ومن سيأتي مستقبلاً، أثبتت أنهم جيل رقمي بامتياز، والتعامل معه بنفس ما كنا عليه منذ فجر التعليم عندنا في قطر،لا يخدم مستقبل الدولة وشعبها واقتصادها ورؤيتها.

فهل نستفيد من نازلة كورونا في إعادة نظرتنا وتوجهاتنا المتعلقة بالتعليم، أم نحتاج إلى نازلة أو أزمة أخرى - لا قدر الله - تثبت لنا قولاً وفعلاً أن المستقبل هو للتعليم الرقمي وعن بُعد أيضاً..

فهل من مدّكر ؟

عن "الشرق" القطرية