بين الدموع والأمل، التسعينية فاطمة شقير.. 18 عاماً بانتظار تحرُّر ابنها عماد المحكوم بالمؤبد

جنين- "القدس" دوت كوم- علي سمودي- لم يبق سجن إلا ووقفت التسعينية فاطمة شقير (أم أدهم)، على أبوابه تتحدى أوجاع الجسد وتقاوم المرض وتتحملها، لرؤية نجلها الأسير عماد عبد الله شقير، المعتقل منذ 18 عاماً في سجون الاحتلال، ورغم أن بقية أبنائها وبناتها وأحفادها الخمسين لا يفارقونها، إلا أنها لا تشعر بالسعادة، وتعيش بين الدموع والأمل الوحيد.

وتقول كريمتها نعمة: زيارة عماد وصوره وذكرياته تمنح والدتنا الصبر والأمل، فهي تتذكره وتردد اسمه بشكل دائم منذ اعتقاله قبل 18 عاماً، تجرعنا خلالها كل صنوف الحسرة والويلات وقطار العمر يمضي".

وتضيف: "تغيرت الكثير من قضايا حياتنا، فالعديد من أقاربه توفوا وتزوج آخرون وهو لايعرف بعضهم، بينما والدتي التي تزال تنتظره، وتستعيد شريط ذكريات طفولته لغاية اليوم، وترى أنه لا يزال طفلاً في نظرها، وتفخر رغم أحزانها بصموده وبطولاته حيث دفع ضريبة وثمن الدفاع عن أرضه وأبناء شعبه".

وتتابع: "لم تفرح رغم زواجنا جميعاً بسبب غياب عماد، ودموعها لا تكاد تجف حتى بعدما أن أصبح لديها 50 حفيداً ممنوعين أمنياً من زيارته، ولا يعرفهم عمهم وخالهم إلا عن طريق الصور، فمن يصبر كوالدتي وإلى متى ستبقى تتألم وتنتظر؟".

السيرة الذاتية

في عام 1972، أبصر عماد النور في قرية "الزاوية" بمحافظة سلفيت، حيث تقول شقيقته: "مهما قلت لا توجد كلمات تصفه وتعبر عنه، فقد كان آخر العنقود، وهو خلوق وطيب وصاحب قلب كبير وحنون ومخلص ومعطاء منذ صغره، وتميز بتواضعه وشهامته وتعاونه وعلاقاته الطيبة مع الجميع، ما جعله في شبابه معروفاً في البلدة والمحافظة ويحظى باحترام وتقدير الجميع".

وتضيف: "لم يكمل تعليمه بعد الصف الثامن، فقد قرر التضحية بدراسته ليساعد في إعالة أسرتنا الكبيرة، وأصبح رجلاً وصاحب مسؤولية قبل أوانه حيث عمل في عدة مهن، وتعب وشقي من أجل عائلتنا التي تحبه كثيراً ".

طريق النضال

تمتع عماد بروح وطنية ونضالية كبيرة، وحين كان بعمر 14 عاماً وهو طالب، شارك في المسيرات والمواجهات والأنشطة الوطنية، وانتمى لحركة "فتح"، حيث تقول شقيقته: "دوماً كان في مقدمة الصفوف منذ اندلاع انتفاضة الحجارة، وقد اعتقل رغم صغر سنه عدة مرات خلال أعوام 1988 و1989 و1990 و1995، وفي كل مرة كان يخرج أكثر صلابة وتضحية، حتى تعرض للمطاردة عدة أشهر واعتقل وتحرر".

وتضيف: "تزوج وأسس حياته، لكن عندما اندلعت انتفاضة الأقصى، لم يتأخر عن المشاركة في المقاومة، ولم ترهبه تهديدات الاحتلال بعدما أصبح مطلوباً، وأكمل المشوار رغم حملات الدهم ومحاولات الاغتيال وحرمانه فرحة حمل زوجته بابنته البكر".

الاعتقال والإصابة

استمرت ملاحقة عماد حتى اعتقل عام 2002، بعد شهرين من ولادة طفلته بتول التي أصبحت اليوم في الثامنة عشرة من عمرها، وقد تزوجت وتنتظر مولودها الأول.

وتقول شقيقته: "اكتشف الاحتلال مخبأ شقيقي وخمسة من رفاقه في منطقة سنيريا بمحافظة قلقيلية، وتعرض المنزل للقصف، ما أدى لإصابة عماد في الصدر، بينما أصيب رفيقه منصور موقدة بجروح بالغة تسببت له بالشلل وأصبح يستخدم كرسياً متحركا في السجن".

وتضيف: "عشنا أياماً صعبة وقاسية في بداية اعتقاله، نظراً لانقطاع أخباره التي تكتم عليها الاحتلال، ولم نعرف مصيره حتى أبلغنا المحامي باحتجازه في مشفى الرملة للعلاج".

التحقيق والحكم

وتقول نعمة: "في الأيام الأُولى لاعتقاله، لم يُغمَض لوالدتي جفن وهي تبكي وتتألم لمنعنا من رؤيته والاطمئنان على أوضاعه بعد الاصابة، وازدادت حالتنا بؤساً عندما نقله الاحتلال لاقبية التحقيق دون مراعاة وضعه الصحي، وقد تعرض للتعذيب والعزل لفترة طويلة حتى نقل إلى سجن ريمون".

وتضيف: "أصبحت حياة والدتي ترتبط بمواعيد المحاكم والزيارات، ولم يتوقف الاحتلال عن عقابنا في محاولة للانتقام منه، عبر نقله بين السجون ومنعه من الاستقرار، بغية حرمانه من العلاج، ويوم نطق القاضي الاسرائيلي بالحكم عليه بالسجن المؤبد، عشنا أقسى أنواع الالم، وتأثرت والدتي كثيراً، ومن شدة حزنها أصبحت تعاني من عدة أمراض".

الانتظار الصعب

في سجن "جلبوع " يقبع الأسير عماد، وتصف شقيقته وضعه الصحي بالجيد، وبأنه يتمتع بإرادة فولاذية ومعنويات عالية، حيث أكمل تعليمه ولم تتوقف حياته، ويخوض مع الاسرى معركة الصمود والثبات بانتظار كسر القيد.

وتضيف: "زيارته هي العلاج الوحيد لوالدتنا، التي تشعر بحزن شديد منذ منع الزيارات بسبب تفشي فيروس كورونا، ولسانها لا يتوقف عن الدعاء له ولكل الأسرى، وكلما اشتد حزنها، تقف أمام صوره وتتحدث إليه وتشكي همومها، والشيخوخة والمرض لم تمنعاها يوماً عن زيارته، واسمه لا يفارق أحاديثها، وهي دائمة الاهتمام بمتابعة الاخبار لمعرفة أوضاع الأسرى في ظل كورونا، وتنتظر لحظة عودة الزيارات حتى تراه، وقد أصبحت تعاني من ضعف بالنظر بسبب بكائها الدائم".

وتضيف: "لا تريد والدتي سوى عودته إلى أحضانها، وأمنيتها أن تعانقه قبل رحيلها، وليل نهار تتضرع لله في صلاتها ودعائها بأن يكون قريباً في منزلنا، لتحتضنه ويكون بجانبها قبل رحيلها".