الدرويش في مأساة المرفأ .. بيروت للمطلق

بقلم: حمدي فراج

تتداخل مأساة انفجار مرفأ بيروت مع الذكرى السنوية الثانية عشرة على رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش ، الذي خلدها في قصيدته الشهيرة "بيروت خيمتنا الأخيرة" ، واذا كان رحيله عن هذا العالم قبل اثنتي عشرة سنة ، فإن عمر القصيدة التي لم تمت ولم ترحل برحيله قد ناهز الاربعين سنة، اي بعد احتلالها من قبل الجيش الصهيوني عام 1982 كأول عاصمة عربية تجتاحها اسرائيل وتطرد منها قوات الثورة الفلسطينية، بمن في ذلك شاعرها محمود درويش الى عشرات المنافي والفيافي والمهاجع.

وبمجرد وقوع الانفجار ، حضرت القصيدة التي ودع فيها المدينة ، وداع الحزن والألم والدم والحرب والانكسار، لكنه المجبول حتى الانصهار، بالاصرار على الاستمرار حتى الانتصار، ولهذا عنون مطولته : "بيروت خيمتنا الأخيرة" لا خيمة لنا غيرها ، لا خيمة لنا بعدها، بل لا نجمة تضيء لنا الخيمة، والطريق منها واليها، سواها؛ "بيروت خيمتنا الاخيرة ، بيروت نجمتنا الاخيرة" .

قد يكون مشوار التيه قد طال واستطال لدى الكثيرين من قيادات هذه الثورة، بمن فيهم الدرويش نفسه حين عاد الى غزة في مشروع اوسلو "غزة واريحا اولا"، لكنه سرعان ما اكتشف عقم هذه العودة، حين قال: عدنا من البوابة الخلفية للوطن ، وأننا لم نحرر سوى الليل، واستنكف عن تولي اي منصب في ركب هذه القافلة.

كيف استطاع محمود درويش الشاعر والمفكر والفيلسوف حضور انفجار المرفأ، "بيروت وَصْفُ المرأة الأولى ورائحة الغمام / بيروتُ من تَعَبٍ ومن ذَهَبٍ وأندلس وشام / لَم أسمع دمي من قبلُ ينطقُ باسم عاشقةٍ تنام على دمي، وتنامُ / بيروتُ الشوارعُ في سُفُنْ / و ميناء لتجميع المُدُنْ / دارتْ علينا واستدارتْ ، أدبرتْ واستدبرتْ " .

كيف استطاع استحضار كل ما تعانيه المدينة بما في ذلك النفايات " طحلبِ الأيام بين المدِّ والجزر / النفاياتِ التي طارت من الطبقات نحو العرش ، هندسة التحلُّل والتشكُّل واختلاط السائرين على الرصيف عشيَّةَ الزلزال" . وارتفاع الدولار : "هندسيَّتها خطوطُ العالم الآتي إلى السوق الجديدة / يُشترى ويُباع ، يعلو ثم يهبط مثل أسعار الدولار / وأُونصةِ الذهب التي تعلو وتهبط وفق أسعار الدم الشرقيِّ" ، والطوائف : " نأخذُ الأولاد نحو البحر كي يثقوا بنا / وصوتُ فيروزَ الموزَّعُ بالتساوي بين طائفتين" ، والاحزاب : " ولبنانَ انتظاراً بين مرحلتين من تاريخنا الدمويِّ / لأيّ حزبٍ ينتمي" ، واقتحام البرلمان : "حزب الدفاع عن البنوك الأجنبية واقتحام البرلمان" ، داعش والنصرة والنفط : " أَسألوا آخر الإسلام : هل في البدء كان النفطُ / أم في البدء كان السخط" .

في نهاية القصيدة ، يقرأ علينا اعلان بيروت للمطلق : "نحن الواقفين على خطوط النار نعلن ما يلي: أحرقنا مراكبنا وعانقنا بنادقنا / لن نقول ((نعم)) / فمن دمنا إلى دمنا حدودُ الأرض / نناديكُمْ / فيرتدُّ الصدى بَلَداً / نناديكُمْ فيرتدُّ الصدى جَسَداً / لن نترك الخندقْ / حتى يمرَّ الليلْ / بيروتُ للمطلقْ / في البدء لم نُخْلقْ / والآن في الخندقْ / ظهرتْ سماتُ الحملْ / وَلَدٌ أطاح بكل ألواح الوصايا والمرايا ، ثم نام ".