انتهاك إسرائيلي جديد يستهدف تعزيز السيطرة على الحرم الابراهيمي بالخليل

بقلم: المحامي علي ابوهلال

أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في بداية الأسبوع الجاري، على ارتكاب انتهاك خطير مخالف للقانون الدولي، لتغيير معالم الحرم الإبراهيمي الشريف بمدينة الخليل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تمثل في تركيب مصعد كهربائي في المسجد، ونقل صلاحيات الإشراف على الحرم من بلدية الخليل، لما يسمى مجلس التخطيط الاستيطاني، وذلك في اعتداء جديد الحرم الابراهيمي، لتعزيز سيطرة الاحتلال عليه.

وكان رئيس تحالف أحزاب اليمين المتطرف ووزير الأمن الإسرائيلي السابق، نفتالي بينيت، قد صادق على تخطيط "مشروع المصعد" في الحرم الإبراهيمي، وأعلن عن هذا المخطط خلال تدشين بؤرة استيطانية جديدة باسم "نوفي كراميم" في مدينة الخليل المحتلة، في شهر شباط /فبراير الماضي. وأضاف بينيت أنه "قبل شهرين صادقت على دفع التخطيط لمشروع المصعد في مغارة المكفيلا، وبإمكاني القول لأول مرة أن المشروع اكتمل. ونحن نعطي اليوم ضوءا أخضر لتنفيذ المصعد.

وكانت محكمة تابعة للاحتلال الإسرائيلي، ردت التماساً تقدَّمت به بلدية الخليل لمنع المستوطنين من إقامة المصعد الكهربائي داخل الحرم الإبراهيمي في أوائل شهر آب الجاري، وأعطت ضوءاً أخضر لـ«مجلس التخطيط الأعلى الإسرائيلي» لتنفيذ الأمر. وقال رئيس بلدية الخليل تيسير أبو سنينة، في تصريحات لصحافيين في الخليل: "بما أن صلاحيات منح الرخص من عدمه في مدينة الخليل، حق حصري لبلدية الخليل، فقد اعترضنا على قرار الاحتلال بالسماح للمستوطنين ببناء المصعد الكهربائي، ورفضنا منح التصريح، لكن محكمة الاحتلال، ردت التماساً للبلدية ومنحت الصلاحيات بإعطاء ترخيص لمصعد كهربائي".

ومنذ عام 1994، يُقسّم الحرم الإبراهيمي، إلى قسمين، قسم خاص بالمسلمين، وآخر باليهود، إثر قيام مستوطن يهودي بقتل 29 مسلما أثناء تأديتهم صلاة الفجر يوم 25 شباط من العام ذاته.

الحرم الإبراهيمي الشريف الذي يقع في قلب البلدة القديمة من مدينة الخليل من أقدم المساجد في فلسطين، وهو في المرتبة الثانية من حيث القدسية، والأهمية الدينية، والتاريخية بعد المسجد الأقصى المبارك. ويعود أصل المسجد الإبراهيمي في الخليل إلى عهد إبراهيم عليه السلام، إذ توجد تحته مغارة دُفن فيها الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب وزوجاتهم، الحرم الإبراهيمي أخذ مكانته في التاريخ من شرف استضافة إبراهيم عليه السلام، وسُميت مدينة الخليل باسمه، والمسجد الإبراهيمي سُمي نسبةً إلى إبراهيم عليه السلام، حيث إن الحرم مبنيٌّ فوق مدافن الأنبياء. وتبلغ مساحة الحرم الإبراهيمي من الداخل والخارج ما يقارب 5 آلاف متر مربع، منها دونمان و50 متراً مربعاً مساحة البناء الداخلي، والبناء يعود إلى العهد الروماني زمن الملك الأدومي هيرودس، عندما قام ببناء السور الضخم فوق المغارة التي دُفن فيها الأنبياء حفاظاً عليها، وهي المغارة المعروفة بالمكفلة، ثم تعاقبت على هذا المكان عدة دول كالأمويين والعباسيين والفاطميين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين حتى وصل إلى وقتنا هذا.

الحرم الإبراهيمي يتألف من عدة أقسام، هي: "الجاولية وتعود للعهد المملوكي، والإسحاقية وتُعتبر المصلى الرئيسي الآن للمسلمين، خاصة بعد التقسيم، والإبراهيمية وهي تحت السيطرة الإسرائيلية، والصحن ويخضع للسيطرة الإسرائيلية، ومنطقتا اليعقوبية واليوسفية، وتقعان تحت السيطرة الإسرائيلية، وما يقع تحت السيطرة الفلسطينية من أقسام الحرم هما "الجاولية، والإسحاقية"، أما الساحات الخارجية فكلها تقع تحت السيطرة الإسرائيلية، ولا يُسمح الدخول إلى هذه المناطق بسبب السيطرة التامة وإغلاق المنطقة بالكامل أمام المسلمين، وتتحكم الإجراءات الإسرائيلية الآن بإغلاق المكان بالكامل، علاوةً على إيجاد بوابات تفتيشية تتحكم بالدخول والخروج من المسجد الإبراهيمي.

علماً ان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" أدرجت بلدة الخليل القديمة، بناء على تصويت جرى في شهر تموز 2017 على لائحة التراث العالمي، وبذلك أصبحت البلدة القديمة والحرم الابراهيمي رابع ممتلك ثقافي فلسطيني على لائحة التراث العالمي بعد القدس (البلدة العتيقة وأسوارها)، وبيت لحم (مكان ولادة السيد المسيح: كنيسة المهد ومسار الحجاج)، وبتير (فلسطين أرض العنب والزيتون: المشهد الثقافي لجنوب القدس)، وهذا يؤكد على هوية الخليل والحرم الابراهيمي الفلسطينية وأنها تنتمي بتراثها وتاريخها الى الشعب الفلسطيني.

تسعى سلطات الاحتلال الاسرائيلي للاستيلاء بشكل كامل على الحرم الإبراهيمي، الأمر الذي يناقض القوانين الدولية، وتؤكد الجهات الرسمية الفلسطينية إن من يمتلك الصلاحيات في الحرم الإبراهيمي، بناء على اتفاقات أوسلو (1993) هي بلدية الخليل، وليست إسرائيل، لكن سلطات الاحتلال كعادتها لا تحترم أي اتفاقات مع الجانب الفلسطيني، ولا تحترم ولا تعترف بانطباق القانون الدولي واتفاقات جنيف لعام 1949 على المناطق الفلسطينية المحتلة، واستمرت بانتهاكاتها الجسيمة لحق الفلسطينيين في الحرم الابراهيمي منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية المحتلة في الخامس من حزيران عام 1967.

بعد مرور 26 عاما على مجزرة الحرم الابراهيمي الشريف، تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي عدوانها وبوحشية بحق الحرم والبلدة القديمة بمدينة الخليل، في مساع حثيثة لتغيير طابعها لصالح مشاريعه الاستيطانية، وفرض واقع جديد لتهويدها. المجزرة التي وقعت عام 1994 في الخامس عشر من رمضان أثناء صلاة الفجر على يد المتطرف "باروخ غولد شتاين"- والتي استشهد فيها داخل الحرم 29 مصليا، الى جانب 31 شهيدا سقطوا خارجه، وأصيب أكثر من 200 مواطن بجروح مختلفة- كانت مبررا للاحتلال لتقسيم الحرم بقوة السلاح إلى قسمين، إذ بات الوصول إليه عبر الحواجز العسكرية والبوابات الالكترونية في غاية الصعوبة، عدا عن المساعي المستمرة لتغيير معالم البلدة القديمة، بإغلاق أغلب شوارعها، وأسواقها، وتضييق الخناق على المواطنين، لصالح المشاريع التهويدة. وتشدد قوات الاحتلال الآن من إجراءاتها العسكرية على البلدة القديمة، من خلال الحواجز العسكرية متعددة الاشكال والانماط خاصة المؤدية الى الحرم الابراهيمي، بالإضافة إلى اعتداءات المستوطنين اليومية بحق هذا الصرح الديني والتاريخي الهام، وبحق المواطنين، والمصلين، والزائرين القادمين إليه، حيث يتعرض المصلون والزائرون من السيدات والرجال والشيوخ للتفتيش المهين، واعتقال بعضهم وعرقلة مرورهم، ودخولهم للحرم.

الانتهاك الإسرائيلي الجديد يتضمن مصادرة 90 متراً مربعاً قرب الدرج الأبيض في الحرم الإبراهيمي، لإنشاء مصعد، إضافةً إلى مصادرة 230 متراً عند الدرج الواقع قرب مركز شرطة الاحتلال، ويصعد إلى باب الحرم من جهة الساحة الجنوبية الشرقية، لتمكين المستوطنين من الدخول والخروج للحرم الابراهيمي، وهي جزء لا يتجزأ من الاستيلاء على مدينة الخليل، وهو أشبه بكرة ثلج متدحرجة، ينبغي مواجهتها.

ولمواجهة هذا المخطط، ينبغي تعزيز التواجد الفلسطيني داخل المسجد، وحشد أعداد كبيرة من المصلين في صلاة فجر كل جمعة، وفي كافة الأوقات للتصدي لاعتداءات الاحتلال ومواجهة مشاريعه ومخططاته الاستيطانية فيه، كما ينبغي على دولة فلسطين متابعة جهودها القانونية والقضائية في كافة المحافل والمنظمات الدولية، حيث أن هذا الانتهاك الجديد لسلطات الاحتلال ضد الحرم الابراهيمي يمثل جريمة حرب وانتهاك خطير للقانون الدولي، وعلى دولة فلسطين متابعة جهودها في هذا الشأن لدى منظمة "اليونسكو" وغيرها من المنظمات الإقليمية والدولية المعنية، لوضع حد لهذا الانتهاك الخطير من قبل سلطات الاحتلال، ولدى المحكمة الجنائية الدولية لفتح تحقيق جنائي ضد المسؤولين الإسرائيليين الذين يتعمدون تدمير أماكن التراث الفلسطيني والاستيلاء عليها، وهو ما يشكّل جريمة حرب بناء على «ميثاق روما الأساسي».

*محاضر جامعي في القانون الدولي